باريس ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمد سيف: ليس من الصعب تخيل هذا النص الذي هو الآن بين يدي القارئ الذي سيصبح هذا الأخير، في لحظة قراءته مؤلفا له، عرضا مسرحيا، فلقد ولدّ هذا النص، وفقا لمعرفتنا، وحواراتنا الطويلة والمقتضبة مع مؤلف ومخرج النص، على الخشبة، ومن الركح قد استمد قوته ورونقه، ولغته التي تنبع من الحياة المعاشة والمتخيلة، لاسيما أنه يعيد الحياة إلى اللغة واللغة إلى الحياة ويرقى بهما نحو النبل. ويبدو لي، وهذا شيء مؤكد، ان الضرورة الفنية للمسرح هي التي دفعت بوسرحان الزيتوني، مؤلف نص ‘ليلة بيضاء’ للاستغناء عن الأبواب والنوافذ والجدران والسطوح والبيوت، لأنه كان واعيا تمام الوعي، أن العين التي تعرف كيف تنظر سترى هذه الأشياء كلها رغم كل شيء.(في دائرتين ضوئيتين منعزلتين، شخصان باتجاه الجمهور)، هكذا يتشكل فضاء اللوحة الأولى للنص، في اللامعقول، ومن خلال لغة شعرية متوالية، تكاد أن تقترب من العبث واللاجدوى، ولكن ليس على طريقة استراغون وفلاديمير، في مسرحية في انتظار غودو، لأن (الأول) و(الثاني) في مسرحية ‘ليلة بيضاء’ لا ينتظران وإنما هما يتجادلان ويتأملان في وجوه مساء المدينة وفي تجاعيد البحيرة البشرية، ومن فوق ربوة عالية. لقد وجّه بوسرحان الزيتوني منظاره مثلما فعل مؤلف ‘حياة غاليليه’ (بريشت) منظاره الفلكي صوب الكون بأكمله، وصوبّ تعددية عوالم السماء المليئة بالنجوم، وها هما الهواء والضوء، يجتاحان فجأةً، المسرح الذي ظل فترة طويلة مقفلا في علبته الايطالية. بهذه الطريقة فتح المسرح نفسه على الجمهور وعقد معه علاقة مباشرة مستنطقا من خلالها، جدلية المسرح الملحمي البريشتي من وجهة نظر خاصة به. وهكذا صرنا الآن بعيدين عن ظلال الأنا، وكياسة التحليل الذاتي، والمحاولات الكئيبة، التي تدور حول موت القصة، الحدث، الحوار، وموت الشخصيات. لا للتناقضات، لا للظلال الكثيفة، لا للهزات الحياتية الداخلية التي يجب أن تختفي تماما من المسرح الذي ينشد من ورائه مؤلفه التغيير وليس التفسير. فـ(كل ما فعله الفلاسفة هو أنهم فسروا العالم بطرق مختلفة، والمسألة الرئيسية هي تغييره)، مثلما يقول (كارل ماركس). ها هو (الأول) و (الثاني) يطلان على الكون المحيط بهما وعلى أنفسهما في ذات الوقت، من خلال منظار، وكأنهما يريدان الاقتراب من الحياة التي تبتعد عنهما كلما حاولا الاقتراب منهما، مثل صوفيين، يلهجان باسم الله الذي راح يبتعد عنهما كلما لهجا باسمه.
وكلام يقود كلاما، وشعر يجر شعرا، في متوالية ليل أبيض، يرسم حدودها المؤلف باللون الأسود والابيض، حتى يأتي المساء لتصبح شيئا فشيئا تراجيديا سوداء ليلكية. ومثلما ترفع ستائر المسارح في العالم ليلا، يرفع (بوسرحان الزيتوني) الحجاب عن تجاعيد الوجه الإنساني المتدثر في وضح النهار، فاتحا الشهية على الكلام، ولكن لا لكي يمحيه ضوء النهار، وإنما لأننا في الليل نحلم، ونرتجل، ونشكل الكون مثلما نريد ونشتهي، بعيدا عن سجوننا الذاتية التي تمنع الهواء علينا في الغالب.
