إنَّه العراقُ الخارج أبداً علي طبيعة الأشياء
إنَّه العراقُ الخارج أبداً علي طبيعة الأشياءيختالك الشّوقُ منذ الطّفولة.. شوقُ الوصول الذي لا يعرف الوصول إلي الشّمس الأرضيّة الوارفة التي نَصَبَها المنصورُ أريكتين تتحاكيان في مدارٍ فوق دجلة الخير عَلَّهُ يأخذُ نَفَساً إبّانَ سَفَرِهِ الطّويل.يختالُكَ شوقٌ عُمْرُهُ عُمْرُ وعيك القوميّ.. وإذا أنت في حجٍّ حضاريّ عبر خطوط النّار والأخطار الماثلة الشَّاخصة، حجٍّ حَزَّ آلاف الكيلومترات الذي أخيرها كان أَلْفَ عمّان ـ بغداد الذي لا يملأ سماءَهُ وَهواءَهُ وصحراءَهُ سوي تلهّب تلهّفك المتصاعد في جميع الاتّجاهات نحو عناق المُنْتَظَر المنصوريّ الذي ما زال الاندياحُ يدفعه بعيداً عنك كالأفق كلّما نحوه اقتربت.وإذاكَ فجأةً في أضلاع الرافد التوأم الكبير وتحت ضفائر النَّخْل وراحات السَّعف وفي أذرعة وأحشاء المرض الذي كان يسكنك وما برح في محور الدُّنيا التي اصطفاها القَدَرُ العربيّ الملاحميّ الذي لا تريدُ أن تبارح سكناه وحناياه ذلك الذي ليس إلاّ العراق وحده الذي لا شبيه له إلاّ ذاتُه المتفرّدة علي سطح البسيطة.عندما كُنْتَ تغادرُ عروس السّين كانت باريسُ ترتدي عينيكَ ورؤاكَ في كراك فتصرخ حالما تصحو في سريرٍ آخر كالمجنون.. ولكنّي كنتُ فيها.. فأنّي الآن عساني أكون. لقد انمسح العالمُ أمامك منذ هويتَ علي حاضرة نوره فَتَوَالَمَتْكَ نيرانُ الوصال في المدينة التي تختزلُ المدائن. هذه التي ما استطاعتْ رسمَها ريشةٌ كما حَلِمَتْ، فما زالت اليتيمةُ المتيَّمةُ بالذي يأتي ولا يأتي في رقيم الزّمن.وإذاك في بغداد بعد أن سار بعينيك قَمَرُ العراق الهادل الأليف المواكب الذي أنساك هدير الحديد وهو يسبو الليل ويغذو في المُعبَّد الميّاد.كيفما توجَّهْتَ فالعراق أحضانٌ تترامي وضمّ يتمادي في العيون والعراجين والأثير والنجوم.. إنّه بلدٌ خارج المكان والزّمان لا بل خارج مطالات العقول بكل بساطة علي متاهات البسيطة. هذا البلدُ حين وصل إليه الإسكندرُ اكتشف من الوهلة الأولي أنَّ سكانه مختلفون عن سواهم من بقيّة الأمم فسارع إلي مكاتبة أستاذه الفيلسوف أرسطو يسأله أفضل الطُّرق في تطويع: العراقيين: (هل في تشتيتهم علي أجزاء الأمبراطوريّة أم في استقدام أجناس أخري للإختلاط بهم والسَّكن معهم؟ فأجابه أرسطو بحكمته المعهودة قائلاً: (إذا نقلتهم سيخرِّبون عليك البلاد الأخري وإذا جئتهم بأجناسٍ أخري تأقلموا معهم واكتسبوا طباعهم. أبقِ عليهم حيث هم وتعامل معهم بحكمة). إنّكَ لا تعرف النّومَ في بغداد. فالوصولُ لا يصدِّقُ إيقاعَ النّشوة ونادراً ما تتحقّق الأحلام المستحيلة في الزَّمن المستحيل، فأنت جسرٌ بين فراشِك وشرفة غرفتك في المنصور محدِّقاً بسماء بغداد المتجدِّدة المتغيِّرة أشكالاً وألواناً ليل نهار.. وسائراً أسير فصائل النخيل المسافرة بين البيوت التي وكأنّها رعاتُها الأُباةُ أمام الأشقياء والغُزاة. في بغداد تشعر أنَّك خليّةٌ حيّة نابضة في جسدٍ حيٍّ نابض لا يعرف الوحدة والوحشة رغم السّوط ورغم القبر ورغم الموت.مريض العراقأحمد منصور6