في الخامس من أيار/مايو، أعلن مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون عن إرسال حاملة الطائرات ابراهام لينكولن ومعها أربع قاذفات استراتيجية من نوع B52s إلى منطقة الشرق الأوسط بهدف ايصال رسالة واضحة وصريحة للنظام الإيراني من مغبة القيام بأي اعتداء ضد القوات الأمريكية، لان ذلك سيستتبع ردا مدمرا.
اللافت في كلام بولتون حينها ما جاء في خاتمة موقفه بالقول إن أمريكا لا تسعى إلى حرب مع طهران، لكنها على استعداد للرد على أي اعتداء.
الرد الإيراني لم يتأخر كثيرا، وقد جاء بالتزامن مع الإعلان عن عبور الحاملة لينكولن قناة السويس، ومن دون ان تكون في الموقع المباشر عن تحمل أي مسؤولية، فشهدت مياه بحر العرب وقبالة ميناء الفجيرة الإماراتي لتصدير النفط عملية تفجير تحت الماء طالت أربع ناقلات عملاقة حسب البيان الرسمي لأبو ظبي، وأكثر من سبع ناقلات حسب تأكيد طهران.
وبعد أقل من ثماني وأربعين ساعة، كانت منشآت شركة أرامكو السعودية في منطقة ينبع عرضة لهجوم سبع طائرات مسيرة مستهدفة خط نقل النفط (شرق-غرب) الاستراتيجي الذي يربط حقول النفط في شرق السعودية بالسواحل الغربية على البحر الأحمر التي تعلب الدور نفسه الذي يلعبه خط الأنابيب الإماراتي بين أبو ظبي والفجيرة، أي الالتفاف على مضيق هرمز والتخلص من التهديدات الإيرانية المستمرة بإقفاله في حال نشوب أي معركة في مياه الخليج.
الرسالة، إذا ما كانت إيرانية، وقد تكون كذلك، وصلت إلى دوائر القرار في البيت الأبيض وحتى إلى الدول الحليفة لواشنطن في المنطقة، بعدم قدرة طهران على التزام الصمت وعدم التحرك دفاعا عن مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية، وان أي اعتداء أو معركة ضدها لن يكون مقتصرا في الرد على الجانب الأمريكي، بل أنها تعتبر كل الدول في المنطقة التي تدفع بالتصعيد ضدها إلى حدوده القصوى، لن تكون بمأمن أو بعيدة عن الرد الإيراني، حتى وان كانت كلفة هذه المعركة قاسية ومدمرة عليها، إذا ما قورنت قوتها الردعية مع قوة واشنطن التدميرية.
وفي موازاة الحراك الدبلوماسي الإيراني الذي يقوده وزير الخارجية محمد جواد ظريف على العواصم المعنية بالنتائج السلبية لأي تصعيد وتصادم عسكري، فإن القيادة الإيرانية في الداخل عمدت إلى اتخاذ إجراءات عسكرية توحي بانها في دخولها حالة من الاستنفار العسكري لمواجهة أي اعتداء محتمل.
الإجراء الذي أعلن عنه مرشد النظام بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الإيرانية بكل صنوفها (جيش وحرس ثورة وتعبئة – بسيج) بتعيين العميد علي فدوي نائبا لقائد قوات حرس الثورة، من دون توضيح مسألة مصير قيادته للقوات البحرية التابعة لهذه القوات، إضافة إلى تعيين العميد في التعبئة محمد رضا نقدي مسؤولا عن دائرة التنسيق في حرس الثورة وهي المهمة التي سبق أن شغلها الجنرال حسين سلامي قبل تعيينه قائدا للحرس. قد يكون هذا الإجراء عاديا في أوضاع طبيعية، إلا أن حركة المناقلات التي تشهدها قيادات هذه القوات وفي هذه المرحلة تدفع إلى الاعتقاد بأن القوات المسلحة الإيرانية بدأت في اتخاذ تدابير حربية استعدادا لأي حرب ممكنة أو محتملة.
فالعميد فدوي هو صاحب المقولة التي تؤكد قدرة القوات البحرية لحرس الثورة على تدمير الأهداف الأمريكية والبوارج والحاملات التي تجوب مياه الخليج وبحر العرب – عمان، وقيادته في هذه القوات هي التي تتولى مهمة أمن وإدارة العبور في مضيق هرمز، وبالتالي فانه يشرف مباشرة على دخول القطاعات البحرية الأمريكية وخروجها من الخليج. وهو أيضا يتحمل مسؤولية اعتقال البحارة الأمريكيين قبل أربع سنوات بعد دخول قواربهم المياه الإقليمية الإيرانية وقلده حينها خامنئي وسام “الفتح” على الانجاز الذي قام به.
فدوي وفي اليوم الأول من توليه منصبه كنائب لقائد الحرس، عاد إلى التأكيد أن صواريخ إيران متوسطة المدى قادرة على دك وتدمير كل القواعد الأمريكية ومنشآت الدولة المتحالفة معها في المنطقة في حال تعرضت إيران للاعتداء. وهذا الكلام يحمل رسالة أيضا للجانب الأمريكي الذي يدفع باتجاه إجبار إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات لبحث برنامجها الصاروخي الباليستي، بان قوة الردع الإيرانية لا تقتصر فقط على الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، بل تشمل أيضا المتوسطة والقصيرة المدى، وأنها غير مستعدة للتفاوض على هذا الأمر والتخلي عما تعتبره درعها الدفاعي الأول في مواجهة أي استهداف لها.
