عوزي بنزيمانبدأت ادارة الرئيس رونالد ريغان في السنتين 1982 1983 ‘حرب النجوم’ وهو مشروع عسكري طموح كان يرمي الى تطوير منظومة دفاعية تقوم على الصواريخ وأشعة الليزر والاقمار الصناعية خارج الغلاف الجوي، لاعتراض صواريخ عابرة للقارات تُطلق على الولايات المتحدة. وكان ذلك مشروعا باهظ الكلفة لا نظير له، وكان ايضا تحديا تقنيا لم يسبق له مثيل. وكان يرمي الى ضعضعة توازن الرعب الذري الذي كان موجودا منذ كانت الحرب العالمية الثانية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، والى منح امريكا تفوقا حاسما في الساحة الدولية. ونجح ذلك الاجراء نجاحا باهرا. فعلى أثره ليّنت موسكو مواقفها في التفاوض الذي أجرته مع واشنطن في صد سباق التسلح، وأدى دورا مهما في تفكك الكتلة السوفييتية.نجح ذلك العمل نجاحا باهرا لأنه كان يقوم على خديعة، لأن ريغان لم يكن ينوي بجدية ان ينفق مئات مليارات الدولارات على تطوير سلاح الفضاء، بل أعلن بتوصية من مستشاريه عن خطة ‘حرب النجوم’ بعد ان أقنعته تقارير استخبارية بأن أهلية الجيش السوفييتي منخفضة، وأن وضع صيانة منظومات سلاحه بائس وبأن الكرملين ليست له الموارد المطلوبة لمجابهة تكنولوجيا صواريخ الفضاء والاقمار الصناعية التي أعلنتها الولايات المتحدة. فكان الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف أول من أظهر الضعف وسجل الرئيس ريغان نصرا كبيرا لنفسه.هل يشبه سلوك بنيامين نتنياهو في مواجهة تدبيرات ايران لتطوير سلاح ذري ‘حرب النجوم’ التي أعلنها ريغان؟ أعلن ايهود اولمرت في يوم الجمعة مساء ان اجراءات رئيس الوزراء في هذا الشأن كانت هاذية كلفت 11 مليار شيكل أُهدرت. ورد نتنياهو بأن كلام اولمرت غامض لا مسؤولية فيه، وبأن الانفاق على الأمن ليس إسرافا. وقال موشيه يعلون ان سلوك الحكومة في مواجهة التهديد الذري الايراني جعل هذه القضية تبرز في برنامج العمل الدولي، وان النفقة المالية التي كانت تصاحب ذلك كانت ترمي الى تبيان ان اسرائيل مستعدة لاستعمال القوة لمنع طهران من الحصول على السلاح الذري. وأعلن ايهود باراك ان النفقة على بناء قدرات عملياتية ليست إسرافا وانها تخدم الجيش الاسرائيلي في ثباته لتحديات الحاضر والتحديات التي ستنشأ في المستقبل.إن هذه الردود لا تُزيل الشك في جدوى اجراءات رئيس الوزراء: أكان سلوكه في مواجهة الخطر الذري الايراني خدعة كبيرة لا ترمي إلا الى احداث انطباع أننا متجهون الى الهجوم (لجعل المجتمع الدولي يردع رئيس ايران محمود احمدي نجاد بتهديدات وعقوبات اقتصادية شديدة)، أم كانت تهديداته صادقة. وهل يصدق اولمرت حينما يزعم ان الحديث عن خدعة كلفت مالا كثيرا عبثا، أو يصدق كلام باراك الذي قال انه ليس الحديث عن إسراف، بل عن نفقة نافعة لا في السياق الايراني وحده. أو ربما يكون وصف يعلون دقيقا، كأنما يصادق على رواية اولمرت بأن يُبين ان النفقة المالية كانت ترمي في الأساس الى اثبات نوايا اسرائيل الجدية ان تمنع ايران من الحصول على السلاح الذري. ويسأل المواطن البسيط: هل 11 مليار شيكل من اجل التظاهر؟ ثم يتذكر كلام يوفال ديسكن الذي قدم في الاسبوع الماضي وصفا مغريا يُبين كيف منع هو ومئير دغان وغابي اشكنازي نتنياهو وباراك من إدخال الجيش الاسرائيلي في استعداد عملياتي لهجوم محتمل على ايران. فهل كان ذلك ايضا جزءا من الخديعة؟إن الخدعة التكتيكية والاستراتيجية جزء من طائفة الاجراءات عند الشعوب والدول منذ ايام الكتاب المقدس (فتوحات يهوشع) الى المفاجأة التي وقعت بحماس في عملية ‘عمود السحاب’. فهل يدخل سلوك نتنياهو في مواجهة ايران في فئة التصنيف هذه؟ وهل هو اجراء منطقي تلائم نتيجته كلفته؟ وهل يشبه مثلا صورة تضليل وزير الدفاع موشيه ديان لمصر وسورية عشية حرب الايام الستة حينما أعلن بقوله: ‘من المتأخر جدا الآن أو المبكر جدا ان نطلق النار وعلى اسرائيل ان تستمر في اجراءاتها الدبلوماسية’؟ أم يُذكرنا بخديعة صدام حسين المستمرة حينما تظاهر بأنه يملك سلاح ابادة جماعية وكان ذلك تظاهرا كاذبا أفضى الى نهايته؟ينبغي ان نقول في أسى إن نتنياهو يُرى وكأن استراق الرأي جزء لا ينفصل عن سلوكه ولن نقول عن شخصيته. فالذي يعلن استعداده لحل الدولتين لكنه يرفض ان يشمل برنامج الليكود بيتنا هذا القول؛ والذي يقرن نفسه في ظاهر الامر الى جهود عضو الكنيست يوحنان بلسنر لتنظيم تجنيد أبناء المعاهد الدينية، لكنه تركه لتنهده؛ والذي تكفل بتحقيق كل توصيات لجنة تريختنبرغ التي نشأت على أثر الاحتجاج الاجتماعي لكنه لاشى أكثرها لا يستطيع ان يتوقع ان نصدقه حينما يعلن بأنه سيبني في المنطقة E1 وبأنه سيعوض من تضرروا في العاصفة الاخيرة، وبأنه كان يفكر حقا في استعمال قوة الاحتياط الضخمة التي استعدت على حدود القطاع في عملية ‘عمود السحاب’ أو حتى حينما يعلن بأنه ‘رجل قوي’.صك بيل كلينتون شعار ‘انه الاقتصاد أيها الأحمق’ حينما نافس جورج بوش الأب في الرئاسة في 1992. وهذا هو الوقت الذي سيقول فيه منافسو نتنياهو في الانتخابات الحالية للناخب ‘إنها الخديعة أيها الأحمق’، حينما يأتون ليقنعونا لماذا لا يعتبر نتنياهو أهلا لاستمراره في قيادة الدولة.هآرتس 15/1/2013qeb