دمشق – «القدس العربي» – ووكالات : استأنفت المقاتلات الروسية وطائرات النظام السوري العمودية تنفيذ الغارات الجوية وإلقاء البراميل المتفجرة على مدن وبلدات إدلب شمالي البلاد، في هجمات مكثفة جاءت بعد ساعات، من تصريحات رسمية من أنقرة، طالب خلالها وزير الخارجية التركي «مولود تشاووش أوغلو» موسكو بضرورة ضبط تصرفات بشار الأسد في المنطقة، وايقاف هجماته عليها، في حين يبدو أن الشمال السوري قد يشهد جولة حرب برية جديدة، مع دخول إيران وحزب الله اللبناني إلى أراضيها، ودفعهم بتعزيزات عسكرية إلى خطوط التماس المشتعلة.
وحسب الاناضول قتل 4 مدنيين بينهم طفلان وجرح 10 آخرون في قصف جوي لروسيا والنظام السوري على الأحياء السكنية في منطقة خفض التصعيد شمالي سوريا. وأفادت مصادر محلية للأناضول، أن طائرات النظام وروسيا استهدف بقصف عنيف مدينتي خان شيخون وكفرنبل، وبلدة كنصفرة، وقرى حاس ومعرتحرمة وحزارين وعابدين، في ريف إدلب الجنوبي.
وأفادت مصادر في الدفاع المدني ( الخوذ البيضاء)، أن طفلا قتل في القصف على بلدة كنصفرة، وقتل طفل آخر في القصف على قرية حاس، فيما قتل مدنيان في القصف على خان شيخون، في حين جرح 10 آخرون على الأقل في القصف على المناطق المذكورة.
وأفاد مصدر تعقب الطيران التابع للمعارضة في حساباته عل مواقع التواصل الاجتماعي، أن الطائرات التي قصفت بلدة كنصفرة هي طائرات روسية وأقلعت من قاعدة حميميم الجوية في ريف اللاذقية (غرب).
غارات روسية – سورية تستهدف ثلاثة مستشفيات وتقتل 4 مدنيين
كما تعرضت ثلاثة مستشفيات في شمال غربي سوريا أمس الخميس لغارات شنتها قوات النظام، رغم أنها باتت خارج الخدمة جراء ضربات سابقة، بينما تسبّب القصف على مناطق عدة بمقتل خمسة مدنيين على الأقل وفق ما أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان.
استهداف مستشفيات
وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن لوكالة فرانس برس «عاودت طائرات النظام الحربية استهداف ثلاثة مستشفيات في ريف إدلب الجنوبي» تعرضت لقصف خلال الأسابيع الماضية.
وأفاد عن «استهداف مشفى في بلدة حاس بشكل مباشر، بينما طاولت الضربات منازل سكنية في محيط مشفيين آخرين في مدينة كفرنبل»من دون أن تسفر عن سقوط قتلى كون هذه المستشفيات «خارجة من الخدمة جراء قصف جوي سابق».
وقال المسؤول في منظمة اغاثية محلية عبيدة دندوش إن القصف على كفرنبل أدى إلى تدمير جزء من مشفى كفرنبل الجراحي، الذي سبق أن تعرض لغارة روسية أدت إلى تدمير الجزء الأكبر منه.
وألحق القصف والغارات منذ نهاية نيسان/أبريل، وفق الأمم المتحدة، أضراراً بـ25 مرفقا طبيا على الأقل و45 مدرسة في ريفي إدلب الجنوبي وحماة الشمالي. وقتل منذ نهاية نيسان/أبريل أكثر من 500 مدني جراء الغارات والقصف السوري والروسي، بالإضافة إلى 857 من الفصائل الجهادية والمقاتلة و722 من قوات النظام والمسلحين الموالين لها.
سياسياً
تزامن ذلك مع وصول المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن إلى العاصمة الروسية موسكو أمس في زيارة التقى خلالها وزير الخارجية سيرغي لافروف، لحل عقدة ملف الإعلان الدستوري.
ووفق سيرغي فيرشينين، نائب وزير الخارجية الروسي، فإن بيدرسن سيلتقي لافروف ومسؤولين آخرين، لمناقشة ملف تشكيل اللجنة الدستورية السورية التي باتت على وشك الانتهاء، وتستعد موسكو لأن تبدأ هذه اللجنة عملها بأسرع ما يمكن، وتحرص على تنسيق التفاصيل القليلة الباقية مع بيدرسن. ومن المقرر وفق مصادر دبلوماسية أن يزور بيدرسن العاصمة دمشق الشهر الجاري لبحث الملف نفسه مع النظام السوري.
«تعاون دموي»
الشراكة بين موسكو والنظام السوري، في قصف منطقة إدلب والضواحي القريبة منها، حسب وصف ناشطين لـ»القدس العربي» أسفرت عن «إمطار المنطقة بمئات الصواريخ الارتجاجية والعنقودية، وتهدميها بآلاف البراميل المتفجرة، التي سقطت على معظم مناطق «جبل الزاوية» وصولاً إلى مدينة «كفرنبل» وبلدة «حاس»، بريف المحافظة الجنوبي وأدت لسقوط مئات الضحايا المدنيين. في حين أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى توثيقه أكثر من 50 غارة جوية خلال الساعة الماضية، أدت إلى وقوع ضحايا من المدنيين، بينهم طفل، والعديد من الإصابات.
وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، قال، الخميس: ينبغي على روسيا أن تضبط النظام السوري بخصوص الهجمات التي يشنها على إدلب. وأوضح تشاووش أوغلو، في مقابلة مع القناة الإخبارية في التلفزيون الحكومي «تي آر تي»: تركيا بحثت المسألة والعملية السياسية مع روسيا في قمة العشرين، ولفت إلى أن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بحث مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين اتفاق إدلب والثقة بين البلدين.
وتابع: «بطبيعة الحال، تقع المسؤولية هنا على عاتق روسيا. ينبغي عليها أن تضبط النظام، ويجب وقف هذه الهجمات»، وبين أن تركيا قدمت معلومات لروسيا عن المواقع التي تعرضت لقصف النظام ومنها مستشفيات ومدارس ومدنيين، وأوضح أن لدى روسيا مخاوف أمنية بخصوص قواعدها في المنطقة لوجود مجموعات راديكالية فيها، مردفاً: تركيا تبحث كافة القضايا مع روسيا وإيران وبقية الفاعلين «لأن الملف السوري، أي إدلب، قضية خطيرة».
حشود لميليشيات إيران
وعادت إيران إلى الواجهة العسكرية مجدداً، بعد معلومات موثقة، حصلت عليها «القدس العربي»، من الجيش السوري «الحر»، عن حشود إيرانية وأخرى تتبع لحزب الله اللبناني بالقرب من مناطق التماس المباشرة في آخر مناطق خفض التصعيد في سوريا.
القائد الميداني في الجبهة الوطنية للتحرير حسام سلامة، أكد وجود حشود عسكرية لحزب الله اللبناني بالقرب من خطوط المواجهة في ريف حماة الشمالي، متوقعاً قيامهم بتحرك عسكري قريب في المناطق التي شهدت تصعيداً عسكرياً خلال الأسابيع المنصرمة.
واستطرد قائلاً: حتى اليوم لم تتضح طبيعة هذه الحشود، والأهداف التي تخطط لها طهران من ورائها، بدون أن يستبعد، وجود رغبة إيرانية لاثبات الوجود في الساحة العسكرية بعد فشل نظرائها من ميليشيات روسيا أو قوات النظام السوري وعجزهم عن تحقيق أهدافهم في المنطقة رغم عشرات المحاولات التي انتهت جميعها بتكبدهم خسائر عسكرية فادحة في العدة والعتاد.
وأضاف لـ «القدس العربي»: نحن نتوقع قيامهم بتحرك عسكري قريب، وفي هذا الإطار اتخذنا التدابير الأمنية والعسكرية كافة التي ستفشل الهجوم الإيراني المتوقع.
ولم يستبعد القيادي العسكري وجود صفقة ما قد أبرمت بين الروسي والإيراني بخصوص الشمال السوري، لكنه استبعد وجود توافق كلي بين الجانبين، وقد يكون التفاهم الجزئي يصب في خانة المعركة أو المشاركة فيها لصالح أهداف ترغب موسكو في الحصول عليها، مقابل مصالح إيرانية معينة، خاصة مع غياب أي أفق دولي لحل القضية السورية، ورغم خلافات الروسي مع الإيراني، إلا أن توافقاتهم في العناوين العريضة لا تزال في مكانها، خاصة تلك التي تتمحور حول تثبيت نظام بشار الأسد.
