عمان ـ القدس العربي: صدر مؤخراً عن دار «الآن ناشرون وموزعون»- في العاصمة الأردنية عمان. كتاب بعنوان «علي فودة..شاعر الثورة والحياة»، من إعداد وتقديم وتحرير ومشاركة الشاعر والناقد نضال القاسم، والناقد سليم النجار»، وبمشاركة ثلاثةٍ وعشرين شاعراً وناقداً وأكاديمياً.
وتقع تجربة «علي فودة» الشعرية والروائية في منطقة جمالية خاصة، لطالما كانت مدار أطروحات نقدية في فحص الفضاء الإبداعي لصاحب «فلسطيني كحد السيف» و«قصائد من عيون امرأة» و«عواء الذئب» و«الغجري» و«منشورات سرية للعشب» و«الفلسطيني الطيّب، رواية» و«أعواد المشانق، رواية».
ويرى المحرران في مقدمة الكتاب أن هذه القراءة لأشعار وروايات «علي فودة» تحاول أن تستجلي أهمية هذا الشاعر في الواقع الأدبي العربي المعاصر، كما أنها تحاول أن تقدمه إلى جيل جديد من القراء وأن تتحرر من سطوة النقد الذي انصب ذات يوم بغزارة على أشعاره ورواياته.
وقد كان «علي» صوتًا شعريًا نافراً يمتازُ بالسهولة الممتنعة، والوضوح المقبول، والرقة الرائقة، لكنه لم ينل حظه من الشهرة مثلما نالها الآخرون، وهيهات أن تجد في بيانه المحكم السبك ما يتجافى عنه الذوق السليم، وتنبو عنه النفس الشاعرة، ومرد ذلك إلى مكونات الشاعر، من ثقافة واسعة متنوعة، وموهبة فطرية تفاعلت معها أسرار الحياة، فلا عجب وقد تكاملت له عناصر الشاعرية المبدعة أن يهيم في كل واد من أودية الشعر، وأن يصبح بحق دعامة راسخة من الدعائم التي ارتفع عليها صرح النهضة الأدبية المعاصرة.
لقد راكم الشاعر «علي فودة» تجربةً ثريةً كمّاً وكيفاً، وهي، عموماً، تستمد نسغها من انفتاح الشاعر على ثقافات متنوعة وإصراره على تليين تضاريس اللغة وركوب غواربها لإضاءة عتمات الروح وأبهائها الداجية ورغبته في تأثيث المتناقضات والمفارقات، والتوغل في متاهات القول بحثاً عن أصل الأشياء والطمأنينة المفتقدة.
إحتوت مقدمة الكتاب التي كتبها المحرران القاسم والنجار، والتي أكدّت على أن «علي فودة» كان ثمرة سجال ثقافي ومعرفي برع فيه رموز الثقافة العربية وأعلوا الصوت لنهضة قصيدة عَربية مختلفة، ومسكونة بالتعدد وبخصوبة الخيال وانفتاح الحدس على ما يعنيه القول الشعري من معنى ثقافي مغاير وجاذب للإختلاف النوعي الذي ميّز منجزاً شعرياً بعينه ألقى به أولئك الرواد، سؤالاً شاقاً على الثقافة العربية العربية لحظة تحولاتها أمام الذاكرة الثقافية والعربية.
وأكد المحرران أن «علي فودة» كان في مشروعه الشعري سؤالاً امتد إلى أزمان مفتوحة على الذائقة التي تنحاز للإنسان بوصفه القضية الكبرى أيضاً، كل ذلك كانت خلاصته في مشروعه الذي نزعم أنه انفتح بغير حدود ولم يتوقف عند حد بعينه.
ويحوي كتاب»علي فودة.. شاعر الثورة والحياة» بين دفتيه أبحاثاً ودراسات تحليلية نصيّة مختلفة عاينت في مجملها أعماله الشعرية والروائية، ونسيج نصوصه ولغته، ودلالاتها الإيحائية وتعدديتها. تكريماً لجهوده، وتنويها بذكره، وتأهيلا لمكانته المتميزة في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي على حدّ السواء.
الكتاب جاء في (283) صفحة من القطع المتوسط، وشارك فيه (23) كاتباً وأديباً وشاعراً وناقداً من الأردن، درسوا واحتفوا بهذه التجربة الإبداعية، التي قدّمت حياتها قُرباناً على محراب الحرية. أما الغلاف فهو من تصميم الفنان محمد خالد عبد السلام، وقد جاءت لوحة الغلاف على شكل بورتريه للشاعر، ويعطي البورتريه الذي أبدعه الفنّان محمد خالد عبد السلام إنطباعاً أن روح «علي فودة» الحارة تمنح الدفء كغصن شمس ربيعي نبت في زاوية نائية من سماء كثيرة الزوايا.
وفي كلمة أ.د.عز الدين المناصرة التي جاءت كإضاءة للغلاف الخلفي للكتاب، أوضح المناصرة المفارقة التالية:- (أتذكر عندما جاءنا عضوٌ في اللجنة المركزية لحركة فتح، خلال حصار بيروت(1982)، وأبلغنا أن علي فودة جُرح جراحاً خطيرة، ونُقل إلى مستشفى الجامعة الأميركية، واستُشهد فور وصوله. هكذا تحمسَّ الزملاء في (جريدة المعركة)، التي كُنتُ مدير تحريرها، فكتبوا مقالات رثائية حزينة، نشرناها بالفعل، ونقلت الصحافة اللبنانية الثقافية (الخبر) عن جريدة (المعركة)، لكن تبيَّن لنا بعد ذلك أنه حدث التباس ما، لأن (عليّاً، لم يكن قد توفي بعد، بل كان على قيد الحياة، حيث حدثت المفارقة المضحكة المبكية: لقد (قرأ (علي)، كل المقالات التي كُتبت في رثائه، ثمَّ أغمض عينيه إلى الأبد بتاريخ (20/8/1982).
وينهي المناصرة كلمته: (في هذا الكتاب، يتذكره عدد من أحبائه وأحباء شعر ورواياته، بعد كل هذه السنوات، ويضيئون اسمه ليتعرف إليه أبناء الجيل الجديد الذين يرددون قصيدة «إني اخترتك يا وطني» من دون أن يعرفوا من هو شاعرها).
وجاءت رؤية الدكتور محمد مقدادي، في قراءته لتجربة «علي فودة»، قائلاً: (لم يذكر أحدٌ أن «علي فودة» قد انضمَّ لحزبٍ ما، إلا أن كلّ من عرف «عليّاً» يعرف أنه كان مثقفاً يساريَّ الهوى، وشاعراً صلباً لا تلين قناته، وشعاعاً نابضاً لا يخفت له بريق، وظلّ ملتزماً بقضايا شعبه ووطنه فلسطين، وكاتباً مناضلاً من أجل قيم الحرية والعدالة).
بينما تناول الشاعر والناقد عبد الله رضوان فودة من زاوية الشاعر، إذ قال:( «علي فودة» من الأصوات الشعرية التي نشأت وترعرت في عمّان، ثم انتقل مع حركة المقاومة الفلسطينية إلى بيروت)، مضيفاً رضوان:( عرفه القارئ عبر ديوانين الأول صدر عام 1969 بعنوان «فلسطيني كحدِّ السّيف»، والثاني عام 1973 بعنوان «قصائد من عيون امرأة». قارئ الديوانين يشعر بحرص كبير، بل وبإصرار علي فودة على تأكيد انتمائه الحاد لوطنه وقضيته).
غير أن د. عبد الرحيم مراشدة، ذهب في إتجاه آخر في قراءته لرواية فودة «الفلسطيني الطيب»، إذ أوضح المراشدة :( ليس هناك من نصٍّ بريء، هذا ما يمكن قوله بعد قراءة هذه الرواية، ويصدق هذا القول على النص باعتباره رسالة موجهة من الكاتب إلى القارئ؛ وعلى اعتبار أن كل نص يحمل في ثناياه واستراتيجيات تكوينه خطاباً معيناً ينعكس من خلال وجهة نظر النص، تلك الوجهة التي تذوب فيها مرجعيات الكاتب وثقافته، وانتماءاته الفكرية والعقائدية).
من جانبه تناول د. إبراهيم خليل قضية إشكالية في تجربة «علي فودة» في بواكيرها حين عنون قراءته النقدية «الشاعر وبواكيره»، إذ أشار خليل لتلك التجربة:(شُوهِدَتْ مع علي فودة ذات يوم ترجَمَةٌ لديوان «أزهار الشر» للشاعر الفرنسي بودلير، فسُئلَ يومئذٍ عن هذا الديوان، فأجاب بمثل ما أجاب به أبو تمام عندما سئل عن ديواني بشار بن برد، ومسلم بن الوليد، فقال: هذان هما اللات والعزّى، وأنا أعبدهما. والحق أن درجة ولوع الشاعر فودة بشعر «بودلير» لا تصلُ حدَّ العبادة، لكنّه تأثر بقصائد ذلك الديوان تأثراً واضحاً ولا سيما في موقفه الشعري من المرأة).
اما الأستاذ الدكتور محمد صالح الشنطي فيقول في مقاله الذي يحمل عنوان (علي فودة أيقونة فلسطين):-» ثمة أعلام لا تستوعبهم الكلمات بمحدودية معناها ومساحة دلالاتها، فتضطر عند الكتابة عنها أن تجعل للكلمات أجنحة إضافية تحلق في فضائها، وتجوب آفاقها، ولكن أنى للكلمات مهما كانت ظلالها وارفة، وحيويتها دافقة أن تفي بمهمة التعبير عن شخصية افترشت مساحة الوطن، وتوحدت في تضاريسه وغردت أطياره على غصون القلب، وبنت أعشاشها في الفؤاد، وتحولت حياتها إلى أنشودة يتردد صداها على المسافة الواصلة بين الحنين والحنين.
وعلي فودة الذي تحول إلى قصيدة كتبت كلماتها بنزف الشرايين، ومرارة التشرد على امتداد الخندق الممتد من الماء إلى الماء؛ فلطالما صدح هذا البلبل الغريد بألحان الشوق في المنافي والفيافي وقفار المعاناة فكان إيقاعه يطرق أبواب التوق الأزلي إلى الانتماء وانتزاع الهوية الضائعة بين محطات السفر ومخيمات اللجوء، هذا الشاعر المناضل الذي أصغى إلى دبيب الموت وهو يجتاز عتباته فوهبت له الحياة ليقهر موته ويخترق سجف الفناء ويطل من شرفته على بهائه المشمس في قلوب أصدقائه ومحبيه «.
في الختام نقول، لقد استذكر كُتاب الأردن الشاعر الشهيد»علي فودة» بعد أكثر من ثلاثين عاماً على غيابه، ولسان حالهكم جميعاً يقول: نامَ الغزالْ.. لا توقظوهْ.. لا تجرحوهْ.. بنظـرةِ الحاسدْ.. أو نية الحاقدْ.. لا تجرحوه.