الناطقون بلسان حكومة اسرائيل، وعلي رأسهم وزيرة الخارجية تسيبي لفني، الذين رفضوا ما جاء في تقرير بيكر ـ هاملتون حول العلاقة بين حل أزمات الولايات المتحدة في الشرق الاوسط وبين حل الصراع الاسرائيلي ـ العربي، مُدعين أن الشرق الاوسط اليوم ليس نفس الشرق الاوسط الذي كان بيكر يعرفه عند جرّ اسحق شامير الي مؤتمر مدريد خلافا لرغبته ـ هم لم يخطئوا في قولهم هذا. هناك مد اسلامي راديكالي متعاظم وامبراطورية شيعية تسعي باندفاع متسارع لحيازة السلاح النووي، وقد تجر دولا مثل مصر والسعودية من ورائها، ونظام سورية يُقدم الرعاية والحماية لمنظمات ارهابية، ومعارضة اسلامية راديكالية في السلطة الفلسطينية ولبنان وعرضة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة للأعداء بعد انهيار الزعامة الامريكية ـ كل هذه الامور حولت الشرق الاوسط الي موقع أخطر مما كان عليه في ايام بيكر في وزارة الخارجية بأضعاف المرات. الحاجة الي السلام بين اسرائيل وجاراتها أصبحت أشد إلحاحا من ذي قبل.
صحيح أن الصلة التلقائية التي جسدها تقرير بيكر كما يبدو لاول وهلة بين استقرار الوضع في العراق وحل الصراع العربي ـ الاسرائيلي قد تلقت انتقادات مشروعة في الولايات المتحدة واسرائيل. مثل هذه العلاقة التجريدية المباشرة غير موجودة فعلا. كما ان السلام لم يكن ليسقط علينا مثل سحر من السماء لو تم تقليص أبعاد حمام الدم العراقي.
كما لا يوجد شك ان الكثير من أمراض المنطقة لا ترتبط بالصراع العربي ـ الاسرائيلي بالمرة. صدام حسين كان سيغزو الكويت ويقصف أبناء شعبه بالسلاح الكيماوي حتي لو لم تستوطن اسرائيل في يهودا والسامرة، كما أن مذبحة دارفور لا ترتبط هي الاخري بسيطرتنا علي المناطق. ومع ذلك، سيكون لحل الصراع الاسرائيلي ـ العربي تأثير بعيد المدي علي احتمالات اعادة الاستقرار الي المنطقة كلها وعلي مكانة اسرائيل وامريكا كذلك. الاختبار والمحك لمصداقية الولايات المتحدة في الشرق الاوسط لا يتجسد في قدرتها علي احراز الانتصار في العراق، هذا الانتصار غير المحقق الآن. السلام الاسرائيلي ـ العربي الذي تقوده الولايات المتحدة هو محك حقيقي لمصداقية واشنطن في نظر شعوب الشرق الاوسط. العلاقة بين الامور ليست تلقائية كما أسلفنا، وهي بدرجة كبيرة مسألة تجريدية علي مستوي الوعي.
ادوارد سعيد اعتاد الادعاء بأن قدرات اسرائيل العسكرية والتكنولوجية هي المقياس الذي تُحسب بناء عليه درجة فشل المجتمع العربي. هناك علاقة مباشرة عميقة بين مشاعر الاذلال والاهانة التي تشعر بها شعوب الدول العربية ونخبها الفكرية والثقافية من استمرار السيطرة الاسرائيلية المديدة علي الفلسطينيين، وما يبدو كحملة صليبية من الولايات المتحدة ضد الاسلام، وبين الغضب الشعبي الذي يطل برأسه مثل جبل بركاني ويهدد باسقاط الانظمة العربية المؤيدة للغرب في المنطقة ـ تلك الانظمة التي تحاول التوصل الي تسوية تعايش مع الدولة اليهودية.
قد يكون القادة العرب قد أيدوا حرب اسرائيل ضد حزب الله، إلا ان شعوبهم استشاطت غضبا واحباطا من هيمنة سلاح الجو الاسرائيلي المتغطرسة علي الأجواء اللبنانية وتدميره للبني التحتية والدعم الامريكي الجلي. أين العرب حتي يزيلوا وصمة العار عن جبيني؟ سأل خليل حاوي، الشاعر اللبناني المعروف، من قبل ان يطلق النار علي نفسه عندما علم بتغلغل المدرعات الاسرائيلية في الاراضي اللبنانية في مطلع حزيران (يونيو) 1982. هذا الانتحار هو صورة مضخمة شاعرية للمشاعر الباطنية التي تسود في العالم العربي اليوم أكثر من ذلك الوقت.
ذلك لأن هذه المشاعر ترتبط أكثر من أي وقت سابق بادراك ازدواجية المعايير الامريكية في المنطقة ـ معيار لاسرائيل وآخر للعرب والاسلام ـ هذا في الوقت الذي لم يعد فيه الصراع بين اسرائيل وجاراتها مجرد مجابهة وطنية كما كان في ايام بيكر عندما كان في وزارة الخارجية، وانما صراعا ذا صبغة دينية وثقافية تحوله الي صراع أكثر خطورة وأشد بلاء. في العالم الغربي، وخصوصا في اوساط الشعوب العربية تكرس الافتراض بأن حرب الولايات المتحدة في العراق لم تكن إلا محاولة من المحافظين الجدد اليهود المحيطين ببوش لتحويل الشرق الاوسط الي منطقة أكثر أمنا لاسرائيل، وإتاحة المجال أمامها لتكريس سيطرتها علي الفلسطينيين. كما أن الاصلاحات الديمقراطية التي حاولت واشنطن فرضها علي الدول العربية حيث تعتبر اسرائيل النموذج الغربي المحتذي، عززت الشعور بوجود مؤامرة اسرائيلية ـ امريكية. كتاب نتان شيرانسكي حول سحر الديمقراطية أصبح واسع الانتشار في امريكا بسبب كونه مصدر إلهام لبوش.
من الممكن طبعا الغاء ردود فعل الشارع العربي الرديف المتعالي لما يسميه الغرب الرأي العام باعتبارها مسألة غير منطقية أو تعبيرا عن وضع مجتمع راكم الاحباطات بسبب لقاءاته الفاشلة مع الحضارة الغربية. وفي الجيل الأخير أضيفت تحديات العولمة. ولكن ذلك لن يجلب الخلاص، لا لنا ولا للامريكيين. الغضب والاحباط لا يتوقفان عند حدود المشاعر، وانما يعتبران واقعا سياسيا يملي السياسات المتبعة. وهو يري في انتهاء السيطرة الاسرائيلية علي الفلسطينيين شرطا هاما وإن لم يكن وحيدا للمصالحة مع الولايات المتحدة والغرب.
شلومو بن عاميكاتب في الصحيفة(هآرتس) 18/12/2006