أما العميد نقدي، فان مهمته ذات بعدين، على الصعيد الداخلي، وذلك بناء على الخبرة التي اكستبها في قمع الاحتجاجات التي شهدتها إيران عام 2009 والحركة الاعتراضية على نتائج الانتخابات الرئاسية وعودة أحمدي نجاد على حساب مير حسين موسوي، أو ما عرف بالحركة الخضراء، وقد برهن من خلال قيادته لقوات البسيج على قوة قاسية في قمع المتظاهرين وساعد في فرض الأمن وملاحقة المحتجين والزج بهم في السجون وحتى تصفية بعضهم. وتعيينه في هذه المرحلة يحمل على الاعتقاد بأن النظام يتوقع موجة من الاعتراضات والتظاهرات في الداخل قد يقوم بها المعارضون عند اندلاع أي حرب مع واشنطن، وبالتالي لا بد من اتخاذ إجراءات احترازية لمواجهة عملية اسقاط النظام من الداخل، انطلاقا من اعتقاد النظام بقدرته على استيعاب أي اعتداء حتى ولو كان تدميريا إذا ما استطاع الامساك بالساحة الداخلية.
أما المهمة الثانية التي من المفترض ان يقوم بها نقدي، فهي تتعلق بالحرب الأمريكية، وضرورة رفع مستوى التنسيق بين قيادة الحرس مع قوات التعبئة – البسيج، استكمالا لمهمة سلامي الذي كان يشغل هذا المنصب إلى جانب توليه نائب قائد الحرس قبل ترقيته مع بداية التصعيد مع واشنطن.
القيادة الإيرانية، إلى جانب الاستعدادات والإجراءات التي تقوم بها على المستوى الداخلي، فانها لا شك قد وضعت خططا على المستوى الإقليمي بهدف توسيع دائرة الرد العسكري في حال قامت الولايات المتحدة باعتماد خيار الحرب، وعليه فإن من الطبيعي لدى هذه القيادة ان تعمد إلى توظيف الاستثمارات التي تملكها في المنطقة، خصوصا على الصعيد العسكري من خلال القوى والأحزاب والتنظيمات التي تشكل أذرعها الأمنية والعسكرية. إذ من المحتمل أن تدفع باتجاه تأجيج المواجهة على الجبهة اليمنية مع السعودية، من خلال الزج بقوات النخبة لأنصار الله – الحوثيين التي تم تدريبها للقيام بالمهمات الأصعب والاستراتيجية وهي قوات ذات تدريب متقدم ولم يتم استخدامها حتى الآن الا بشكل محدود في المعارك، وتتوقع طهران أن تلعب هذه القوات دورا رئيسيا في تغيير المعادلة الميدانية وإلحاق أذى كبير بالقوات السعودية.
إلى جانب ذلك فان طهران، تعتقد بأن القوات الأمريكية المنتشرة في بعض القواعد على الأراضي العراقية، هي بمثابة رهائن لديها ولدى حلفائها من الفصائل العراقية في حال اندلاع أي حرب مفتوحة، لذلك فمن المتوقع ان تقوم باستهداف هذه القوات وإلحاق الخسائر بها بحيث تربك المشهد الداخلي أمام الرئيس الأمريكي.
أما الجبهة الأكثر حساسية للجانب الأمريكي فهي الإسرائيلية، وقد سبق لقيادات في حرس الثورة خصوصا القائد الجديد حسين سلامي أن حدد مدة زمنية لا تتعدى الدقائق السبع والنصف لتدمير إسرائيل جراء موجة تتعدى الأحد عشر ألف صاروخ ستنطلق في حال تعرضت طهران لأي اعتداء، وهي صواريخ لا يمكن ان تنطلق جميعها من الأراضي الإيرانية باتجاه إسرائيل التي يرغب المرشد الأعلى بمحوها عن الوجود، لذلك فمن المتوقع في حال الحرب ان تعود الجبهة اللبنانية من خلال حزب الله الحليف والذراع الأساسي لطهران إلى الاشتعال وان تساهم هذه الجبهة في المجهود الصاروخي لايصال العدد في اللحظات الأولى إلى الرقم المطلوب. والجديد على هذه الجبهة أن الرد الإيراني لن يكون مقتصرا على الجبهة الجنوبية في لبنان، بل ستضاف إليها الجبهة الجنوبية في سوريا التي تحولت إلى ساحة نفوذ لقوات حرس الثورة وحزب الله والتي تنتشر فيها الكثير من قواعد الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى ذات قدرات تدميرية عالية.
قد يكون خيار الحرب هو الذي لا ترغب به طهران ولا تريده، وهي تنتظر إشارات أمريكية ودولية جدية لامكانية فتح قنوات حوار جدية لا تحمل لها شروطا اقل ما يقال فيها انها قاسية بناء على ما سبق أن أعلنه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، ما قد يمهد الطريق إلى مرحلة من التنازلات المتبادلة من أجل الوصول إلى تسوية تضمن مصالح الطرفين في واشنطن وطهران. من هنا يمكن فهم الإشارات التي صدرت عن الوزير محمد جواد ظريف للمساعدة في الحفاظ على الاتفاق النووي، الذي كما يبدو انه اختار توجيه رسائل حوارية من عواصم – طوكيو- لم تكن شريكة في صياغة الاتفاق النووي، معرضا هذه المرة عن العواصم الأوروبية بعد ان وجه لها رسالة واضحة في هذا الإطار من خلال تخفيض سقف التزامات بلاده بالاتفاق.