إنياريتو في فيلمه ‘بيوتيفول’.. العالم عندما لم يعد جميلاً.. ليس نهاية المطاف

حجم الخط
0

رفقي عسافيعود المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إنياريتو’ صاحب ’21 رام’ و’بابل’، في فيلمه الجديد ‘بيوتيفول Biutiful’ هكذا بتهجئتها الخطأ تماماً، الفيلم الذي ترشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي هذا العام، ليحكي قصة العالم حين لم يعد جميلاً، ليحكي عالم رجل وأبٍ يتداعى، عندما يصاب بالسرطان، ولا يتبقى له في الحياة سوى أشهر قليلة، ثيمة ليست جديدة مبدئياً، يعالجها المخرج المكسيكي المميز، بطريقته الخاصة.

أوكسفال، الذي لعب دوره ‘خافيير باردم’ بإبداعه المعتاد وترشح عنه لأوسكار أفضل ممثل، الرجل الذي يمتلك قدرة خاصة وغريبة في الحديث مع الموتى، ويتم استئجاره في بعض الجنائز لهذا السبب يجد نفسه فجأة بانتظار الموت، وتماماً ككل أفلام إنياريتو تحضر ثيمة الموت بقوة، ولكن بصورة مختلفة هذه المرة بغياب شريك الكتابة المميز جييرمو أرياجا، ولكن بحضور الروح الإخراجية نفسها في أفلام إنياريتو الثلاثة السابقة، قصة رجل يعمل في توريد البضائع التي يشرف على صنعها مثليان ومجموعة عمال صينيين، لبائعي البضائع المقلدة في الشوارع من الأفارقة، وتأمين الحماية لهم، ويعيل أسرة مفككة من زوجة سابقة مريضة نفسياً وطفلين، وأخ لا ضير لديه من بيع قبر الأب من أجل بعض المال، حياة ليس فيها الكثير للأسف عليه، ولم يتبق فيها الكثير من الجمال، ولكنها ـ كأي حياة – تستحق لحظة التوقف التي يرصدها الفيلم.

مجدداً ومن خلال قصة هذا الرجل الذي يعمل مع الأقليات، يمرر إنياريتو فكرته الكونية، التي سبق وطرحها في ‘بابل’ وفي ’21 غرام’، فكرة البشرية ككل واحد، وكون الإنسانية هي ما يجمع كل شعوب العالم، وهي أكبر بكثير مما يفرقهم، فمن خلال قصص المهاجرين الأفارقة والصينيين الذين يساعدهم ‘أوكسفال’ ويتكسب من خلال تشغيلهم، يمرر إنياريتو من جديد حكايا الهجرة غير الشرعية، ومعاناة البشر بكافة ألوانهم، ووحدة الهم الإنساني.

السيناريو يتناول ثيمة مكررة كما أسلفت، قصة الرجل الذي يوشك على الموت فيحاول ترتيب حياته في أيامه الأخيرة، ليست ثيمة جديدة، ولكن المعالجة التي صاغها كل من إنياريتو نفسه، بالتعاون مع كاتبين مغمورين، هما نيكولاس جياكوبوني، الذي سبق له أن كتب فيلماً قصيراً واحداً، وأرماندو بو، الذي يشكل ‘بيوتيفول’ أول أعماله للسينما، هذه المعالجة جاءت جديدة وعميقة، كما هو معتاد من إنياريتو، فبناء الشخصيات العميق جداً، يميز دوماً معالجات هذا المخرج المكسيكي المبدع، وهذا ما كان في كل شخصيات الفيلم، الرئيسة منها والثانوية.

فنياً الفيلم عبقري، فإنياريتو يعد أحد مدارس الإخراج في السينما الحديثة، وروحه الإخراجية في أفلامه لا تخطئها عين متابع السينما، لأن أسلوبه في رسم اللقطة والتحضير لها خاص جداً، إدارة التصوير التي اضطلع بها المكسيكي المبدع الآخر رودريغو بريتو، الذي سبق وتولى إدارة تصوير جميع أفلام إنياريتو السابقة، جاءت إدارة عبقرية، تجلت فيها فلسفة الضوء والظل، بشكل موظف درامياً وبرزت فيها لمسات إنياريتو في صياغة المعالجة البصرية واللونية للفيلم، كما تجلى في الكثير من المشاهد، مثل مشهد تنفتح فيه النافذة ليتسلل الضوء إلى وجه ‘أوكسفال’ المنهك، وتعود لتنغلق بشكل تلقائي بفعل الهواء، ليعتم وجهه مجدداً، أما الأداء التمثيلي فهو تحت إدارة إنياريتو دائماً مميز، ولكن ‘خافيير باردم’ يسرق كل الأضواء في هذا الفيلم من بقية الممثلين، الذين قدموا جميعاً أداء جيداً.

الموسيقى التي تولى تأليفها الحائز الأوسكار من قبل جوستافو سانتويايا، حملت روح موسيقاه في أفلام إنياريتو السابقة، إذ يطغى صوت الآلات الوترية الحساسة على الجو العام للفيلم ويحمّله نكهة خاصة، أما المونتاج وكعادة إنياريتو فيلعب دوراً درامياً فعالاً، وتولاه شريك إنياريتو في فيلميه السابقين ستيفن ميريون، الذي سبق وحاز جائزة أوسكار عن فيلم ‘ترافيك’ وترشح لأخرى عن فيلم إنياريتو السابق ‘بابل’، ويواصل تألقه في هذا الفيلم بما يخدم أسلوب إنياريتو وبصمته.’بيوتيفول Biutiful’ بتهجئتها الخطأ، الفيلم الذي اختار إنياريتو إهداءه ‘إلى شجرة سنديانه العجوز.. والده’ فيلم يحكي عن الأبوة والموت والإنسان، من خلال شخصيات مأزومة تحيا في هذا العالم الذي لم يعد جميلاً بما يكفي، وتحاول فقط أن ترتب أولوياتها في ما تبقى لها من أعمار تظل قصيرة مهما طالت، والأهم، هو أنه فيلم يقول بكل صدق، بأن الموت، ليس أبداً نهاية المطاف، حتى لو لم يستطع أحد أن يعود ليخبرنا، إلى أين يمضي. شاعر ومخرج أردني/فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية