ربيع 1973 المحطة الثانية من الإذاعة الجزائرية تستعيد لبث برنامجها المعتاد، ككل سبت، في تقديم المغنين الشبان باللغة الأمازيغية. الضيفة يومها كانت المغنية نوارة، بمرافقة عازف على القيثارة، بشعر طويل يلبس نظارة طبية. في آخر لحظة تعتذر نوارة عن المجيء، نظراً إلى الطارئ، والبرنامج سيبث على المباشر. يستحيل أن يلغى أو يؤجل. لم يجد المخرج ومعاونوه من حل سوى أن اقترحوا على العازف الشاب تأدية الأغنية نيابة عن الغائبة، فتردد، فهو أصيل عائلة محافظة، ليس من عاداتها أن يطلق فيها الرجال حناجرهم بالغناء. رفض المقترح في البداية، وبعد إلحاح رضي على مضض، مع شرط: أن لا يذيعوا اسمه الحقيقي، ألاّ تعلم عائلته بأنه يغني. وافقوا على طلبه وابتكروا له ذلك المساء اسماً مستعاراً.
أدى الأغنية ولاقت إعجاباً، بل إن الناس ظلوا يطلبون إعادتها وتهاطلت مكالماتهم على الإذاعة.. ذلك الشاب العازف كان اسمه الحميد شريط، لم يتجاوز سن الثامنة والعشرين، وكنيته صارت منذ ذلك الحين: إيدير. إيدير (1954-2020) سوف يقضي نصف قرن في الغناء، يملأ الأسماع ويطوف البقاع، حاملاً قيثارته وقضيته الأمازيغية، ويروي سيرته فريد عليلات، في كتابه الأخير: «إيدير… القبائلي الكوني» (باريس ـ 2022) منذ ولادته إلى أن ووري التراب، مروراً بحياته العائلية والفنية، تقلباته العاطفية وانخراطه في الراهن سياسياً واجتماعياً. سيرة يتقاطع فيها التاريخ العام مع التاريخ الشخصي، منذ حرب التحرير إلى سنوات الاشتراكية، من انتفاضة الأمازيغ عام 1980 إلى غضبهم الكبير عام 2001، من سنوات الإرهاب إلى عودة إيدير إلى مسقط رأسه.
من هجرة إلى أخرى
ليس سهلاً أن تولد في قرية آيث لحس، على سفوح جبال جرجرة، غداة الحرب العالمية الثانية. حيث غالبية الناس لا شغل لهم سوى خدمة الأرض الصعبة، أو الانصراف إلى التجارة، بينما النساء يمكثن في البيت. لكن الحميد شريط أو إيدير جعل من هذه البيئة سبباً في تكوينه الفني، قضى طفولة إلى جانب النساء، مع أمه وقريباته، يستمع إليهن يغنين في الخفاء أو يتداولن حكايات شعبية. أسس موسوعته المعرفية الأولى من الإصغاء إلى النسوة وهو يمارس هوايته في الموسيقى في العتمة، مستمعاً أيضاً إلى صوت سليمان عازم، أحد رموز الأغنية في منطقة القبائل. لكن قبل أن يتم الرابعة عشرة من عمره، كانت حرب التحرير قد اشتدت وقائعها، ما اضطره وعائلته إلى النزوح إلى الجزائر العاصمة، تلك الهجرة ستكون فاتحة هجرات أخرى، لم يكن يعلم أنه سيقضي عمراً في الترحال، بين ضفتي المتوسط، ثم في بقاع أخرى بعيدة، دون أن يفارقه الحنين إلى قرية آيث لحسن، مدرسته الأولى، هناك حيث صنع بيديه أول ناي وأول قيثارة بأدوات تقليدية، تلك القرية التي لن يتخلص من صورتها في مخيلته، رغم بلوغه النجومية. في الجزائر العاصمة سوف يكتشف عالماً جديداً، تنفتح أمامه خيارات جديدة، سوف يعمق صلته بالموسيقى، ويتاح له معرفة العاملين في الإذاعة، حيث كانت تسجل الأغاني، ينال أول قيثارة حقيقية في حياته، لكن والده لن يرأف بحاله، يصر عليه أن ينجح في الثانوية وأن يلتحق بالجامعة، فقرر ترك الغناء إلى حين.
إيدير هو أكثر مغن نال مرتبة علمية متقدمة من بين مجايليه، تخرج في الجامعة بليسانس في الجيولوجيا، وبدل أن يقضي حياته في التنقيب عن آبار الغاز في صحراء البلاد، فضّل التنقيب عن النجاحات الفنية، متكئاً على مباركة أهله لمسعاه منذ أن علموا بأنه هو من غنى في الإذاعة ذلك المساء من عام 1973.
جيولوجيا الفن
إيدير هو أكثر مغن نال مرتبة علمية متقدمة من بين مجايليه، تخرج في الجامعة بليسانس في الجيولوجيا، وبدل أن يقضي حياته في التنقيب عن آبار الغاز في صحراء البلاد، فضّل التنقيب عن النجاحات الفنية، متكئاً على مباركة أهله لمسعاه منذ أن علموا بأنه هو من غنى في الإذاعة ذلك المساء من عام 1973. بمجرد أن طوى الدبلوم في جيبه، شرع في التفكير في إصدار أول ألبوم له، الذي سيتضمن أغنيته الأشهر: «أفافا ينوفا» والشيء اللافت في مشروع ذلك الألبوم، أن المنتج وصاحب الأستديو عبد القادر خليل، كان لا يفقه شيئاً من لغة إيدير الأمازيغية ولا يفهم كلماته، مع ذلك فقد وثق فيه، أصدر أول ألبوم له، بل سهّل له الأسباب في الانتقال إلى باريس، هناك سوف يشرع المغني في هجرة أخرى وفي مغامرته الأكبر، سيسجل أعمالاً أخرى له في استديوهات مرموقة، ويخوض جولات فنية، بل تصير أغانيه خبز الإذاعات الفرنسية كل صباح، تتهافت على بث صوته، الذي التف حوله الفرنسيون أيضاً، وليس فقط أبناء الجالية. صار إيدير نجما جزائرياً في باريس، وليس فقط أمازيغياً قبائليا، كان صوته يتردد في الأرجاء، بينما السلطات العمومية في الجزائر تمنع كل أشكال التعبير باللغة الأمازيغية في البلاد.
رغم نجاحاته الأولى، إلا أن ذلك لم يمنع أن يعرف حقبة من التراجع في الثمانينيات، فألبوماته الموالية لم تحقق المطلوب، فصار منتجاً واكتشف مغنيا سيصير نجماً هو أيضا اسمه: لوناس معطوب. افتتح مطعماً يسترزق منه، وعاش حياة عاطفية صاخبة بين أكثر من امرأة، وهو يفكر في طرائق استعادة ثقة الجمهور به، ولم يتحقق له ذلك سوى عام 1999، بعدما انتقل إلى العمل مع شركة (سوني ميوزيك) وأصدر ألبوم «هويات» فعاد إلى الواجهة مرة أخرى، واستمر على ذلك النهج إلى آخر حياته. وفي شتاء 2018 عاد المغني ذاته إلى القاعة البيضاوية في الجزائر العاصمة، بعد قطيعة أربعين سنة، غنى مرة أخرى في بلده، وسافر منه غاضباً حزيناً، بعدما تنكر له المنظمون، ولم يدفعوا له ما وعدوه، كما يخبرنا صاحب الكتاب.
هل يمكن أن نختصر سيرة فنان مثل إيدير في كتاب؟ لقد حاول المؤلف أن يفعل ذلك، مستفيداً من شهادات من عرفوا الراحل عن قرب، من عائلته أو زملائه في المهنة، حكى عن إيدير في الغناء وعن حياته اليومية، عن روحه الوطنية وهو ينظم حفلات في جمع تبرعات لضحايا الإرهاب أو لعائلات من جرفتهم الكوارث الطبيعية في الجزائر، لكن ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب هو ضعف المراجع، حين يتحدث المؤلف عن قضايا تتعلق بالتاريخ العام، مثلاً يقدم رقما عمن ماتوا في حرب التحرير دون الإشارة إلى مصدره، ثم رقماً عن ضحايا فيضانات باب الوادي دون مصدر، وهلم جرا، حيث غلبت الذاتية في تحليله للوقائع التاريخية، كما أنه حصر إيدير بين الجزائر وفرنسا، لم يوسع أبحاثه عن الفنان في جولاته في دول شمال افريقيا أو في سائر أوروبا، مع ذلك يظل كتاب «إيدير… القبائلي الكوني» رغم ما شابه من إسراف سياسي وغياب التحليل الفني، مرجعاً مهماً في استعادة سيرة واحد من أهم فناني الجزائر في القرن العشرين، وفي فهم محطات من تاريخ الأمازيغ.
روائي جزائري