إيران الداخل ساكنة وهادئة إلى حين والعين على «فرصة اتفاق» مع بايدن لإبعاد ترامب

رلى موفّق
حجم الخط
0

ما عاد النظام قادراً على المقارعة بأنه يمتلك أغلبية أصوات الإيرانيين، وأنه يستمد شرعيته من تحشّد تلك الغالبية حوله. هو يُدرك أن تحديات داخلية عدة يواجهها.

حتى غُلاة المنظّرين لنظام ولاية الفقيه يؤكدون أن مداميك النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد شهدت تحدياً جدياً بفعل الحركة الاحتجاجية التي امتدت لأشهر طويلة وحملت شعار «امرأة، حياة، حرية» على خلفية مقتل الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في السادس عشر من أيلول/سبتمبر 2022 خلال اعتقالها من قبل شرطة الأخلاق بتهمة سوء ارتداء الحجاب الذي تفرضه إيران على النساء.
فمنذ أن تجاوز النظام قطوع الاحتجاجات، أخذ يتعامل على قاعدة الاستيعاب وعدم التشدّد في السياسات الداخلية واعتماد بعضاً من ليونة الإجراءات لجهة تقيّد الناس بالضوابط الشرعية التي هي جزء رئيسي من مرتكزات العقيدة الدينية للنظام، بحسب أحد المتابعين لأداء النظام. ويُشكّل هذا «الاسترخاء الاستيعابي الداخلي» شكلاً من أشكال سياسة الانحناء مع العاصفة إلى حين مرورها. فهتافات «امرأة، حياة، حرية» في التظاهرات التي كانت النساء عمودها الفقري ثم توسَّعت لتشمل مختلف أطياف المجتمع، ترافقت مع هتافات «الموت للديكتاتور» و«الموت لخامنئي» و«لا نريد لا نريد… الجمهورية الإسلامية».
لم يتعلق الأمر بمطالب اقتصادية أو معيشية، بل برغبة في تغيير جوهر النظام، ومن هنا كان الخطر محدقاً باهتزازات من الداخل. بالطبع، فتحت السلطة أبواب السجون، وشنّت حملات اعتقال، وأقامت محاكم صورية، وعلّقت المشانق، ونفّذت أحكام إعدام بشباب وشابات في عمر الورود. نَظَر أركان النظام إلى الأمر على أنه مؤامرة مدعومة من الخارج، لكن الخارج – ولا سيما الغرب – لم يكن آبهاً لمد يد الدعم للشارع الإيراني، بل كان يعمل على البحث عن سبل احتواء النظام، سواء لوقف دعم روسيا بالمسيّرات في حربها على أوكرانيا، أو للجم مسعاها في رفع نسب تخصيب اليورانيوم بعد تَعثّر العودة إلى الاتفاق النووي.
لا تنقطع القنوات الخلفية بين إيران والغرب وحتى جيرانها، فكيف حين تشتد الضغوط. كانت جولات من الاتصالات والمفاوضات مع الأمريكيين بأجندات عدة تجري في سلطنة عُمان وقطر وفي دول أخرى، وكذلك كانت حوارات تدور مع الإيرانيين والسعوديين في العراق والسلطنة بعيداً عن الأضواء. استفاق العالم في العاشر من آذار/مارس 2023 على إعلان مشترك سعودي – إيراني من بكين بعودة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة بينهما منذ عام 2016 والاتفاق على تطوير علاقات حسن الجوار بين البلدين، وتأكيدهما – استجابة لمبادرة الرئيس الصيني – على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية؛ وقيل يومها إنّ هذا الاتفاق شقّ طريقه في لحظة اشتداد العزلة على طهران واتّساع التحركات الداخلية التي لها امتدادات قومية أو عرقية أو دينية أو مذهبية مع الجوار.
وبعدها بأشهر، تسرّبت في العاشر من آب/أغسطس 2023 أنباء عن مفاوضات إيرانية – أمريكية كانت تسير بعيداً عن الأضواء في سلطنة عُمان وقطر، أفضت إلى صفقة لإطلاق إيران سراح 5 أمريكيين وإلغاء واشنطن تجميد أموال لطهران، ومنها نحو 6 مليارات دولار من عائدات النفط الإيراني، فضلاً عن إطلاق سراح مسجونين لديها بتهم خرق العقوبات. وكان العمل جارٍ بقوة ومعوَّل عليه لتحويل نجاح الاتفاقات المجزأة حول الأمن والمعتقلين والأموال إلى مسار يتبلور في السياسة، ولا سيما أن الإدارة الأمريكية على مشارف الدخول في سنة انتخابية، إلا أن حدث 7 تشرين/أكتوبر 2023 خلط الأوراق ووضع الأمريكيين والإيرانيين أمام لحظة لم يكونوا متوقعين لها، وربما أطاحت بفرص اتفاقات كانت لتكون تاريخية للجانبين!
على وقع التحديات في الخارج، كان النظام يُريد من الانتخابات البرلمانية ومجلس الخبراء في الداخل أن يوجّه رسالة إلى العالم مفادها أن الشعب الإيراني يقف إلى جانب قيادته في خياراته، وعملت السلطات الإيرانية على حث الإيرانيين وتشجيعهم للتوجّه إلى صناديق الاقتراع لتجنّب نسبة تصويت هزيلة من شأنها أن تعكس حجم عدم الرضى في الشارع الإيراني غير المقتنع بتأثير صوته، والمنكفئ عن المشاركة في العملية الديموقراطية بفعل عزوف الكثير من الأسماء الإصلاحية عن الترشّح واستبعاد الكثير من الرموز الإصلاحية عن السباق من قبل آلية الإشراف على الانتخاب والمصادقة على أهلية المرشحين بحجة عدم أهليتهم.

الحفاظ على نسبة التصويت

كان التحدي عند الحكومة هو الحفاظ على نسبة التصويت ذاتها في انتخابات 2020 التي سجّلت 42.57 في المئة، واعتُبرت يومها نسبة ضعيفة إنما عُزيت أسبابها إلى مقاطعة الإصلاحيين للانتخابات. قبل الموعد المنتظر في الأول من مارس/آذار 2024، أطل المرشد علي خامنئي في لقاء شبابي ليحذر من أنه «إذا كانت الانتخابات ضعيفة فلن يستفيد أحد وسيتضرر الجميع، وإذا استطعنا أن نُظهر للعالم أن الأمة حاضرة في المشاهد المهمة والحاسمة للبلاد، فقد أنقذنا البلاد ومضينا قدماً».
كان «التحدي» ألاَّ تنخفض النسبة عن 43 في المئة، فجاءت بين 39 – 41 في المئة. أمر يستطيع أن يبلعه النظام – يقول منظروه – في ظل ما واجهه من ضغوطات وطبيعة الأولويات خلال السنوات الماضية في الداخل والخارج في آن. فليس هناك من حالات نافرة لا يمكنه التعامل معها.
ما عاد النظام قادراً على المقارعة بأنه يمتلك أغلبية أصوات الإيرانيين، وأنه يستمد شرعيته من تحشّد تلك الغالبية حوله. هو يُدرك أن تحديات داخلية عدة يواجهها سواء على المستويات الاقتصادية أو المعيشية أو الرؤى المستقبلية حول مزيد من الحريات الفردية والشخصية والمجتمعية أو مطالبات الشعوب غير الفارسية، لكنه يرى أنه لا يزال متماسكاً، ولا سيما بعدما حرص في الانتخابات البرلمانية ومجلس قيادة الخبراء والانتخابات الرئاسية وغيرها من الاستحقاقات على ترتيب «البيت الداخلي» بمزيد من التشدّد في إحكام قبضته على كل المؤسسات ومفاصل الحياة على قاعدة التماهي شبة المطلق بين المرشد، ورأس الجمهورية، والحرس الثوري.
السؤال هو: أين إيران اليوم من تحديات الداخل والخارج؟ في تطورات الداخل، الوضع ساكن وهادئ، ويمكن القول إن الأمور فيه متروكة من دون ضغوط وإرباكات غير محسوبة. أما في الخارج، فالامتحانات تتوالى ولا سيما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر في العلاقة ما بين إيران وأمريكا. يقول أحد منظري المحور المطلعين على دقائق التفاصيل إن حجم الامتحانات التي مرّت فيها العلاقة هذه السنة كان الأكبر على مستوى العلاقة بين الطرفين منذ نشوء الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأن المحطات المحفّزة للانفجار أو التي حملت دوافع للانفجار كانت مهولة، لكن لم يحدث الانفجار وانتصر الهدوء في العلاقة بين الأمريكيين والإيرانيين على الانفجار. ولعل السبب الأبرز هو إيمان الطرفين بأن هناك تقاطعات ومصالح مشتركة رغم كل أجواء التوتر وسياسة «ربط النزاع» التي لا تزال قائمة.
اللافت أنه في خضم كل التحوّلات التي تشهدها المنطقة من 7 تشرين الأول/أكتوبر إلى اليوم، فإن ثمة كلاماً قوياً لدى «جماعة المحور» عن القنوات الخلفية الأمريكية – الإيرانية المفتوحة لبحث ملفات عدة، تبدأ من نفوذ إيران من البحر الأحمر إلى العراق وسوريا وجنوب لبنان، ومدى تأثير الحرس الثوري على أذرعه الخارجية، وتمر بالعقوبات المفروضة عليها ولا تنتهي بالاتفاق النووي الإيراني وسط آمال مرتفعة بإمكان التوصل إلى اتفاق بين طهران وإدارة بايدن في سنة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، واللذين لديهما قاسم مشترك هو إبعاد المرشح الجمهوري دونالد ترامب عن البيت الأبيض. فمصلحة الديمقراطيين، الذين يُظهرون ضعفاً انتخابياً، هي التوصّل إلى اتفاق مع إيران يمكن لبايدن أن يقدّمه إنجازاً كبيراً للأمريكيين ويُحسِّن من موقعه. كما أن ترامب في نهاية الأمر هو العدو اللدود لنظام ولي الفقيه، وقاتل قاسم سليماني. كلام الكواليس الدائر هو أن الجسر لمثل هذا الإنجاز ما زالت فرصته قائمة ولكنها مرتبطة بما سيجري في غزة من نهائيات.
هو حبل السرّة الذي لا ينقطع بين إيران وأمريكا ولن ينقطع!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية