غزة- “القدس العربي”: “اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يُصدقكَ الناس أو تُصدق نفسك”، مقولةٌ قالها جوزيف غوبلز وزير الإعلام في العهد النازي، وهي المقولة ذاتها التي تستخدمها إسرائيل لتغير وجه الحقيقة، وترتدي من خلالها ثوباُ يجعلها تبدو أمام شعوب الأرض وكأنها صاحبة الحق المُطلق، باستخدامها إعلاماً مُضللاً للشعوب.
جيش الهبد الإلكتروني أو “إهبد 194” هو أداة من أدوات الدبلوماسية الرقمية الفلسطينية التي ظهرت لتحارب الرواية الإسرائيلية بما بات يُعرف بالمقاومة السلمية، وهو شكل من أشكال النضال لنزع الشرعية الدولية عن اسرائيل والتي اكتسبتها من العالم باستخدامها لسياسة قلب الحقائق وتزييفها.
جيش الهبد الإلكتروني هو أداة من أدوات الدبلوماسية الرقمية الفلسطينية التي ظهرت لتحارب الرواية الإسرائيلية بما بات يُعرف بالمقاومة السلمية
المجموعات الشبابية التي رأت في مواقع التواصل الاجتماعي مساحةً لمقارعة الرواية الإسرائيلية أنشأها خمسةُ شبانٍ فلسطينيين، بعضهم يعيش في قطاع غزة، وآخرون في الشتات، وجميعهم استطاعوا خلق شكلٍ جديدٍ من المواجهة الرقمية كما يؤكد ذلك “للقدس العربي” الباحث في مجال الدبلوماسية الرقمية وأحد مؤسسي جيش الهبد الإلكتروني، حسن الداوودي.
الحديث عن الحملات المضادة التي يلجأ إليها جيش الهبد يشمل الدخول إلى آلاف الحسابات التي تدعم الرواية الإسرائيلية، من خلال النشر والتعليق بالصور والمعلومات الموثقة وبلغات عديدة من أجل كسب التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية، وإظهار حجم الكذب الذي تمارسه الماكنة الإعلامية الإسرائيلية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما يشير .
ويضيف الداوودي “بدأت الفكرة عندما شن الجيش الإسرائيلي عدواناً على قطاع غزة، حيث قتل عدداً من الأطفال والنساء في مايو/ آيار عام 2019، وبدأ بنشر معلومات مُضلِلة عبر منصاته الإلكترونية المختلفة، فقررنا أن نظهر حقيقة ما جرى، من خلال المعلومات والصور الحقيقية، وبترجمات متعددة. وبالفعل أجبرنا عددا من المؤيدين لإسرائيل على حذف تعليقاتهم، ومنشوراتهم، وطرح الأسئلة حول ما جرى وهذا في حد ذاته انجاز”.
يشير الداوودي في حديثه لـ”القدس العربي” إلى أن الانطلاق الأول لجيش الهبد، والذي كان عفوياً، دفع آلاف الفلسطينيين للتغريد والتفاعل مع قضايا فلسطينية متنوعة حيث بلغ عدد المتفاعلين مع صفحة جيش الهبد الإلكتروني في الساعات الأولى للإعلان عن انطلاق حملاته إلى عشرين ألف متابع من دول متعددة.
وتعني كلمة “إهبد” باللهجة الفلسطينية العامّية “إضرب” وباللغة الانكليزية” Strike”، أي إضرب الرواية الإسرائيلية في مهدها وأظهر عدالة قضيتك.
تعني كلمة إهبد باللهجة الفلسطينية العامّية إضرب، أي إضرب الرواية الإسرائيلية في مهدها وأظهر عدالة قضيتك
إحدى الحملات المتوقع تنفيذها مطلع الأسبوع القادم ستسلط الضوء على الحملات الإسرائيلية المناهضة للمحتوى الفلسطيني على شبكات التواصل الاجتماعي، والتي دفعت شركة فيسبوك لإغلاق مئات الحسابات الفلسطينية، بسبب اتفاقيه وقعتها الشركة مع إسرائيل قبل عامين، تنص على حذف كل الحسابات الفلسطينية التي تأتي على ذكر المقاومة بأشكالها كافة وتؤكد الحق الفلسطيني.
ستبدأ الحملة بتصميم مئات الملصقات الالكترونية تحت عنوان” أنا مشارك في دعم الحقوق الرقمية الفلسطينية وأرفض انتهاك المحتوى الفلسطيني”، وذلك بمشاركة واسعة من إعلاميين وباحثين ونخب فلسطينية في داخل وخارج فلسطين.
أما المرحلة الثانية بحسب ما يؤكد الداوودي “القدس العربي” فستتمثل بمخاطبة الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك مارك زوكربيرغ من خلال مراسلات إلكترونية، ستطالبه بالتوقف عن دعم إسرائيل، وإظهار حقيقة ما يتعرض له الفلسطينيين، متمنياً أن تلقى هذه الحملة استجابة من الشركة وخوارزميتها التي باتت تصنف كل ما يُنشر عن القضية الفلسطينية على انه إرهاب يستحق المواجهة.
وعن الحملات التي نفذها جيش الهبد وأحدثت تأثيراً قوياً كانت تلك التي تمت فيها مخاطبة مجلس النواب السويدي والذي كان بصدد التصويت بشان قرار يجيز وقف الدعم المالي المقدم لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ودفعت 30 نائباً سويدياً من أصل مئة كانوا سيصوتون لصالح هذا القرار، للتواصل مع جيش الهبد وطرح تساؤلات حول مدى أحقيه استمرار الدعم من وجهة النظر الفلسطينية.
يوضح الداوودي أن النشطاء الفلسطينيون- من خلال تعليقاتهم المكثفة على مواقع التواصل الاجتماعي أجبروا- قناة ناشونال جيوغرافيك أبوظبي على حذف منشور عن حيوان يعيش في صحراء فلسطينية بالخليل، كانت الصفحة قد وضعت اسمها الإسرائيلي.
و يقول “انتقدنا في تعليقاتنا تزييف القناة لحقيقة الوجود الفلسطيني، وخدمة الاحتلال في الاسم الذي استخدمته وهو “صحراء جوديان” في إسرائيل، بدلاً من صحراء برية الخليل في فلسطين.
وأضاف أن تعليقات عشرات الآلاف أجبرت إدارة الصفحة على حذف المنشور وإعادة نشر محتوى جديد بالاسم الفلسطيني الصحيح، وكتبت شكرا في التعليق على الملاحظة.
وفي السياق ذاته لفت الداوودي إلى أن الناطق باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي أوفير جندلمان، ونفتالي حنانيا المتخصص في صناعة المحتوى المرئي المضلل، ويوناتان جونين وهو المسؤول عن الدبلوماسية الرقمية بالعربية في وزارة الخارجية الإسرائيلية، جميعهم أجبروا على حذف عدد من منشوراتهم لكمية التعليقات التي وجهها لهم جيش الهبد في مواقف كثيرة، كانت تُصر فيها إسرائيل على انتهاج الكذب لخلق شعوب مُضلّله تنساق وراء الرواية الإسرائيلية على حساب الحق الفلسطيني .
ويفسر الشبان الفلسطينيون استخدامهم للوسم “#اهبد194″، لربطه بالقرار الأممي المتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة لديارهم التي شردوا منها عام 1948، إلى جانب أنه نفس الرقم الذي يحمل رقم عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة.
يرتبط وسم إهبد 194 بالقرار الأممي المتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة لديارهم التي شردوا منها عام 1948، وهو نفس الرقم الذي يحمل رقم عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة
علي شعث أحد مؤسسي الجيش الفلسطيني المقيم في بلجيكا، قال في حديث لـ”القدس العربي”: “من السهل أن يتعاطف العالم مع صورة لطفل إسرائيلي يبكي تروجها إسرائيل على أنها مذبحة نفذها فلسطينيون، لكن العالم لن يُلقي بالاً لصبا أبو عرار (14 شهراً) مثلاً والتي قتلت بشظايا صاروخ إسرائيلي بينما كانت نائمة، من أجل هذا وجد جيش الهبد”.
وفي إطار معركة الوعي، هنأ الجيش في أحدى تعليقاته الأمير البريطاني هاري بمولوده الجديد في 2019 وذلك على صفحته الشخصية بموقع فيسبوك، مع ربط التعليقات بما يتعرض له الأطفال الفلسطينيون بسبب الانتهاكات الإسرائيلية.
وكان من بين التعليقات “مبارك أمير هاري، نتمنى أن ينعم المولود بالصحة والنجاح، وألا يُقتل بصاروخ كما تفعل إسرائيل بأطفال غزة”، والغاية بحسب شعث “هو لفت أنظاره لحجم الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال الفلسطينيون على يد الجيش الإسرائيلي.
وتابع “نريد أن يرى العالم أن هناك طرفا فلسطينيا هو وحده الضحية، نريد استقطاب شعوب الأرض لنخبرهم من هو صاحب الحق ومن هو الجلاد”.
واستطاع الفلسطينيون استخدام 25 لغة رسمية عالمية للرد على المحتوى ونقل الرواية الفلسطينية، وذلك بفضل جهود متطوعين من خارج فلسطين من أصول فلسطينية انضموا للحملة لنصرة الرواية الفلسطينية في عمليات “الهبد الإلكتروني” لكشف الحقيقة، إذ يترجمون المحتوى الذي يتبع بعض الصفحات الإعلامية وبعض النشطاء الذين يدعمون إسرائيل، إلى جانب مساندة النشطاء الفلسطينيين من خلال ترجمة محتواهم بلغة صاحب الحساب.
ما يميز الجيش الإلكتروني هو التزامه بانتهاج الإقناع المُهذب لمخاطبة كل المؤيدين لإسرائيل ومحاولة جذبهم لدعم الحق الفلسطيني
أبرز ما يميز جهد الجيش الإلكتروني ليس فقط ما يقوم به لإحياء الحالة الوطنية وإبراز الهوية الفلسطينية، بل التزامه بانتهاج الإقناع المُهذب لمخاطبة كل المؤيدين لإسرائيل ومحاولة جذبهم لدعم الحق الفلسطيني، كما يمثل حالة فلسطينية فريدة كونه لا يتلقى دعماً سياسياً من أية جهة كانت، ما يعني أن القائمين عليه سيظلون على الدوام أصحاب القرار الأول في اختيار شكل الكيان الضاغط للمواجهة مع إسرائيل.
الهبداتُ المتكررة التي نفذها النشطاء الفلسطينيون تستهدف اختراق العالم لإظهار حقيقة ما جرى منذ عام 1948 وهو عام النكبة التي حلت بالفلسطينيين، وليصبح للدبلوماسية الرقمية موطئ قدم في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء، فكل عمل لا يسير مع الإعلام العصري بحذاء واحدِ يبقى أعرجاً يتعكز على أعمى.