لندن ـ «القدس العربي»: أعلن النجم السويدي زلاتان إبراهيموفيتش، عن اعتزاله كرة القدم نهائيا، بعمر 41 عاما، كاتبا نهاية واحدة من أنجح وأفضل قصص نجوم كرة القدم في الألفية، كواحد من أعظم نجوم اللعبة، ليس فقط في العصر الحديث، بل في كل العصور، بموهبته الفذة، التي كان يقارنها البعض بجبروت كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي في أعظم لحظات الاثنين، إلى جانب نجاحاته وجوائزه الفردية والألقاب الجماعية التي حققها في تجاربه مع الأندية التي مثلها على مدار عقدين من الزمان، والتي يصعب حصرها في قصة واحدة، لكن سيبقى الوجه الشرير للسلطان، هو العالق في الأذهان، لتاريخه الحافل بالقصص والمواقف المثيرة للجدل، التي جعلته يرسم لنفسه صورة اللاعب الساخر، بغطرسة وعجرفة لم تشهدها ملاعب كرة القدم من قبل، وربما لن نشهدها مرة أخرى، وهذا ما سنتذكر معا في هذا التقرير.
الضحية المفضلة
طوال تاريخ إبرا الحافل بالإسقاط والسخرية من منافسيه، لم يتحمل أحد إهاناته مثل المدرب الكاتالوني بيب غوارديولا، منذ وقوعه في المحظور، وفي رواية أخرى ارتكاب مدرب مانشستر سيتي الحالي، غلطة عمره، حين وافق على شراء الميغا ستار السويدي من إنتر الإيطالي في أول موسم بعد ثلاثية 2008-2009 لتعزيز القوة الضاربة لفريق البرسا الذهبي بقيادة ليو ميسي. لكن على أرض الواقع، حدث آخر وأسوأ ما كان ينتظره المدرب، بتحول زلاتان إلى قنبلة موقوتة داخل غرفة خلع الملابس، ما تسبب في إعادته إلى جنة كرة القدم في صيف 2010 عبر بوابة ميلان، ومنذ تلك اللحظة، وبالكاد إبرا لا يفوت نصف فرصة لإحراج مدربه السابق في «كامب نو» ما يُعرف في عالم «السوشيال ميديا» بـ «قصف جبهة» غوارديولا، منها على السبيل المثال لا الحصر مقولته المأثورة على محاضرات بيب في غرفة خلع الملابس، حيث قال ذات مرة «كنت أستمع لفلاسفة غوارديولا في البداية.. وأتساءل لماذا سأفعل ذلك؟ كان هراء عن الدم والعرق والدموع». وعن رأيه بين جوزيه مورينيو وغوارديولا، قال «إذا كان جوزيه يضيء الغرفة، فالآخر يسحب الستائر» أما الجملة العالقة في الأذهان، عندما سُئل عن أسباب إخفاقه مع البلو غرانا، حيث قال «عندما تشتريني، فهذا يعني أنك تشتري فيراري، وإذا كنت تقود فيراري، فمن الضروري أن تضع بنزينا عالي الجودة في الخزان، وتقود بالسرعة المطلوبة، أما غوارديولا كان يضع الديزل ويدور في الريف، كان يجب أن يشتري سيارة فيات». وفي آخر تحديث قال في سيرته الذاتية الجديدة بعنوان «حكاياتي التي لا توصف»: «الفيلسوف يفضل العمل مع اللاعبين الذي يطيعون الأوامر دون رد».
واحدة من القصص القديمة الموثقة، التي كشفت في وقت مبكر طريقة تفكيره وعقليته، ما حدث في أول لقاء مع الأستاذ آرسن فينغر، عندما طلب رؤيته في تدريبات الجيل الذهبي لآرسنال في بداية القرن الجديد، حيث كان صاحبنا يُصنف كمهاجم يافع في طريقه لاحتراف اللعبة بشكل رسمي، لكنه صدم المدرب الفرنسي بأغرب رد على طلبه بخوض الاختبارات قبل التوقيع معه بشكل رسمي، قائلا بكل غطرسة وغرور قبل أن يحتفل بعيد ميلاده الـ20 «قلت مستحيل. زلاتان ليس حقل تجارب»، ما تسبب بتوقف الصفقة، رغم جدية النادي اللندني في إتمامها عام 2000، أما المزحة التي فجرت ضحك رئيس نادي باريس سان جيرمان ناصر الخليفي، بعد شراء عقده من ميلان عام 2012 حين قال في مؤتمر تقديمه للصحافيين «صحيح أنني لا أعرف الكثير عن اللاعبين هنا، لكنهم يعرفون بالتأكيد من أنا» وأضاف إلى الشعر بيتا في نفس المؤتمر «نحن نبحث عن شقة، إذا لم نعثر على أي شيء، فسنشتري فقط فندقا» مفجرا ضحك كل من الحضور في القاعة، وعكس ذلك، عندما وُجهت إليه تهمة إهانة فرنسا، في واحدة من نوبات غضبه المروعة، بعد خسارة باريس سان جيرمان أمام بوردو بنتيجة 2-3 في آذار/مارس 2015 وآنذاك عنف الحكم ليونيل غافريدو في الطريق المؤدي لغرفة خلع الملابس «استيقظ .. استيقظ.. لسنا هواة، لم أر هذا منذ أن لعبت كرة القدم، لم أشاهد تحكيما جيدا في هذا البلد الفاسد.. أنتم لا تستحقون حتى باريس سان جيرمان» قبل أن يضطر للعودة خطوة كبيرة إلى الوراء، باعتذار رسمي قال فيه «تحدثت عن كرة القدم. لقد خسرت المباراة، وأنا أقبل ذلك، لكن لا يمكنني القبول عندما لا يتبع الحكم القواعد، هذه ليست المرة الأولى وقد سئمت منها. اعتذاري الصادق إذا تعرض أي شخص للإهانة أو أخذ الأمر بطريقة خاطئة».
تهديد فارت وصفعة ميدو
يروي إبرا في مذكراته، أنه في تجربته مع أياكس أمستردام، سمع في الصحافة أن زميله الهولندي رافائيل فان دير فارت، يزعم أنه أصيب على مستوى الكاحل، جراء تدخل وحشي متعمد من قبل إبراهيوفيتش، ليذهب إلى زميله المصاب، ويخبره بهذه الرسالة «اسمع. لم أصبك عن قصد، وأنت تعرف ذلك، لكن إذا اتهمتني مرة أخرى فسأكسر ساقيك، وستكون هذه المرة عن قصد». وعلى سيرة أيام العنفوان وطيش الشباب في بداية عقد العشرينات مع عملاق الأراضي المنخفضة، لا ينسى النجم المثير للجدل، ذاك اليوم الذي نجا فيه من الموت بأعجوبة، إثر مداعبة مع أحمد حسام ميدو بعد مباراة ضد فينورد عام 2003 انقلبت إلى لحظة عصيبة، كادت تنتهي بمقتل إبرا، وعنها يقول «كان غاضبا لعدم مشاركته في التشكيلة الأساسية، ولم يتحمل المزحة، فالتقط مقصا وألقى به في وجهي، كان سيخترق رأسي مباشرة، لكن أحدث شرخا في الجدار الخرساني خلفي، فذهبت وصفعته على وجهه، وبعد 10 دقائق خرجنا وأذرعنا حول بعضنا البعض». ومن أشهر شطحاته ومعاركه الكلامية مع الخصوم، رده المهين على المهاجم النرويجي السابق جون كارو، الذي ساقه القدر للاستفسار عن أهمية لمسات زلاتان وأسلوبه الاستعراضي، وهو ما أثار استفزاز الأخير وجعله يرد بأسلوبه الوحشي، قائلا في جملة مقتضبة «ما يفعله كارو بكرة القدم، أفعله بالبرتقالة».
معارك واشتباكات دموية
بالنسبة للصراعات والاشتباكات داخل الملعب، فكما يقولون في مصر «العدد في اللمون» بعشرات المعارك والاشتباكات بالأيدي، واحدة منها مع زميل سابق في ميلان أوجوتشي أونيو عام 2010 بعد التحام خشن في التدريبات، تحول في لحظات إلى معركة شوارع، يقول عنه «لقد ضربته على رأسه، أردنا تمزيق أطراف بعضنا البعض، كانت معركة وحشية، إذ كنا نتدحرج، نلكم ونركب بعضنا البعض. كنا مجانين وغاضبين. كان الأمر مثل حياة أو موت» والأعنف على الإطلاق، مشهده القاسي مع المدافع ماركو ماتيرادزي، الذي تسبب في ذهاب الأخير إلى المستشفى، وبدرجة أقل اكتفى باحتكاك عنيف مع الدبابة البلجيكية روميلو لوكاكو في ديربي ميلان 2021 في كأس إيطاليا، بينما في أمريكا، فكان المسكين نيدوم أونوها، لاعب ريال سالت ليك، أبرز ضحاياه، حين قام بحمله كالطفل ثم ألقاه على الأرض، وعلق عليها فيما كان من المفترض أنه بيان اعتذاره للاعب قائلا «أحب أن أشعر بأنني على قيد الحياة، وأحب اشتعال مثل هذه المبارزات، لأنه في بعض الأحيان لا أشعر بالنوم، لكنني لا أشعر بأنني على قيد الحياة إذا لم ينشطوني بالفعل، ولا أعرف لماذا أكون بحالة جيدة عندما أغضب». أما التصريح الأكثر لغطا وإثارة للجدل في تاريخه، ما قاله في مؤتمره الروتيني مع الصحافيين قبل مواجهة البرتغال في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2014 وآنذاك سأله الصحافي «ما توقعك لنتيجة المباراة؟ الله وحده أعلم» فرد عليه الصحافي «من الصعب أن أسأله» فجاءت القاضية من إبرا وهو مبتسما قائلا «أنت الآن تتحدث معه» وبعد الإقصاء على يد كريستيانو رونالدو ورفاقه، قال جملته المأثورة «كأس العالم لا يستحق الانتظار لأنه لا يعني أي شيء بدون إبرا».