يذهب عدد كبير من المفكرين والأدباء والساسة، شرقيون وغربيون وفي كل الأزمنة، إلى أن علم التأريخ له من السحر والجاذبية ما يجعله موضع حسد عند العلوم الأخرى. ولا يكمن سحره فقط في ديناميكيته العالية والمبهرة، والتي قد تصل أحياناً إلى درجة التناقض أو التعارض شكلاً ومضموناً، كما هو الحال، على سبيل المثال، في دعوة ادوارد سعيد للتأويل الطباقي في قراءة التاريخ الاستعماري؛ بل ولأنه أكثر العلوم قابلية للأدلجة وللتزييف والتحوير. وقد وجد اناتول فرانس في هذه السمة تحديداً جمالية منقطعة النظير عندما أجزم، ساخراً ربما، بأن كتب التاريخ التي لا تحوي كذباً وتزويراً هي كتب مملة حد الموت. ولأنه أقرب ما يكون ‘لعجوز شمطاء كثيرة الكذب’ كما صوره الكاتب الفرنسي غي دي موباسان، كان لا بد من تزيين التاريخ ليتوافق مع كراسات المفكرين وأجندات السياسيين على حد سواء. ولم تقتصر عمليات التجميل على التضخيم والحذف، ولنا في هذا المقام أن نستذكر دروس قسطنطين زريق في كتابه ‘نحن والتاريخ’، وفيه يحذرنا الكاتب من مغبة دراسة التاريخ العربي من الجاهلية حتى الأندلس والقفز فجأة إلى عصر النهضة؛ بل تعداه إلى الرضوخ لمسلمات بالية استقرت في المخيلة الجمعية، كتلك القائلة بان العصور الوسطى في القارة الأوروبية لا تعدو كونها حقبة مظلمة سادها خليط من الجهل والرجعية والعقم الفكري. وهنا قد يسأل مشكك: كيف لنا أن ننعت بالظلامية حقبة تركت لنا مدنها كاتدرائيات ودور علم وجامعات ونماذج أدبية لا مثيل لها أضحى أبطالها، من قامات دانتي اليغييري وبوكاتشو تشوسر وآخرون كثيرون، رموزاً لآداب بلادهم وللعالم أجمع. ناهيك عن الحالة الفلسفية القروسطية المزدهرة والفكر اللاهوتي الناضج والمتأثر، في بعض الأحيان، بالمدارس الإسلامية، بل والمؤسس أيضاً، كما هو الحال في التيار المدرسي المتأخر، لما عرف بعد ذلك بالفكر النهضوي. ولا تكاد تنتهي إشكالية تزييف التاريخ عند هذه الحقبة أو تلك، إذ انها سلسلة طويلة تعمد إلى ربط الوقائع بأحداث ‘فردية’ أو ‘جماعية’ تُضخم تارة، وتُهمل طوراً حسب المعطيات الإجتماعية ـ الثقافية ـ السياسية التي غالباً ما تغزو صفحات المؤرخ وتفرض نفسها بقوة على ريشة الأديب. ولعل التصادم التاريخي الأشهر بين الشرق والغرب والمتمثل بالحروب الصليبية يُعد أطول فصول هذه السلسلة وأكثرها إرهاقاً لمؤرخي الغرب، بل وأعمقها تأثيرأ في الوعي الجمعي الأوروبي. ولا بد أن الشاعر الايطالي توركواتو تاسو، مؤلف الملحمة الصليبية الأشهر وعنوانها ‘تحرير اورشليم’، كان على دراية تامة بأهمية تزييف وقائع الصدام بين المسيحيين والمسلمين على أسوار القدس، وذلك لدوافع دينية ‘مقدسة’ لا تقل أهمية عن الضرورات الإستيطيقية والتي يقدمها الشاعر في صورة اعتذار رسمي لإلهة الإلهام الملحمي في أبياته الأولى. بينما يقوم شاعر ايطالي آخر، وهو لودوفيكو اريوستو، بإضفاء طابع علماني على انتصارات فانتازية لشارلمان ضد المسلمين في اسبانيا، محولاً رائعته ‘اورلاندو فوريوزو’ شهادة تأريخية مزورة لا تخلو من متعة وتشويق، يتبارز في طياتها فرسان مسلمون ومسيحيون للنيل من قلب حسناء شرقية ثائرة تُدعى ‘انجيليكا’. وهكذا، فإن الفروقات التي يقدمها النقاد الغربيون بين تاسو واريوستو على الصعيد التأريخي تتجلى في أحسن صورها ضمن الفكرة المنطقية التي عبر عنها ريمون آرون، الفيلسوف الفرنسي المعروف بشدة عدائه للتأريخ الماركسي، عندما قال في منتصف القرن المنصرم: ‘إن فلسفات التاريخ لا تعدو كونها مبادىء دينية تم صبغها بالصبغة العلمانية’ (أفيون المثقفين، دار الكتاب العربي، ص 139). ولا شك أن القارة العجوز لا تزال في أيامنا هذه تشهد صدامات ونقاشات حادة بين مؤرخين يعودون لقرون الحروب الصليبية في سبيل تحوير وأخيراً توظيف واقعة ما لغايات سياسية ـ ثقافية راهنة. ولعل النقاش الأكثر جدلاً، وطرافة على حد سواء، ذاك المتعلق بالتسمية الجديدة لبابا الفاتيكان الحالي، فرنسيس الأول، وهو اسم لا يخلو بالطبع من دلالات تاريخية تنعكس مباشرة في صورة القديس فرنسيس الأسيزي (1181 ـ 1226) الذي عُرف عنه حبه للفقراء والمظلومين ودعوته لاحترام جميع الأديان واستعماله للغة بسيطة في متناول العامة، والأهم من ذلك، رؤيته الناقدة للحروب الصليبية، التي يشهد عليها لقاؤه السلمي الشهير مع السلطان الكامل الأيوبي في مدينة دمياط. وإن كان هناك من المؤرخين ممن اعتبروا هذا اللقاء الأول من نوعه فيما يعرف بحوار الأديان، فسرعان ما أتى المشككون، وبعد تسلم بابا الفاتيكان الحالي سلطاته بأيام، لتحوير هذا اللقاء والرمي به بعيداً عن السياق التاريخي الراهن واستحقاقاته السياسية ـ الثقافية، والتي بدورها لا ينبغي لها في نظرهم أن تتجاوز صفحات ‘صراع الحضارات’ وحدود مانهاتن الطبيعية في الحادي عشر من أيلول وما تبقى من أيام السنة. أما على الصعيد العربي، فالحال ليس أفضل على الإطلاق، كيف لا والتاريخ، كما الشعر، ‘يغني عن صدقه كذبه’. ولو استنطقنا التاريخ وأعدنا قراءته بموضوعية لاكتشفنا بحراً من المغالطات، هي المغالطات نفسها التي تتعارك من أجلها الفصائل المتناحرة هنا وهناك في سوريا والعراق وتتخذها أصناماً ورايات قتال. من المؤسف أن يقتصر واجبنا أمام التاريخ في مهمة واحدة، هي ‘الأسهل’ والأكثر ‘أماناً’: تزييفه.