إن نص ‘ليلة بيضاء’ لا يدعو إلى البياض وراحة البال، وإنما إلى السهر، والسمر، والقلق، والتعب الذي يتسرب إلى الجسد بمتعة المشاهدة والقراءة، إنه يمزج في طياته التجريب في التجربة، لتتعدد فيه الأساليب لا المسرحية فحسب وإنما الحياتية أيضا، في لوحات مشهدية تكتظ بالتشكيل الخالي من ثقل الواقعية الفوتوغرافية، والخطاب السياسي المفرغ من محتواه، والميلودراما البكائية التي تستجدي عطايا الجمهور من الدموع.. إن الحكاية فيه حكايات (الأول) و(الثاني) هما رقمان لشخصان لا اسماء لهما، ولكن من خلال كلامهما المتوالي والمتقاطع، والصامت الممتلئ، نكتشف قصة الكلب ريمو، والخادم بسيط بن صعب بن سهلة، وسيدهما، وقصة السكرانين التائهين في شوارع المدينة الغارقة بالنوم، مثلما نكتشف عمق صداقة الأول والثاني القديمة، واختلافهما والتقاءهما، ومن خلال تصرفات هذين الرقمين، نكتشف قسوة الحياة ووحشيتها وألم الإنسان. لهذا فهما يبتعدان عن بعضهما البعض لكي يقتربا، ويغرقا في أسى شفيف، في ظلمة الواقع المتخيل، على صدى قهقهات (الأول). اللوحة الثانية: تتأسس على التواطؤ: بين الخادم بسيط بن صعب بن سهلة والجمهور وكذلك بين السيد والجمهور. وقد ابتدأ هذا التواطؤ منذ اللوحة الأولى، حيث نلاحظ ان التوجه المباشر للجمهور حاضر. فالأول والثاني غالبا ما يتوجهان إلى الجمهور ليبوحا له بما يعتمل القلب من الأحزان وفي الرأس من الأفكار، وهذا يعني أن الجمهور في هذه المعادلة المسرحية الشائكة، يعتبر جزءا لا يتجزأ من الأحداث، إذ يشكل مصدر البوح المباشر لجميع الأطراف.. وهذا في اعتقادنا، جزء من اللعبة المسرحية التي أراد أن يؤسس لها المخرج/المؤلف، من خلال تفجيره لفضاء المتفرج. يضعنا المؤلف في اللوحة الثانية أمام علاقة سيد بخادمه، وبحث هذا الأخير عن الحرية التي لا يعرف كيف يعبر عنها إذ يقول:
ـ أريد أن أرحل.
ـ إلى أين؟
ـ إلى هناك.
ـ هناك أين؟
ـ لست أدري، هناك الذي أريد ولا أعرفه، أحسه ولا ألمسه.
إن النص يضعنا من خلال حالات محددة أمام أنفسنا من جديد، حيث ما هو إنساني وفي غاية الجودة لا يتحقق بسهولة. وإن الإنسان الذي هو غريب في طباعه وعاداته يطرح أسئلة، ويسأل نفسه: ماذا يفعل على هذه الأرض؟ وفي هذه الحياة، وهذا العالم، الذي يتوجب عليه معرفته والعثور عليه. لأن الإنسان هو أيضا هذا الذي قد نسي نفسه، وتشتت، وتفكك، وضاع. إن نص بوسرحان الزيتوني يجد نفسه في قلب هذه الحالات غير المحتملة والتي لا تطاق ويصعب قبولها. فالخادم يقتل كلب سيده لأنه يشبهه، مثلما يقول، وبدلا من أن يقتل نفسه يقتل شبيهه، مع ذلك يظل يبحث عنه. فهل هو يبحث عن نفسه؟ إننا أمام حالات من صنع الإنسان نفسه ولكنها هربت منه وعنه، وهناك قوى تضيق الخناق عليه، وتعرض حياته للخطر، ترغمه على عدم التلاؤم، على الطاعة العمياء، وتشل تفكيره، مثلما لو أن بقاءه على قيد الحياة مرهون بهذه القوى الحمقاء والمفسدة للعقل. لهذا يطلب الخادم من سيده، في لحظة من اللحظات، وبعد فشله في الحصول على الحرية:
ـ أريد أن أرتاح، بصراحة يا سيدي.. أريد أن أغادر هذا العالم الواسع نحو مكان ضيق أستطيع أن أنام فيه جيدا. في وسط هذه الحالات المشكوك فيها والمريبة والمعقدة، يرجعنا المؤلف في اللوحة الثالثة، إلى الأول والثاني، لكي يمركز أبطال مسرحيته بتفنن، فتبدو كما لو أنها تعبر مسافة مليئة بالفخاخ، التي لا تخرج منها سليمة معافاة. فهل الثاني: (عندما جاؤوا تلك الليلة، دقوا الباب فاهتزت أركان البيت، لا شيء يسمع إلا وقع الأحذية.. انتشروا في البيت يشمون ثيابي وكتبي، أزالوا الصفحة عن الصفحة، أخرجوا أصابع الديناميت من أبيات الشعر(…) حكوا لي عن كل شيء، حتى النكت التي كنت أحكيها للأطفال الصغار(…) حكوا لي عن لون ضحكتي كيف تبدأ، وكيف تكبر، كيف تسقط الضحكة دمعة). إن هذا النص، المكتوب باللونين الأسود والأبيض، يحيلنا من لوحة لأخرى إلى حكاية تشبه إلى حد كبير المقامة المليئة بالاستعارات اللامتناهية، رغم العلاقة المباشرة التي يعقدها مع المتفرج. فهناك دائما ما هو واقعي وما هو متخيل يقع في زمكانية غامضة. الشخصيات فيها تقول شيئا لكي تشير إلى شيء اخر مليء بالرموز والدلالات الشعرية، لكي تعبر عن فوضى اللغة واستعمالاتها المتعددة والمختلفة. إنها، أي الشخصيات، تطرح أسئلة محرجة لتكشف أقنعة يصعب نزعها وتعريتها. وهذا يعود بلا شك، إلى أسلوب النص، الذي هو دائما وأبدا دقيق ومكثف، ومليء بالدلالات ويجعل الأحداث بلا صدمة، ومعارضة عنيفة، والبناء الدرامي وتداخلاته وتشابكاته مرنة. ولكن هناك دائما حزن وكآبة وغضب يختبئ خلف حوار صاف ونقي، يؤكد عليه الكاتب، من خلال منافذ ومداخل يتعذر كبتها. ففي اللوحة الرابعة، على سبيل المثال، هناك كوميديا سوداء، تدور بين سكرانين لفظهم البار بعدما أفرغ الخمر جيوبهما. في هذا المشهد توجد الكثير من الكوميديا التي يفترض أن نقهقه عند سماعها، ولكنها مرةً وحلوة في آن واحد، مليئة بالمفارقات التي تبعث على الحزن أكثر مما تدعو إلى الضحك، حتى وإن استعمل المؤلف بعض المفردات والعبارات الشعبية، (ناري، ناري خرج على راسو، وإلى اخره) فالأمر لا يغير شيئا، لأننا في نص، يمتد فيه الليل حتى خيوط الصبح الأولى، لتتحول فيه الشخصيات وتتنقل بين ما هو مضحك مثير للبكاء وبين ما هو حزين يبعث على الضحك، وشر البلية ما يضحك. إن التغير والتحول لا يطرآن على الشخصيات فقط، وإنما على نوع المسرح أيضا، فنحن ننتقل في هذا النص من مسرح كوميدي شعبي إلى مسرح سياسي بريشتي زيتوني وإلى مسرح اجتماعي يعالج العلاقة الزوجية من خلال موضوع المرتب الشهري القليل الذي لا يكفي في، بعض الأحيان، لمسامرة امرأة ليلية شهية.
إن اللوحة الخامسة، تقدم نفسها كنتيجة فاجعة ومشؤومة لكل هذا الذي حدث من قبل. فهي عبارة عن مكاشفة بين صديقين قد عاشا ظلمة السجن وقسوة الحياة في ظروف خاصة جدا، وهاهما الآن يلتقيان من جديد، ليقودا العرض من البداية حتى النهاية، وليبحثا بتمهل ومباشرة عن نفسيهما خلف أخاديد تراجيدية الملحمة الإنسانية، التي من خلالها يحاولان مساءلة العصر والعالم الذي هما فيه، محاصرين ومعذبين. إنهما يرسمان عالما من خوف، يزدحم بالنساء والرجال، والأطفال الراضخين للسلطة الكونية، التي تهددهم، وتقصيهم، وتنتزع منهم أحلامهم الوطنية.
إن هذا النص، من خلال تسلسل لوحاته وأفكاره المكتوبة بلغة شعرية لم تغادر الكلام لحظة واحدة، تجبر المتفرج/القارئ على مواجهة المشاكل وليس الفرار من أمامها. إنه يحاكي مسؤولية الإنسان إزاء مستقبله، ويدعو خياله وعقله. إنه ينادي هذين المركبين الضروريين لجعل الإنسان (إنسانيا)، وضروريين لكي لا تصبح الديمقراطية من أكثر الأشكال انجازا للعبودية، وضروريين أيضا من أجل الدفاع عن مسرح لا يكون متجرا بين المتاجر الموجودة في أسواق النخاسة.
لقد خلق بوسرحان الزيتوني في هذا النص عالما مزعزعا، تشعر عند مشاهدته بالقلق والتهديد. وهذا ما يقوي من حدة تساؤلنا ويترك الباب مفتوحا قليلا. إن نصا من هذا النوع، ينتمي إن شئنا تصنيفه، رغم اعتراضنا على التصنيف، إلى المسرح السياسي الجديد، المبني بناء دقيقا وبلغة مشوقة. إنه مسرح ملتزم، ورافض لكل أنواع التجارة الثقافية، مسرح يقترح أسلحة جديدة لأولئك الذين لا يريدون أن يصيبهم العماء. بلا شك، إننا أمام نص لا يستدعي الكوابيس القديمة، ولا يتعكز على أروقة التاريخ من جرائم، وإنما يضعنا مباشرة ما بين الوحشية التي نحن على استعداد لتقبلها هذه الأيام، والوحشية التي ستحدث قريبا بسبب تغافلنا ورفضنا لرؤيتها، لأننا، وبكل بساطة، شركاء بارتكابها، وإننا في حاضر يحمل مستقبلا يهددنا، ليس من خلال ذكريات آلامنا، وتعزيتنا، وإنما من خلال وجودنا فيه، لأن ألمه يمكن أن يكون بلا ذاكرة، مثلما يمكن أن يكون حاضرا جدا إلى درجة يصعب تجنبه أو نسيانه، لأنه ملح.