إنه شعر عربي: يقول فاضل لفريسته وهو يرى بلادا تختفي

حجم الخط
0

فاروق يوسف

انهى الفنان العراقي فاضل ( العكرفي) شهرين طويلين من الشعر. كان يقتنص فرائسه في المقاهي، في محطات القطار، في الحدائق، في الأسواق، في الشوارع، في كل مكان طاريء، كل مكان مؤقت. في القطارات وفي الحافلات وفي الاستراحات. في منعطف طريق وفي المسافة الفاصلة بين قراري الذهاب والعودة. في لحظة التردد القاحلة يلقي زهرته. ‘نضرة خذها. تسل بعطرها الذي لن ينفد’ مثل عداء يفاجىء سكون حواسهم ليرجها بالشعر. لكنه شعر يقع خارج اللغة باعتبارها وسيلة للتواصل. سيكون الشعر هو مادة الاتصال بين عالمين قرر فاضل أن يجرب مزج كيمياءيهما عن طريق مادة غير لاصقة. مادة حيوية تذهب إلى الروح مباشرة مثل السم. معادلة لا تفقه اللغات منها شيئا. كان فاضل يقرأ الشعر باللغة العربية لبشر، ربما لم يسمع بعضهم في حياته كلمة واحدة من تلك اللغة. يضحك الزبون الروسي في القطار، بل ينفجر بالضحك ويحتضن الفنان قبل أن يكمل سطرا واحدا من قصيدة الآخر الغائب. هي ذي ثمرة طازجة لا تزال معلقة في الشجرة. فيما يبكي الشاب الذي كان يقف في محطة القطارات ويحتضن هو الآخر الشاعر الذي يحن إلى خبز أمه والذي كان ميتا هذه المرة. لغز اراده فاضل مادة لفعل ادائي يكون موضوعا لأفلام قصيرة يبث من خلالها لوعته وهيامه وانقطاع رجائه في عالم لغوي تتعدد اغراضه غير أنه لا ينسى وظيفته الاساسية: صقل الحواس وتنقية ضمائرها. لا تيأس يا صديقي. يوما ما سيعود العالم جميلا كما يقول أنسي الحاج. شاعر آخر خُلق لكي تحبه. وهب الشعر الكثير من صفاء ينابيعه، مرآته التي يسيل من يدك زئبقها. شهران من الشعر هما قارتا عذاب استثنائي. تقول: ‘اليابسة’ لكي تلهي نظرك. وتقول: ‘البحر’ لكي تعد يديك للنزال. أنت في البرية وحدك. 2زعمت أنك آت لتوك من الوادي المقدس. وكان عليهم أن يصدقوك. لمَ لا؟ هم الرابحون. ينبثق فجأة من بين أيديهم كائن خرافي قادم من نهار سعيد ليهبهم بعض نوره ويمضي بعد دقائق مكللا بهالة وعده الغامض: حياة خارج المعنى المتاح. معادلة لقاء لا تربكها الأوقات المضغوطة. تترك صوتك الممزوج بالحزن، شيئا من أثر خطوتك المحلقة ليصدقوا أن ذلك اللقاء كان شخصيا. أن التفاحة التي في الصحن هي للأكل وليست للنظر فحسب، وأن لهم موعدا لن ينسوه مع فتى تجاوز الخمسين ولا يزال يسعى من أقصى مدينة تقع فوق السحاب في اتجاه مدينة لامرئية. حمولتك العاطفية يا صديقي تنسف جبلا. تقول للشعراء من بني قومك: ‘اجلسوا هناك. ناموا. احذروا طوفان القسوة. قسوة الجار الطيب وشقاء الحكم وعمى ولاة الأمر وتقلبات المناخ. أعيروني لغتكم المنقاة من كل غرض لأكون لسانكم في كل واد يهيم فيه بشر لا يثقون باللغة’. يهمك أن تخلق صورة. صورة تشبهك. في العري كما في الحقيقة. في الفلاة حيث الوحش كما في الغابة حيث بنت الحطاب المسترسلة في حنانها الذئبي. كنتَ تطوي أوراقك وتغادر. لا تلتفت لئلا تشعر بالذنب. وصيتك هناك ترعى بشرا هم في حاجة اليك. إلى صديقك الشاعر. إلى فكرتك عن حياة يمكن أن يعيشها المرء منسيا لكن في دعة بريئة. تمضي منقى من الأسباب، من الدوافع، من صلف المدافعين عن ضرورة أن يكون المرء واقعيا في عالم ينز شراً. تترك تفاحتك على الصحن، بين العينين، في برق الحاجبين بدلا من قنبلة بين القدمين وسكين على الخاصرة. الروسي الذي ضحك امتلأ حبا. ستكلمه اللغة التي لم يفهمها في أحلامه. ثانية أبواب سمرقند وحرير الصين وصوت المؤذن في بخارى ومقام طويل من النهاوند وقافلة وراقين من بغداد إلى شيراز. 3شهران من الشعر هما خلاصة عمره كله. لم يكن فاضل ( ولد في الكوت جنوب العراق عام 1954) وهو الرسام الحقيقي الأول في حياتي يُظهر تعاطفا ملحوظا مع المخلوقات كما تُرى. كما تعيش وتعاش. لم أره يوما يرسم وجها بشريا ولا فاكهة في صحن تعبيرا عن الحياة الصامتة ولا رسم شجرة ولا موسيقيين في الشارع ولا أطفالا يلعبون ولا فتيات ينزهن أنوثتهن في الوزيرية. لكنه في الحقيقة رسم كل ذلك، وهذا ما اكتشفته مبكرا. كان فاضل يؤمن أن الرسم أكثر سعة من الواقع. هو والحقيقة صنوان. كان عراقيا بطريقة أخاذة وساحرة وأنيقة. عراقيته لا تحتمل التزويق ولا الحذلقة ولا الكذب ولا الارتجال. كائنات كثيرة سكنته. منذ ثلاثين سنة وهو يرعاها بقوة الأب. كان أباً لأسلافه القادمين. ابنهم الذي يدور بهم بترف بين الحدائق ومحطات القطار والأسواق والغابات والشوارع والحانات. عاش فاضل من أجل الرسم باعتباره قوة مؤهلة للقبض على اللامرئي. لذلك كان يجد في الشعر عونا له في الهيمنة على الاضطراب. لقد عثر في الشعر على صاحبه في الوقت الضيق. هدهده الذي يأتيه بالأخبار. الجميلة هناك وستشكف عن ساقيها. ينظر فاضل إلى الشعر بعيني الرسام وفي المقابل فانه ينظر إلى الرسم بعيني الشاعر. عدوى تتبادل قراصنتها بين جبهتين. لذلك سما فاضل جولته بين المدن السويسرية ( جبهة الشعر). هناك إذاً هدنة في مكان ما. هي هدنة الرسام. وهي بالنسبة إلى فاضل فرصة لقول ما لا تقوله الفنون البصرية كلها. هو ذا يمتحن لغته الغريبة، لغة احلامه التي يستيقظ على كوابيسها. هي له كلها من خلال الشعر. إنه يجرب جمالها وهي تتسلل من فمه إلى الهواء، حاملة شهقة الطفل المأسور بنداء الأم البعيدة. صوته هو مزيج من كل تلك الاصوات التي عشقها. هو ذا يجد فرصة للحديث بعربية يحبها. عربية الشعر.4’أطرش بالزفة’ يسخر فاضل ويلحق عنوانا متأخرا بمغامرته الفنية. سيقول لمن يسأله: ‘إنه شعر عربي’ ولمن لا يسأله ويكتفي بالإنصات المتأمل ثواب النغم والمغفرة. يا فاضل اما ان تلقي أو نكون نحن اول من يلقي. لن يسألك أحد عن يوسف. وانت تقصد الذهاب إلى الجمال في خفائه العظيم وفي خفة طقسه الابهى. ماذا عن النساء اللواتي قطعن أيديهن؟ صورة تفتنك. ستقول: ‘تعالوا نرسم إذاً’ يا لهول ما يمكن أن يُرى من غير أن يكون مرئيا. ‘إنه الشعر يا صديقي’، تقول لي وأصدقك. كل ما تفعله الآن، بل ومنذ سنوات طويلة إنما هو جزء من الحفلة التي تمهد لقيامتك. الشعر الذي يحلق بك ويسرع بقدميك إلى الحافة. تنظر من هناك لتؤكد بداهتك: العالم أجمل. ‘ألم أقل لك؟’ لن يثنيك أحد عن التقدم. منذ أن كنا صغارا كنت تفكر برسم لا يشبه أي رسم نعرفه. لم تكن تقصد الموضوعات ولا التقنيات ولا المواد ولا الأشكال بل الرسم نفسه مفهوما. لم تكن ثائرا على طريقة، بل متمردا لا يرضيه سوى هدم المعبد كله. عشت ثلاثين سنة أمامي وأنت تضع اشاراتك الخاصة على ورق النوطة لتعزف موسيقاك منفردا. لا تشبه أحدا ولن يتمكن أحد من التشبه بك، ذلك لأنك تترك كل ما تفعله وراءك. لا تحمل معك سوى زاد يكفيك ليوم أو يومين. هو عدتك لكي تتعرف من خلالها على نفسك. تستيقظ لتجد نفسك غريبا. ‘هل كنتُ مسافراً؟’ تسأل أقرب الراقدين من حولك ولا تنتظر جوابا. حقيبتك وهي مملوءة بدفاتر الشعر تشجع على السفر. فاضل: تمنيت لو كنت تقيم في مكان بعينه لألتقيك.’ شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية