إنهاء‭ ‬الأونروا‭ ‬لن‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬انتماء‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬لقضيتهم

حجم الخط
0

أبناء‭ ‬الخمسين‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يذكرون‭ ‬بابتسامة‭ ‬وقليل‭ ‬من‭ ‬الاشمئزاز‭ ‬كأس‭ ‬الحليب‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬إجبارهم‭ ‬على‭ ‬شربها‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬مع‭ ‬ملعقة‭ ‬زيت‭ ‬السمك‭. ‬وبصفتهم‭ ‬بالغين‭ ‬فهم‭ ‬يعرفون‭ ‬تقدير‭ ‬الإطار‭ ‬الداعم‭ ‬الذي‭ ‬أعطته‭ ‬وكالة‭ ‬غوث‭ ‬وتشغيل‭ ‬اللاجئين‭ ‬‮«‬الأونروا‮»‬‭ ‬للفلسطينيين،‭ ‬والذي‭ ‬تم‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭ ‬أيضًا‭ ‬بتلك‭ ‬الكأس‭ ‬والملعقة‭ ‬اليومية‭. ‬ابن‭ ‬مخيم‭ ‬الشاطئ‭ ‬للاجئين،‭ ‬الذي‭ ‬تعلم‭ ‬الرياضيات‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بير‭ ‬زيت‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬نصف‭ ‬الطلاب‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬غزة،‭ ‬معظمهم‭ ‬لاجئون‭. ‬‮«‬هذا‭ ‬بفضل‭ ‬أوميغا‭ ‬3‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬الزيت‭ ‬الذي‭ ‬أخذناه‭ ‬من‭ ‬الأونروا‮»‬،‭ ‬سخر‭ ‬محدثي‭.‬

‭ ‬أبناء‭ ‬سكان‭ ‬غزة‭ ‬القدامى‭ ‬الذين‭ ‬ليسوا‭ ‬لاجئين‭ ‬كانوا‭ ‬يحسدون‭ ‬أبناء‭ ‬اللاجئين‭ ‬لأن‭ ‬مدارس‭ ‬الأونروا‭ ‬اعتبرت‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬الحكومية،‭ ‬حتى‭ ‬إنها‭ ‬وفرت‭ ‬دفاتر‭ ‬وأدوات‭ ‬للكتابة‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬ألوان‭ ‬بالمجان،‭ ‬لكن‭ ‬الفرق‭ ‬يكمن‭ ‬ـ‭  ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬أيضًا‭ ‬ـ‭  ‬في‭ ‬الهدف‭ ‬الطموح‭ ‬للاجئين‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬فقدوا‭ ‬أرضهم‭ ‬وأملاكهم،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬استيقظ‭ ‬بعضهم‭ ‬من‭ ‬الصدمة‭ ‬الأولى،‭ ‬علموا‭ ‬أولادهم‭ ‬روح‭ ‬ذلك‭ ‬الهدف‭: ‬تعلموا‭ ‬لأن‭ ‬التعليم‭ ‬هو‭ ‬أرضكم‭.‬

‭ ‬تعليم‭ ‬أساسي‭ ‬جيد‭ (‬بالنسبة‭ ‬للمنطقة‭ ‬كما‭ ‬أكد‭ ‬على‭ ‬مسامعي‭ ‬أحد‭ ‬خريجي‭ ‬ذلك‭ ‬الإطار‭) ‬كان‭ ‬الخدمة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬وفرتها‭ ‬وتوفرها‭ ‬وكالة‭ ‬الغوث،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‭. ‬غالبية‭ ‬موظفي‭ ‬وكالة‭ ‬الغوث‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مناطق‭ ‬نشاطها،‭ ‬الذين‭ ‬يعدون‭ ‬اليوم‭ ‬حوالي‭ ‬30‭ ‬ألفًا،‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬هاتين‭ ‬الخدمتين‭ ‬الأساسيتين‭. ‬كلما‭ ‬كان‭ ‬لسكان‭ ‬المخيمات‭ ‬فرص‭ ‬أكثر‭ ‬للعمل‭ ‬وكسب‭ ‬الرزق‭ ‬قلت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬خدمات‭ ‬مثل‭ ‬توزيع‭ ‬الغذاء‭. ‬وكلما‭ ‬كانت‭ ‬الأونروا‭ ‬ملزمة‭ ‬بزيادة‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬خدمات‭ ‬الطوارئ‭  ‬ـ‭  ‬هذا‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬الحيوية‭ ‬للتعليم‭ ‬والصحة‭.‬

‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬إلغاء‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للأونروا،‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬فتحت‭ ‬السنة‭ ‬الدراسية‭ ‬الجديدة‭ ‬كالعادة‭ ‬في‭ ‬711‭ ‬مدرسة‭ ‬أساسية‭ ‬تابعة‭ ‬لوكالة‭ ‬الغوث‭ ‬هذه،‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬أربع‭ ‬دول‭: ‬لبنان،‭ ‬وسوريا،‭ ‬والأردن‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وغزة‭. ‬

العطلة‭ ‬الصيفية‭ ‬انتهت‭ ‬والـ‭ ‬526‭ ‬ألف‭ ‬طالب‭ ‬وطالبة‭ ‬فلسطينيين‭ ‬يخرجون‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬من‭ ‬بيوتهم‭ ‬التي‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬حوالي‭ ‬60‭ ‬مخيمًا‭ ‬للاجئين‭ ‬ويصلون‭ ‬إلى‭ ‬المدارس‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬علامات‭ ‬موحدة‭: ‬أبواب‭ ‬ونوافذ‭ ‬مطلية‭ ‬باللون‭ ‬الأزرق،‭ ‬علم‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ (‬قارات‭ ‬العالم‭ ‬تحيط‭ ‬بها‭ ‬سنبلتان‭)‬،‭ ‬أشجار‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬التي‭ ‬جذوعها‭ ‬باللون‭ ‬أبيض،‭ ‬وصور‭ ‬الخيام‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬1949‭ ‬معلقة‭ ‬على‭ ‬الجدران‭.‬

‭ ‬هذه‭ ‬الرموز‭ ‬الموحدة‭ ‬تم‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليها‭ ‬تقريبًا‭ ‬سبعة‭ ‬عقود،‭ ‬ملايين‭ ‬الأطفال‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬عرفوا‭ ‬علم‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعرفوا‭ ‬أعلام‭ ‬الدول‭ ‬المستضيفة،‭ ‬وحتى‭ ‬علم‭ ‬فلسطين،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يعرفوا‭ ‬نجمة‭ ‬داود‭ ‬التي‭ ‬تعلموا‭ ‬كرهها‭ ‬جدًا‭ ‬كممثل‭ ‬للعنف‭ ‬العسكري‭ ‬اليومي‭. ‬لقد‭ ‬التقوا‭ ‬باللون‭ ‬الأزرق‭ ‬المميز‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬ذهبوا‭ ‬إلى‭ ‬العيادة‭ ‬في‭ ‬المخيم‭ ‬لسبب‭ ‬ما،‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬تلقوا‭ ‬وجبة‭ ‬الأكل‭ ‬المخصصة‭ ‬فقط‭ ‬للأطفال‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬آباؤهم‭.‬

وكذلك‭ ‬الأمر،‭ ‬فإن‭ ‬عملية‭ ‬الهندسة‭ ‬المعمارية‭ ‬التلقائية‭ ‬التي‭ ‬اجتازتها‭ ‬المخيمات‭: ‬من‭ ‬صفوف‭ ‬الخيام‭ ‬وحنفيات‭ ‬ومراحيض‭ ‬في‭ ‬طرف‭ ‬كل‭ ‬عدة‭ ‬خيام‭ ‬إلى‭ ‬صفوف‭ ‬أقل‭ ‬تنظيمًا‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الغرف‭ ‬خلف‭ ‬ساحة‭ ‬داخلية،‭ ‬والتي‭ ‬سرقت‭ ‬بضع‭ ‬سنتيمترات‭ ‬من‭ ‬الأزقة،‭ ‬هكذا‭ ‬ضيقتها‭ ‬أكثر،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬المباني‭ ‬ترتفع‭ ‬في‭ ‬التسعينيات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إسكان‭ ‬أبناء‭ ‬العائلة‭ ‬الذين‭ ‬كبروا‭. ‬توفيرات‭ ‬أبناء‭ ‬العائلة‭ ‬الذين‭ ‬وجدوا‭ ‬عملامكنت‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ (‬في‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬وسوريا،‭ ‬وقبل‭ ‬الحرب‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ممكنًا‭ ‬في‭ ‬لبنان‭).‬

في‭ ‬مخيمات‭ ‬اللاجئين‭ ‬تم‭ ‬الحفاظ‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬على‭ ‬تقسيم‭ ‬جغرافي‭ ‬بين‭ ‬قرى‭ ‬المنشأ‭ ‬التي‭ ‬طرد‭ ‬منها‭ ‬السكان‭ ‬وكذلك‭ ‬تقسيم‭ ‬فرعي‭ ‬حسب‭ ‬العائلات‭ ‬الموسعة‭. ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬السنين‭ ‬والتزاوج‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬القرى‭ ‬المختلفة،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬التقسيمات‭ ‬اختفت‭. ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يحافظ‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬الإخلاص‭ ‬وعلى‭ ‬الروابط‭ ‬المادية‭ ‬حسب‭ ‬العائلة‭ ‬الواسعة،‭ ‬فإن‭ ‬مخيمات‭ ‬اللاجئين‭ ‬خلقت‭ ‬تجمعات‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬أكثر‭ ‬حداثة،‭ ‬لأنها‭ ‬وسعت‭ ‬حدود‭ ‬الثقة‭ ‬بالقاعدة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬علاقة‭ ‬الدم،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬العائلة‭ ‬والحمولة‭ ‬إلى‭ ‬تجمع‭ ‬أكبر‭ ‬لأشخاص‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الصعب‭ ‬نفسه،‭ ‬الذي‭ ‬يوجب‭ ‬عليهم‭ ‬تدبر‭ ‬أمورهم‭ ‬في‭ ‬حيز‭ ‬صغير‭ ‬للحياة،‭ ‬أصغر‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬عاشوا‭ ‬فيه‭ ‬هم‭ ‬أو‭ ‬آباؤهم‭ ‬في‭ ‬السابق‭.  ‬ولقد‭ ‬ازداد‭ ‬الوعي‭ ‬بشراكة‭ ‬المصير‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والوطني‭ ‬الذي‭ ‬يتجاوز‭ ‬شراكة‭ ‬مصير‭ ‬أبناء‭ ‬العائلة‭. ‬هذا‭ ‬حدث‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تترسخ‭ ‬المنظمات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬حتى‭ ‬إقامة‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭.. ‬ليس‭ ‬كأداة‭ ‬معارضة‭ ‬ونضال‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭ ‬وضد‭ ‬الاحتلال،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬إلى‭ ‬جانبها‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الحمائل‭ ‬العليا‭ ‬التي‭ ‬خلقت‭ ‬الانتماءات‭ ‬الداخلية‭ ‬الموسعة‭ ‬وطورت‭ ‬شبكات‭ ‬حماية‭ ‬ومساعدة‭ ‬متبادلة‭ ‬خاصة‭ ‬بها‭.‬

اللهجة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬حوفظ‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬المخيمات،‭ ‬والذين‭ ‬جاءوا‭ ‬من‭ ‬قرية‭ ‬واحدة‭ ‬أو‭ ‬منطقة‭ ‬معينة‭ ‬حافظوا‭ ‬على‭ ‬اللهجة‭ ‬الخاصة‭ ‬بهم،‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭. ‬على‭ ‬مر‭ ‬السنين‭ ‬أخذت‭ ‬اللهجة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬مستضيفة‭ ‬نوع‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬الخاصة‭ ‬بها،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬تشخيص‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬الفلسطيني‭ ‬حسب‭ ‬لهجته‭.‬

هناك‭ ‬مخيمات‭ ‬اجتازت‭ ‬أيضًا‭ ‬عملية‭ ‬سسيولوجية‭ ‬مشابهة،‭ ‬من‭ ‬استيعاب‭ ‬فقراء‭ ‬ليسوا‭ ‬لاجئين‭. ‬هكذا‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬اليرموك‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬قبل‭ ‬هدمه‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭. ‬وهكذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المخيمات‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬شعفاط‭ ‬في‭ ‬القدس‭. ‬بموازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬متيسرين‭ ‬استطاعوا‭ ‬ترك‭ ‬المخيمات‭. ‬أبناء‭ ‬مخيم‭ ‬الدهيشة‭ ‬قرب‭ ‬بيت‭ ‬لحم‭ ‬بنوا‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الشارع‭ ‬امتدادًا‭ ‬لمخيمهم،‭ ‬والآن‭ ‬يشكل‭ ‬بلدة‭ ‬منفصلة‭ ‬وكبيرة‭ ‬اسمها‭ ‬الدوحة‭ (‬على‭ ‬اسم‭ ‬عاصمة‭ ‬قطر،‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تبرعت‭ ‬لشراء‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬بيت‭ ‬جالا‭). ‬هكذا‭ ‬أيضًا‭ ‬خلقت‭ ‬مخيمات‭ ‬مثل‭ ‬الشبورة‭ ‬وجباليا‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬امتدادات‭ ‬لأحياء‭ ‬أكثر‭ ‬راحة‭. ‬ولكن‭ ‬العلاقة‭ ‬والمحبة‭ ‬للمخيم‭  ‬ـ‭  ‬ليس‭ ‬أقل‭ ‬منها‭ ‬لقرية‭ ‬المنشأ‭  ‬ـ‭  ‬تم‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليها‭.‬

ليس‭ ‬هناك‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الإطار‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬وفرته‭ ‬وكالة‭ ‬الغوث‭ ‬لملايين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬الذين‭ ‬عاشوا‭ ‬ويعيشون‭ ‬في‭ ‬المخيمات،‭ ‬في‭ ‬السبعين‭ ‬سنة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ساعدهم‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬خطوط‭ ‬التشابه‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭. ‬ولكن‭ ‬لولا‭ ‬وكالة‭ ‬الغوث،‭ ‬هل‭ ‬كانوا‭ ‬سيذوبون‭ ‬تمامًا‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬المختلف‭ (‬بالأساس‭ ‬خارج‭ ‬فلسطين‭) ‬وينسون‭ ‬أنهم‭ ‬فلسطينيون،‭ ‬كما‭ ‬يأمل‭ ‬رجال‭ ‬الدعاية‭ ‬المناهضة‭ ‬للوكالة‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يدعون؟‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أمريكا‭ ‬الجنوبية‭ ‬يعيش‭ ‬مئات‭ ‬آلاف‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬الذين‭ ‬هم‭ ‬ليسوا‭ ‬لاجئين‭ (‬لأنهم‭ ‬هاجروا‭ ‬بإرادتهم‭ ‬ودون‭ ‬علاقة‭ ‬بالحروب‭)‬،‭ ‬ولم‭ ‬يعيشوا‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬مخيمات‭ ‬اللاجئين‭.‬

هم‭ ‬لم‭ ‬يتخلوا‭ ‬عن‭ ‬فلسطينيتهم،‭ ‬وأبناء‭ ‬الجيل‭ ‬الثاني‭ ‬والثالث‭ ‬يعززونها‭ ‬ويعززون‭ ‬وعيهم‭ ‬السياسي،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬يتحدثون‭ ‬العربية‭ ‬فهم‭ ‬يحاولون‭ ‬تعلمها‭ ‬الآن‭. ‬لولا‭ ‬وكالة‭ ‬الغوث‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬اللاجئون‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬سيحافظون‭ ‬على‭ ‬الروابط‭ ‬والمشاعر‭ ‬مع‭ ‬القرى‭ ‬والمدن‭ ‬التي‭ ‬جاءوا‭ ‬منها،‭ ‬ولم‭ ‬يكونوا‭ ‬يؤسسون‭ ‬عليها‭ ‬مطلبهم‭ ‬السياسي‭ ‬بحق‭ ‬العودة؟‭ ‬من‭ ‬يعتقدون‭ ‬ذلك‭ ‬يستبدلون‭ ‬المضمون‭ ‬بالإطار‭. ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬نجحت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬الإطار،‭ ‬وكالة‭ ‬الغوث،‭ ‬فإن‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭ ‬السياسي‭ ‬والمادي‭ ‬يعزز‭ ‬لدى‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بينهم‭. ‬هذا‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬موازاة‭ ‬عملية‭ ‬تفكك‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬التقليدي‭ ‬في‭ ‬الستين‭ ‬سنة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬الذي‭ ‬وحد‭ ‬بين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬تواجدهم،‭ ‬في‭ ‬المخيمات‭ ‬وخارج‭ ‬المخيمات‭. ‬الأحزاب‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬م‭.‬ت‭.‬ف‭ ‬غير‭ ‬موجودة‭ ‬أو‭ ‬ضعيفة‭ ‬ومتنازعة‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬وفيما‭ ‬بينها‭.‬

منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬نفسها‭ ‬فقدت‭ ‬أفضلياتها‭ ‬كمنظمة‭ ‬طورت‭ ‬الهوية‭ ‬والثقافة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وحاولت‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬خلق‭ ‬نظام‭ ‬من‭ ‬التضامن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭. ‬لقد‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬قشرة‭ ‬دقيقة‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬غير‭ ‬المعروفين‭ ‬والرماديين،‭ ‬وهي‭ ‬تعتمد‭ ‬تمامًا‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭.‬

السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬كما‭ ‬اعترف‭ ‬محمود‭ ‬عباس،‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬دورها‭ ‬كمنسقة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الأمنية،‭ ‬وهي‭ ‬تقوم‭ ‬بتوفير‭ ‬أماكن‭ ‬العمل‭ ‬بغطاء‭ ‬قيادة‭ ‬سياسية،‭ ‬متخاصمة‭ ‬مع‭ ‬عدوتها‭ ‬حماس،‭ ‬وحكمها‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أقل‭ ‬أموال‭ ‬منها‭. ‬المنظمة‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬صورتها‭ ‬كحركة‭ ‬نضال‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬من‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬المغامرات‭ ‬والأحلام‭ ‬العسكرية‭ ‬لها‭: ‬أي‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وفي‭ ‬الشتات‭.‬

ووفق‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬فإن‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬يتوق‭ ‬ترامب‭ ‬ونتنياهو‭ ‬إلى‭ ‬تدميره‭ ‬بقي‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬خلال‭ ‬سبعين‭ ‬سنة‭  ‬ـ‭  ‬جهة‭ ‬مسببة‭ ‬للاستقرار‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬والاجتماعي‭ ‬أيضًا‭. ‬ميزانية‭ ‬الأونروا‭ ‬العامة‭ ‬هي‭ ‬حوالي‭ ‬1‭.‬2‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

‭ ‬الميزانية‭ ‬العادية‭ ‬هي‭ ‬567‭ ‬مليون‭ ‬دولار،‭ ‬و450‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬توجه‭ ‬للتعليم،‭ ‬و400‭ ‬مليون‭ ‬تخصص‭ ‬لميزانية‭ ‬الطوارئ،‭ ‬و90‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬منها‭ ‬موجه‭ ‬لقطاع‭ ‬غزة‭. ‬هذا‭ ‬المبلغ‭ ‬المرتفع‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬جيب‭ ‬الشاطئ‭ ‬الصغير،‭ ‬وعلى‭ ‬التداعيات‭ ‬الشديدة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬للهجمات،‭ ‬وبالأساس‭ ‬على‭ ‬قيود‭ ‬الحركة‭ ‬والتجارة‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬إسرائيل،‭ ‬التي‭ ‬حولت‭ ‬نصف‭ ‬قوة‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬عاطلة‭ ‬عن‭ ‬العمل‭.‬

باقي‭ ‬الميزانية‭ ‬مخصصة‭ ‬لمشاريع‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬مختلفة‭ (‬مخيم‭ ‬نهر‭ ‬البارد‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬مثلاً‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬في‭ ‬غزة‭). ‬قبل‭ ‬ثمانية‭ ‬أشهر‭ ‬تقريبًا،‭ ‬ومع‭ ‬الإعلان‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬تقليص‭ ‬دعم‭ ‬أمريكا‭ ‬بـ‭ ‬300‭ ‬مليون‭ ‬دولار،‭ ‬كان‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬الميزانية‭ ‬تقريبًا‭ ‬500‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭. ‬وبجهد‭ ‬كبير‭ ‬حيث‭ ‬أسهمت‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬السعودية‭ ‬وقطر‭ ‬والإمارات‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬بـ‭ ‬50‭ ‬مليون‭ ‬دولار،‭ ‬انخفض‭ ‬العجز‭ ‬ووصل‭ ‬الآن‭ ‬270‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭.‬

الوكالة‭ ‬اضطرت‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬فوري‭ ‬في‭ ‬خدمات‭ ‬الطوارئ،‭ ‬وإحدى‭ ‬الخدمات‭ ‬المهمة‭ ‬فيها‭ ‬هو‭ ‬الدفع‭ ‬النقدي‭ ‬للعاطلين‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ (‬النقد‭ ‬مقابل‭ ‬العمل‭)‬،‭ ‬كذلك‭ ‬تم‭ ‬وقف‭ ‬مشاريع‭ ‬طوارئ‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭: ‬خدمات‭ ‬معالجة‭ ‬نفسية‭ ‬لمن‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬الصدمات‭ ‬بعد‭ ‬الهجمات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬ومساعدة‭ ‬البدو‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬ج،‭ ‬ومساعدة‭ ‬المزارعين‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬احتجاز‭ ‬أرضهم‭ ‬ومصدر‭ ‬رزقهم‭ ‬خلف‭ ‬جدار‭ ‬الفصل،‭ ‬وعيادات‭ ‬متنقلة‭.  ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬تمويله‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬توزيع‭ ‬الغذاء‭ ‬والمواد‭ ‬الصحية‭ (‬مثل‭ ‬مواد‭ ‬التطهير‭) ‬مرة‭ ‬كل‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬لحوالي‭ ‬مليون‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬القطاع‭. ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التقليص‭ ‬اضطرت‭ ‬الوكالة‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬تجديد‭ ‬العقود‭ ‬لـ‭ ‬160‭ ‬عاملامؤقتًا‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬وتقليص‭ ‬الرواتب‭ ‬لمئات‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬الطوارئ‭. ‬السؤال‭ ‬الكبير‭ ‬هو‭ ‬ماذا‭ ‬سيكون‭ ‬مع‭ ‬ميزانية‭ ‬2019؟‭ ‬هل‭ ‬الوكالة‭ ‬ستضطر‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬وحتى‭ ‬إغلاق‭ ‬خدمات‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة؟

عميرة‭ ‬هاس

‭ ‬هآرتس‭ ‬7‭/‬9‭/‬2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية