عبدالعزيز محمد الخاطر
عندما ذكر هربرت ماركوز، أحد أعلام مدرسة فرانكفورت النقدية، أن المجتمع الصناعي الرأسمالي خلق للإنسان حاجات وهمية جعلته يصبح جزءاً من نظام الإنتاج والاستهلاك الرأسمالي وبالتالي أبعده عن حاجاته الحقيقية ليصبح بامتياز إنسان البعد الواحد فلو نظرنا الي ما نحتاجه اليوم لوجدنا أنه لم يكن كذلك في السابق وما كان لا يمثل ضرورة في السابق أصبح اليوم حاجة ضرورية رغم عدم تبدل الظروف، فالهاتف النقال والمحمول علي سبيل المثال لم يشعر أحد بالحاجة إليه إلا بعد اختراعه بمعني أن وجوده خلق الطلب عليه فهو اليوم حاجة ضرورية للجميع دون شك وغيره كثير من الماديات التي تظهر في الأسواق فالعولمة تخلق الحاجة أولاً ثم تخلق الطلب عليها ثانياً وهكذا.
ولكن تغول رأس المال يجد مقاومة عنيفة في بلدانه فاليسار التقليدي بأطروحاته الاجتماعية بدأ يعود الي الواجهة وقوي المجتمع المدني في أوروبا وأمريكا آخذه في التعاظم في التصدي لهذا التغول الذي صرف الإنسان عن حاجته الحقيقية في مجتمع تسوده قيم روحية ليرمي به في أتون وهم الثراء الفاحش وهي ظاهرة بدأت واضحة في أطراف هذا التمدد الرأسمالي حيث آليات التحكم عن بعد في أيدي المراكز الرئيسية. علينا أن نتذكر أن ما يسمي بالرأسمالية المتوحشة التي تتصدي لها قوي المجتمع المدني والأهلي في الدول الغربية قامت علي أعتاب ديمقراطيات صلبة ومع ذلك لا تزال في جنوحها وتغولها واغتيالها للبعد الإنساني، أما ما يحدث في مجتمعات المصب الرأسمالي التي لا توجد فيها أصلاً ديمقراطيات لاجمة لمثل هذا التغول فهي أبعدت الإنسان وحولته ليصبح ترساً في آلية الإنتاج والاستهلاك وذلك فقط ما يحدد وجوده وكينونته. لقد عانت دول الغرب من هذا من قبل لذلك نجد الوعي الجديد الآخذ في الانتشار اليوم في تلك المجتمعات ربما يعود بنا الي مراحل سابقة كان فيها النظام الاشتراكي نداً قوياً للنظام الرأسمالي المسيطر أو قادرا علي تحييده من خلال برامج الأحزاب الأخري التي قد يجدها الشعب طريقاً لإعادة مكتسباته. المشكلة التي تواجه المجتمعات اليوم هي في قدرة الأموال علي الحراك بشكل كبير يشبه المد العارم الذي يأتي علي الأرض ثم ينسحب عنها ويتركها يباباً كأن لم تغن بالأمس. ما حدث مؤخراً في الأسواق المالية في بلدان الخليج من قوة اجتذاب للمواطنين بحيث جعل الكثيرين يتركون أعمالهم التي يقتاتون منها ويلتحقون بالبورصات المالية أملاً في ربح سريع يختصر العمر والعمل دليل علي ولادة إنسان البعد الواحد في المنطقة الذي أشرت إليه في بداية المقال. فالحاجات الحقيقية للإنسان بشكل عام من حرية ومساواة وعدالة اختفت أو تراجعت الي مرحلة اللاشعور فطبيعة ارتباط هذه الدول الصغيرة بالمركزية الرأسمالية جعلت منها في حالة لهاث دائم للمواكبة فحالة التراكم الكمي طغت علي حالة التراكم الكيفي التي مرت بها أساسا تلك الأسواق وتلك المجتمعات، لذلك فعملية التأزيم مستمرة وستستمر في هذه المجتمعات حتي تتحقق حاجيات إنسانها الحقيقية ليشعر بإنسانيته أولاً لأن الاستهلاك وحده لا يكفي لتحقيق ذلك.
ہ كاتب من قطر[email protected]