فشل الحلفاء
من جانبه، أشار القيادي في جيش العزة، العقيد مصطفى بكور، إلى عودة التحرك الإيراني منذ قرابة أسبوعين، ومؤكداً رصدهم لتحركات عسكرية إيرانية وأخرى لحزب الله تتجه نحو «الجبين وتل ملح» في ريف حماة الشمالي، والمناطق المذكورة اشتهرت مؤخراً بصمودها أمام محاولات النظام السوري والميليشيات الروسية.
عودة الميليشيات الإيرانية واللبنانية إلى جبهات ريف حماة، تأتي بعد فشل القوات البرية التي دعمتها موسكو، وقال «بكور» لـ»القدس العربي»: هدف إيران من دفع التعزيزات إلى المنطقة، هو استعادة «تل ملح والجبين»، إضافة إلى غاياتهم بالتقدم نحو سهل الغاب شمالاً.
القيادي المعارض «بكور»، اعتبر خلال تصريحات لـ»القدس العربي»: القوة الإيرانية ليست بأحسن حال من نظيراتها الروسية، ونحن نقول لطهران: النتائج على الأرض هي ما سيوضح مدى التأثير، ومنوهاً إلى أن تركيا في الإطار العام ليست راضية عما يعيشه الشمال السوري. مضيفاً «كما رأى عدم وجود أي أهمية لاتفاقيات سوتشي أو أستانة حول الشمال السوري، حيث ولدت هذه الاتفاقيات ميتة وموسكو لم تلتزم بها منذ انطلاقتها».
الملف السوري بتعقيداته المتراكمة والمتزايدة، يشهد وفق الباحث السياسي فراس فحام، تطوراً جديداً، عنوانه الحالي «عودة للتحالفات القديمة الإستراتيجية»، فثمة تقارب تركي – أمريكي، ظهرت معالمه في شهر نيسان/ أبريل الماضي، بعد لقاءات مكثفة بين اللجان العسكرية التركية والأمريكية لمناقشة الملف السوري، وإعلان المبعوث الأمريكي إلى سوريا جيمس جيفري التوصل لاتفاق مع أنقرة حول المنطقة الآمنة. وتأكد وجود مثل هذا التفاهم بعد القمة الثنائية بين «اردوغان – ترامب» في قمة الدول العشرين الكبرى في اليابان، والتي ظهرت نتائجها سريعاً من خلال تصريحات الرئيس الأمريكي الايجابية تجاه تركيا، وتحسن عملة الأخيرة بمقدار 13 نقطة.
في المقابل فإن إيران التي فضلت عدم دخول معركة إدلب إلى جانب روسيا، بموجب تفاهم ثنائي منفصل مع تركيا لم يعد أمامها خيارات سوى روسيا في ظل تصاعد العقوبات ضدها خاصة وأن أنقرة تجاوبت مع العقوبات الأمريكية على النفط الإيراني وخفضت استيراده إلى الحدود الدنيا واقتربت من التوقف بشـكل كـامل.
حركة مضادة لاجتماع القدس
الدخول الإيراني إلى معارك إدلب يأتي توقيته وفق ما قاله الباحث «فحام» لـ «القدس العربي»: بعد الاجتماع الأمني الأخير الذي جرى في القدس المحتلة بين موسكو وتل أبيب وواشنطن، وذلك يعني إما أن التفاهمات قد حصلت، وجرى الاتفاق مع روسيا على تحجيم نفوذ إيران في الجنوب السوري المهم لإسرائيل، مع عدم ممانعة استمرار نشاطها في الشمال. وبالتالي صار متاحاً أمام موسكو استخدام الميليشيات الإيرانية في إدلب دون اغضاب الأطراف الفاعلة في الملف السوري وخاصة تل أبيب، أو أن الاجتماع لم يخلص إلى توافقات الأمر الذي دفع روسيا إلى اللجوء لخيار الميليشيات المدعومة إيرانياً مجدداً مستغلة تفضيل أنقرة العمل مع الولايات المتحدة على حساب تفاهماتها مع إيران التي أبعدتها بموجبها عن معارك إدلب.