إنهم يحاولون «شيطنة» أحلام الشباب… شهادة إفلاس حكومة!

أخيرًا، أفاق أخنوش «العظيم» من نومة «أهل الكهف»، وأيقظ معه بطانته وحاشيته، بعدما أدرك أن الأمر جلل!
فهل جاءت هذه الإفاقة نتيجة وصول أصوات الشباب المحتجّة في ميادين المدن إلى مسامع الرجل الذي اختلط لديه المال مع السلطة، فخرج مُكرهًا من عوالم أحلامه اللذيذة؟ أم أن القرار كان بفعل فاعل، أوحى لمعاليه بما أوحى، لكي يجمع الوزراء وقادة الأغلبية الحكومية على عجل؟
على كل حال، فقد شاهد الناس، عبر شاشة التلفزيون مساء الثلاثاء الأخير، السيد أخنوش وجماعته وهم يرتدون جميعًا قمصانًا ناصعة البياض، بعدما أزالوا ستراتهم؛ فهل سعوا بذلك إلى إعطاء الانطباع بأن الأمر جدٌ لا هزل، وبأنهم منهمكون في العمل من أجل الشعب الذي صوّت على «دكاكينهم» الانتخابية؟
أخنوش لم يتحدث للإعلام، ولم يُسمع له صوت، فالكل يعلم أنه لا يجيد الفصاحة ولا قدرة له على الإقناع. ولو تحدّث لردّد فقط عبارة بن علي الشهيرة خلال «ثورة الياسمين»: «فهمتكم فهمتكم»! قبل أن يفرّ بجلده ـ أقصد الرئيس التونسي المخلوع ـ نحو بلاد الحرمين، حاملاً معه ما خفّ وزنه وغلا ثمنه، ليقبض عزرائيل روحه في الأجل المحتوم.
بيد أنّ عبارة «فهمتكم فهمتكم» التي سَارت مَثَلاً للتندّر، وجدت صداها في البيان الحكومي البئيس الصادر عقب اجتماع «القمصان البيضاء»، والذي يمكن اتّخاذه نموذجًا جديرًا بالتدريس في كليات العلوم السياسية ومعاهد الإعلام والتواصل المؤسسي الحكومي، حول ما يطلق عليه الفرنسيون «لغة الخشب» التي يقابلها في العربية «الكلام الأجوف»، إحالةً على «هذيانٍ لا يُفهم، وتكلّفٍ يُثقل على السمع»!
البيان الصادر عن تحالف أحزاب الأغلبية الثلاثة، مثال حيّ على فشل التدبير لحكومة مضى على تشكيلها أربعة أعوام بالتمام والكمال، ولم يعد مجديًا إذًا التعلّل بـ»التركة» الثقيلة للحكومة السابقة، مع أن أخنوش كان عضوًا ذا مكانة اعتبارية فيها. كما لم يعد مجديًا التعلّل بالحديث عن المشاريع والخطط المستقبلية، لأنه لم يعد يفصل المغاربة عن الانتخابات التشريعية المقبلة سوى عام فقط. لذلك، لم يبق من طلب يُوجَّه لأخنوش «العظيم» سوى: «ارحل»، وأرحْنا من حكومتك المتهالكة!

تلميع الحكومة عوض إدانتها!

وكما جنّدت حكومة أخنوش «قواتها العمومية» لقمع الشباب المتظاهرين، بشكل سلمي حضاري، من أجل الصحة والتعليم، جنّدت أيضا «قنواتها العمومية» للدفاع عن قراءتها الخاصة لما يحصل في شوارع المدن، تكريسًا لخطاب واحد أوحد.
الطريف في الأمر أن التلفزيون الحكومي استنجد بخبير حقوقي دولي أجنبي من خارج البلاد، رغبةً في الإيحاء بأن كل ما تنفّذه قوات الأمن من أوامر يجري وفق القانون والدستور، وبأنه ليس هناك أي انتهاك لحقوق الإنسان ولا أيّ تجاوز للحدود المعقولة وللضوابط القانونية.
خبراء وأكاديميون ومحللون آخرون ممّن تحدّثوا في نشرات الأخبار المتعاقبة، شعروا كما لو أنهم في مهمة تاريخية مصيرية، فاتّفقوا جميعًا على أمر بعينه: تلميع صورة التعامل الحكومي مع الأحداث الجارية، وفي المقابل محاولة «شيطنة» الحراك الشبابي السلمي ذي المطالب الاجتماعية المشروعة: صحة وعمل وتعليم وعيش كريم.
اللافت للانتباه أنه، مثلما قوبلت المسيرات الشبابية بالمنع والقمع في معظم الأحيان، لدرجة إلحاق إصابة خطيرة بأحد الشباب من لدن سائق سيارة أمن، ومثلما حُرم المتظاهرون من إيصال مطالبهم للجهات الوصية، حَرم الإعلام الحكومي تلك الأصوات من التعبير عن وجهة نظرها، فكان الصوت الواحد هو المهيمن والطاغي في الحوارات التلفزيونية، بينما غاب التوازن المطلوب والرأي الآخر. ومن ثم، بدا أن الإعلام الرسمي غير قادر على تطوير نفسه وتجديد نظرته، كي يكون قادرًا على التفاعل مع مجريات الأحداث والإنصات لنبض الشارع. ثم يأتي مَن يتساءل باستغراب: لماذا يفرّ الناس إلى القنوات التلفزيونية الأجنبية وكذا إلى المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي؟!
بكل بساطة، لأنهم وجدوا في الإعلام الإلكتروني و»السوشال ميديا» متنفسًا حرًّا يطلّون من خلاله على الأحداث والمستجدات، ويستمعون إلى أصوات الشباب وتصريحاتهم ومطالبهم. والحقّ يقال، فقد كشفت تلك القنوات الإلكترونية والافتراضية عن قدرات فائقة لدى الكثير من الفتيان والشباب ـ ذكورًا وإناثًا ـ في التعبير بتلقائية وبلاغة وانسجام في الأفكار والمواقف. أصواتٌ شبابية تحدّثت بجرأة ونضج وحنكة سياسية، بشكل يفوق طريقة حديث الكثير من الوزراء والبرلمانيين والمسؤولين العموميين.
وفي المقابل، توارى مَن يُطلق عليهم «المؤثرون» إلى الخلف، لأنهم يعلمون أن أصواتهم وفيديوهاتهم صارت لا تساوي مليمًا واحدًا في بورصة «اللايكات» و»الأدسانس» التي تجلب الأرباح بفضل المتابعات والمشاهدات. لقد أدركوا أن الناس هجروهم، كما هجروا أيضًا متابعة بعض الفنانين «المساكين» الذين ظهروا خلال الآونة الأخيرة، وهم يكيلون المديح للسيد أخنوش «العظيم»، ولحزبه «التجمع الوطني للأحرار» الذي يصوّرونه كما لو أنه يمتلك مفاتيح الخلاص. كلّ ذلك طمعًا في الظفر بمقعد برلماني وثير خلال الانتخابات المقبلة في 2026، تمامًا كما وصلت قبلهم إلى قبة البرلمان زميلتان لهم مع الحزب نفسه، هما فاطمة خير وكليلة بونعيلات، في انتخابات 2021.

الصورة ونقيضها!

المشاهد التي جرت خلال الأيام القليلة الماضية في ميادين المغرب، أظهرت صورتين متناقضتين للشباب المغربي: من جهة، صورة فتيان وفتيات في عمر الزهور يؤكدون مجددًا انتماءهم للوطن، من خلال تصريحات راقية وشعارات نبيلة وأخلاق رفيعة. وحتى خلال توقيف بعضهم من لدن قوات حفظ النظام، أظهروا سلوكًا حضاريًا يثبت معدنهم الأصيل. هؤلاء هم المنتسبون حقًا لجيل «زِدْ» ذي المطالب المشروعة والواضحة. ومع ذلك، تريد الحكومة شيطنتهم، وتسخّر قوات الأمن للدخول في مواجهة معهم، من باب الإحراج؛ مع أن الجميع أبناء الشعب، وينتمون إلى طبقة واحدة، ويعيشون معاناة مشتركة في واقع اجتماعي متردٍّ، نتيجة سياسة ليبرالية متوحشة.
ومن جهة أخرى، هناك منحرفون استغلّت أيادٍ مجهولة خواءهم المعرفي ووضاعتهم الأخلاقية وربما حتى بطالتهم، من أجل الإساءة إلى سلمية الحراك الشبابي ومحاولة تحريفه عن مساره، والإساءة كذلك إلى الوطن عبر الاعتداء على الملك العمومي والخاص وممارسة أعمال تخريبية فوضوية، لا يمكن قبولها تحت أيّ مبرر.

اقتباسات طريفة من «الفضاء الأزرق»!

* قال الطالبي العلمي (قيادي في حزب رئيس الحكومة): «إذا لم نحقق انتظارات المغاربة في 2026، فليطردونا بالحجر»! يبدو أن نبوءة الرجل تتحقق… (عثمان مخون، فاعل في المجتمع المدني) المشكل أن الحجر يصيب أبناء الشعب من متظاهرين وأمنيين وممتلكات، كما علّق مدوّن.
* الوزير لحسن السعدي الذي حرّض الشباب على النزول للأتوروت، بترديد أغنية «أنا المهبول فالأتوروت»… الشباب تجاوب معه ولم ينخرط في حزبه… بل في الاحتجاج… فهل تستدعيه الشرطة للتحقيق معه؟ (عبد الفتاح الرفاعي، صحافي)
* الناطق الرسمي أحصى أضرار الأمن بالأرقام، ولم يستطع إحصاء أضرار المحتجين. (سعيد غزالة، فنان مسرحي)
* كان يجب إقالة وزير الصحة منذ حادثة مستشفى أغادير بعد وفاة ثمان نساء حوامل كنّ يستعدن لمنح الحياة. اليوم، يجب اعتقاله لما تفوّه به من كلام غير مسؤول… إشارةً إلى ما حدث له مع أحد المواطنين في مدينة مكناس، اشتكى له من مشكلات في مستشفى عمومي، فخاطبه قائلا: «اطلع للرباط واعمل احتجاجًا!» (ثريا ماجدولين، شاعرة)
* تعليقًا على فيديو يُظهر مُمثّلاً مغربيا يكيل المديح لحكومة أخنوش في تجمّع حزبي: «الآن، فهمتُ لماذا كانت لا تُقبل في مصر زمان، شهادة الممثلين في المحكمة»! (نوفل السعيدي، شاعر)

٭ كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية