إنهم يدافعون عن الإسلام… أليس كذلك؟

حجم الخط
0

إنهم يدافعون عن الإسلام… أليس كذلك؟

زياد عدوانإنهم يدافعون عن الإسلام… أليس كذلك؟لا نذكر أن العالم الإسلامي ثار في الثلاثين سنة الماضية بحرارة كما يثور الآن بعد أن قامت صحيفة دانيماركية بنشر صور كاريكوتورية للرسول محمد (ص) المسلم إلا مرتين. المرة الأولي كانت عندما نشرت رواية آيات شيطانية للكاتب سلمان رشدي، والمرة الثانية عندما أصدرت الحكومة الفرنسية قراراً بمنع ارتداء الحجاب في المدارس والمرافق الحكومية، والثالثة هي الغضب الأخير الذي عم العالم بشقيه بعد أن نشرت صحيفة دانماركية رسوماً كاريكوتيرية عن الرسول. الأمور الثلاثة السابقة الذكر هي التي قوبلت بانفعال وغضب شعبي واستنكار من قبل المراجع الدينية لما قام به الغرب حيال الهوية الإسلامية. أما ما تبقي من إهانات للعرب من قبل الغرب والعرب فقد تحول إلي تذمر يومي وروتيني وثانوي.ما يدعو إلي الاستغراب هو أن العالم الإسلامي لم يرتد بالعنف ذاته إلي العديد من المصائب التي حلت (بأمتهم الإسلامية)، ولم تثر الثائرة لزهق أرواح (مسلمة) عديدة من قبل عدوهم الغربي، أو زهق أرواح مسلمة من قبل القمع الديكتاتوري في بلادهم أو من قبل بغضهم وحروبهم الطائفية فيما بينهم، ولنا أن نحصي كم من المسلمين قتلوا بسبب الظروف السابقة. ولكن يصبح الأمر استنكاراً عندما توجه الإهانة من الغرب فقط. إلي الآن تتهرب أمريكا من الإعلان عن ان حروبها هي حروب ضد العالم الإسلامي، أو أن حربها حرب دينية ضد ديانة أخري في العالم، ومع هذا نري الكثير من التأويلات وردود الفعل ضدها وتحميلها مسؤولية قتل النفوس المسلمة. ولكن العالم الاسلامي والعالم العربي، أعلن مراراً حروباً طائفية، وتحدث عن بغض طائفي مبطن في مناطق مشاكلها الأهلية هادئة. وإعلان هذه الحرب في هذه البلاد والحديث عنه هو إعلان عن أن طائفة ما غير مسلمة تقاتل طائفة مسلمة أو أن مذهبين مسلمين مختلفين سيقتتلان فيما بعضهما، ولكن الثائرة لم تثر، والعجيب أنها تثور فقط عندما تهاجمهم أمريكا، أو أن تنشر صحيفة أوروبية صوراً. ولا تكترث عندما يقتل المسلم مسلماً آخر، أو عندما يعيش أغلب مسلمي العالم تحت خط الفقر، وتحت الاضطهاد ويستشري الفساد بينهم.المشاكل السابقة كلها لا قيمة لها، وإلي الأن أري أن العالم الإسلامي ثار بحرارة وعاطفة وقام بأعمال شغب وتخريب (وفي الكثير من الأحيان قامت أعمال التخريب في بلادهم) من أجل رواية، وقماش يغطي الرأس، وصور. لا أريد أن أبرئ نوايا راسم الصور أو الصحيفة التي نشرتها السيئة، ولكنها بالنسبة لي دولة وأشخاصاً لا يعنونني بالمقدار الذي يعنيني فيه العقل العربي والمسلم والقيم التي قالوا لي إنها الرسالة السماوية الواجب اتباعها. لم ينتفض العالم الإسلامي عندما قامت الجالية المغربية في فرنسا بالاحتجاج علي وضع معيشتها، وعلي الاضطهاد الذي يعاني منه هذا الشعب هناك، ولكن الثائرة ثارت عندما تطرق الموضوع إلي قضية الحجاب، وأصبح لكل فرد مسلم في العالم رأيه واحتجاجه علي هذا الموضوع. ما يثير الاستغراب أن الفكر الإسلامي الذي رفض التصوير، ورفض تصوير الرسول وخلفائه، وصحابة النبي وأقربائه، يثور من أجل الرموز. ويصبح الرمز أكثر قدسية مما يحمله من مفاهيم وقيم. فالشرف غير مهم، أمام الحجاب. والفقر والفساد أمران ثانويان أمام رسوم كاريكاتورية باعتبار أن الانتصار الأكبر لأمريكا والرأسمالية، بدأ عندما نجحت بصنع رموز لأعدائها، وجعلت أعداءها، من العالم الذي نناصره كعرب، يؤمنون برمزهم أكثر مما يؤمنون بقضيتهم. وببساطة نري صوراً وأعلاماً وملابس عليها صور لغيفارا، أو المعول والمنجل، والأعلام الحمراء، ولينين تباع في أسواق أمريكا وانكلترة أي في البلاد التي حاربها غيفارا، وبالبساطة نفسها نري أن الأشخاص الذين يؤمنون بهذه الأفكار يشترون هذه السلع من الدول التي يحاربونها، ويقتنعون أن الرموز التي يبتاعونها تلخص مفاهيمهم كلها. وتصبح وفاة غيفارا كارثة كانهيار الاتحاد السوفييتي. والمساس بغيفارا هو تطاول علي المفاهيم الثورية والتحررية كلها. وبالبساطة نفسها الآن، نري المسلمين في لندن يشترون صور مكة والكعبة الشريفة، والمسجد الأقصي. وعبارات الله أكبر. و هناك من يشتري في العالم الإسلامي قلائد عليها آيات قرآنية، والهلال والسيف، ومن تكن قلادته أو قلادتها أكبر وأكثر غلاء وذهباً، يكن أكثر إيماناً. ومن يكن قرآنه أكبر وأغلي ومغلفا بطريقة أجمل في بيته يصبح أكثر إيماناً، ومن يجود القرآن بصوت أجمل يصبح أكثر خشوعاً. يفعلون كل هذا، ويهرولون إلي الرموز، وإلي الآن لم أر في هذه البلاد محبة لله ورسوله. وبالطريقة نفسها، كلما كرهوا الآخر من الغرب أو من بلادهم كلما أثبتوا مقدار حبهم لله تعالي. وهكذا ببساطة يستبدلون الرمز بالمفهوم ويصرون علي الرمز إلي أن ينسوا القيم التي يحملها الرمز وراءه. هناك كتاب اسمه ثقافة الوصول لكاتبة يهودية تدعي باربرا كيرشينبلات غيمبيلت، تتحدث فيه عن نجاح التجربة اليهودية في الاحتفاظ بعقيدتها، ومشروعها قبل الاستيطان في فلسطين المحتلة لتشكيل وعي حذر فيما يتعلق بما يعرض في متاحف ومعارض (الآخر) في الأجنحة اليهودية في بريطانيا وأمريكا وفرنسا. وتتحدث في هذه الدراسة عن المتحفيين اليهود وعن مشروعهم الذي واكب الحركة الصهيونية ليؤكدوا علي اختلافهم كثقافة عن البلاد التي يعشيون فيها في أمريكا وأوروبا، فكان ما يشكل رمزاً أو دلالة يهودية أمراً غاية في التأني. وما يعرض في متحف في اللوفر هو غير ما يعرض في متحف آخر أمريكي يخصص موسماً لعرض الديانات القديمة. والآن تثبت التجربة اليهودية بمشروعها الديني ومشروعها السياسي تفوقاً علي نظيرها العربي والاسلامي لوعيها لكيفية عرضها لثقافتها، ووعيها لعلاقتها مع الموضوع المعروض. ولكنها لم تعط الأولية لرمزها بل لمشروعها. وبالطريقة ذاتها، هددت أمريكا نفسها عبر أفلامها السينمائية، ودعائيتها، عندما جعلت من نيويورك رمزاً لها، وأصبح الجميع يعتبرها رمز سقوط هذه المدينة وأبراجها سقوطاً لأمريكا، بدءاً من كينغ كونغ علي أبراجها، أو عندما قالت الساحرة للطفل الآلي إن نهاية العالم هي حيث دمار البرجين في فيلم ذكاء اصطناعي للمخرج ستانلي كوبريك قبل مماته وأكمل الفيلم ستيفان سبييلبرغ. وانجرفنا وراء الرمز إلي أن تحطم البرجان يوم 11 أيلول (سبتمبر) 2001. ولكن هل فعلاً هزمت أمريكا بانهيار رمزها، أم أنها كانت أقوي من الرمز الذي تروج له؟ والسؤال الذي يمكن أن يسأل للمسلمين، هل سيهزم إسلامهم إذا نشرت صحيفة دانيماركية لم نسمع بها في ما مضي رسوماً للرسول؟ أم أن هناك أموراً أخري تتعلق بإيماننا بالمشروع الإسلامي وعلاقتنا وإيماننا برموزنا؟ هو الأمر ذاته الذي يروج له في حال غياب الرئيس الرمز، وكأن المشروع القومي ملخص بالرمز. في العام الماضي ثارت ثائرة (قومية) عندما قدم مسرح (الرويال كورت)، مسرحية اسمي راشيل كوري ، عن الناشطة الأمريكية المؤيدة للقضية الفلسطينية والمناهضة للاحتلال والممارسات الإسرائيلية. انتفضت العواطف الإيجابية من العرب والمناصرين للقضية الفلسطينية، وبدأ الجميع يعلق صور راشيل في بيوته، وأصبحت رمزاً للتعاطف الغربي مع فلسطين، حتي أني رأيت صورة لها في المركز الثفاقي العربي في مصياف. (مصياف: قرية في سورية). لا أريد أن أنتقص من العرض المحب للقضية الفلسطينية، وأقدر بشكل كبير ما قامت به (راشيل كوري) ولكني أستغرب السهولة في أن تتحول بهذه السرعة إلي رمز، وأن يتحول الذهاب إلي المسرح لحضور مسرحية رمزاً سياسياً قبل أن يكون مسرحاً. لم تكن راشيل ترغب أبداً في أن تعتبر قصتها بديلاً عن القصة الفلسطينية. ولم يرغب غيفارا أن يكون بديلاً عن رفاقه الثوار، ولم يرغب الرسول محمد في أن يكون بديلاً عن قيمه ودينه. ما يجعل الأمور أكثر خطراً هو تقديس هذه الرموز، إلي درجة يصعب مناقشتها. ولكن هناك استهانة سريعة لقبول الرمز وتبديله بمحتواه ولعل هذا (من خصائصنا القومية)، وله أثر طويل في تاريخنا. فمن كان يجرؤ علي القول إنه لا يحب غناء مارسيل خليفة أو الشيخ إمام في السبعينيات والثمانينيات، كان الأمر بمثابة تهجم علي مفاهيم وقيم مارسيل خليفة والشيخ إمام، ومن كان باستطاعته انتقاد غيفارا، أو عملية فلسطينية، كان يبدو أمره وكأنه انتقاد للقضية بمجملها. والأمر الأكثر طرافة هو أن العالم الذي اعتبر يساريا، وقوميا وقدس رموز تلك الحقبة في السبعينات والستينات، هو نفسه العالم الذي أصبح الآن اسلامياً يقدس رموزاً مختلفة. والعالم الذي كان يغضب عندما يمس الانتقاد أمر غناء الشيخ إمام، هو نفسه الذي يثور إذا وصلت الأمور إلي حجاب نسائهم الآن.الآن يريدون القول إنهم غيرون علي رسوم الرسول، ونشرها وانهم بهذا غيرون علي الإسلام. كيف يغضب لأجل الرسول عالم انتشر الفساد فيه، وقد لعن الله الفساد، وعالم اشتهر بقتل النفس الغريبة والنفس المسلمة في حروبها الأهلية، وتطرفها. وكأن الدعوة الإسلامية حدثت البارحة، ولا زال ثوارنا الذين أرسلوا السفارات إلي النار وحرقوا بلادهم مكتفين بما يرمز لهم الكتاب. وحتي الآن لم أر الخير وما يدعو إليه الله ونبيه وكتبه في أي عمل اقترفوه، بدءاً من حروبهم الأهلية، إلي قطع الرؤوس والتفجيرات في أوروبا، وانتهاء بموائدهم العظيمة وهوسهم بالطعام في المناسبات الدينية.يدافعون عن الرسول محمد أكثر مما يدافعون عن قيمه، ويدافعون عن القرآن ككتاب أكثر مما يدافعون عما يدعو إليه القرآن ويدافعون عن حجاب المرأة أكثر مما يدافعون عن المرأة.مسرحي من سورية يقيم في لندن0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية