لجوء النظام إلى الإعدام هو السيف الذي يستخدمه لإظهار أنه لا مشكلة لديه في الذهاب حتى الأخير لحماية نفسه، خاصة أن الإعدام يحصل بشكل سريع ومن دون دراسة تداعياته.
كانت لافتة تغريدة لنائب الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم عبر «تويتر» يقول فيها: «عدتُ من إيران مطمئناً على وضعها المستقر بعد أحداث الشغب الأخيرة. لقد بنتْ أمريكا ومَن معها آمالاً كبيرة بعدوانهم الإعلامي والسياسي والإرهابي على إيران وفشلوا، فالحياة عادية ونشطة. إيران تتقدَّم وتتألَّق». بدا قاسم كأنه يُعلن أن مرحلة الخطر التي كانت تواجهها الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد عدَّتْ وما عاد هناك خوف على النظام.
وفي تقييم مقرَّبين من المشهد الأمني الإيراني أن السلطات الإيرانية قطعت شوطاً كبيراً في إعادة التحكّم والسيطرة رغم أنه ما زالت هناك بعض مظاهر الاحتجاجات، لكنها لم تعد بنفس التشابك والمركزية كما كانت في الفترة الأولى إنما أضحت منفصلة مهتّكة تعتمد على قواعد محلية أكثر من قاعدة تحكّم وسيطرة مترابطة. بالطبع، يذهب الاتهام سريعاً إلى الأيادي الخارجية العابثة بالأمن، وإلى الانخراط المباشر الأمني والاستخباري الأمريكي والفرنسي والبريطاني وحتى السعودي.
يشي مسار الحركة الاحتجاجية بأنها في كبوة، لكنها مستمرة. ففي أسبوعها السابع عشر، حصلت تظاهرات في قلب العاصمة طهران، ولا تزال تُرسم على الجدران الشعارات المناهضة لخامنئي التي تطلب «الموت للديكتاتور» وما زالت تصدح الحناجر من الشُرفات ليلاً ضد «قاتل الأطفال» وبقي أبناء زهدان في محافظة سيستان – بلوشيستان يستظلون صلاة الجمعة للخروج إلى الشوارع، ويواصل مشاهير إبداء مواقف داعمة للاحتجاجات، وتُسجَّل عمليات استهداف ضد مراكز للحرس الثوري. هذا كله يُعتبر عاملاً مقبولاً في ظل اشتداد وسائل القمع وتعليق المشانق والسرعة في إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها، وبدء النظام بالتكشير عن أنيابه حيال أي تمايزات أو انشقاقات داخله.
فلجوء النظام إلى الإعدام هو بحد ذاته السيف الذي يستخدمه بشكل مباشر ومُجهر ومُعلن وفعَّال لإظهار أنه لا مشكلة لديه في الذهاب حتى الأخير لحماية نفسه، خاصة أن الإعدام يحصل بشكل سريع ومن دون دراسة الوقت وتداعياته، في رسالة قاسية وواضحة للداخل، سواء أكان هذا الداخل شعبياً أم نخبوياً أم سياسياً وحتى أمنياً. لم تلتفتْ طهران إلى المطالبات الدولية بوقف الإعدامات، بل أقدمتْ نهاية الأسبوع الماضي على تنفيذ حكم الإعدام بمتظاهرَين اثنين هما محمد مهدي كرمي، ومحمد حسيني بعد أيام قليلة من المصادقة عليه، ما رفع عدد المحتجين الذين تمَّ إعدامهم إلى أربعة، وأضاف إلى سجلّه عدداً جديداً من أحكام الإعدام في محاكمات صورية لمحاكمها الثورية.
وبعد التنديد الجديد من قبل الأمريكيين والأوروبيين والوعيد بمحاسبة إيران، خَطَـتْ طهران خطوة أبعد مع إعلان حكم الإعدام بتهمة التجسس على علي رضا أكبري نائب وزير الدفاع الإيراني السابق. وفيما نظر مناهضو النظام إلى الإعدام على أنه رسالة تهديد للداخل السياسي، سواء على ضفتَي الموالاة والمعارضة، اعتبر أحد مؤيديه بأنه يُشكِّل في جانب منه ضربة للقيادة الإيرانية. فجُرأة الإعلان تُوصِل إلى السؤال عن حجم اختراق الغرب ومعناه وعمقه بما أن أكبري يحمل الجنسية البريطانية أيضاً، وإنْ كانت تُظهر في الوقت نفسه إرادة ايرانية في السعي وراء الغرب لمنع الاختراق. حتى الساعة، لا يمكن الجزم بأن النظام سيذهب على الفور إلى تنفيذ حكم الإعدام بأكبري، فذلك سيستثير بريطانيا التي اعتبرتْ حكومتها بأن دوافع الحكم سياسية. وعمدتْ وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية الخميس الماضي إلى نشر مقطع مصوَّر تُظهر فيه اعترافات لأكبري بمساهمته في اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده عام 2020، قبل أن يُوضح في تسجيل صوتي مُسرَّب من داخل السجن، أن اعترافاته القسرية كانت نتيجة 3500 ساعة من التعذيب. تعلو الأصوات لمعاقبة إيران من باب انتهاكها لحقوق الانسان. فمجلس العموم البريطاني صوَّت بالإجماع على اقتراح غير مُلزم يطالب الحكومة البريطانية بإدراج الحرس الثوري الإيراني في قائمة المنظمات الإرهابية. وتَـوَجَّه ما يزيد على مئة من أعضاء البرلمان الأوروبي برسالة إلى رئيس السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيف بوريل تطالبه بضرورة اتخاذ قرارات في الاتجاه ذاته لجهة تصنيف «الحرس الثوري» منظمة إرهابية بعدما كانت واشنطن، في زمن دونالد ترامب، قد أدرجته على لوائح المنظمات الإرهابية الأجنبية في قائمة وزارة الخارجية الأمريكية. الواضح أن الاتحاد الأوروبي يُحضِّر لعقوبات على مؤسسات وأفراد على علاقة بالانتهاكات في إيران، إنما لا مؤشرات على إمكان الذهاب إلى خطوة تصعيدية بإدراج «الحرس الثوري» على لوائح المنظمات الإرهابية، والذي يُشكِّل الدولة العميقة والذراع الاقتصادية الفعلية داخل إيران، فذلك يعني طَيّ نهائيّ لصفحة إحياء الاتفاق النووي الإيراني، وحرق كليّ للجسور في العلاقة الأوروبية – الإيرانية.
فالعلاقة الأوروبية – الإيرانية يشوبها الإرباك والتوتر إنما لم تصل إلى مستوى القطيعة، وإلا لما كان سقف ردود الفعل الأوروبية لا يزال مضبوطاً تجاه انخراط إيران بمسيَّراتها الانتحارية وصواريخها البالستية إلى جانب روسيا في حربها على أوكرانيا. وعلى المقلب الأخر، فرغّم استياء طهران من الموقف الفرنسي من الاحتجاجات والذي قضى على «دبلوماسية الهاتف» بين إيمانويل ماكرون وإبراهيم رئيسي، كأحد مظاهر العلاقة الحميمية مع فرنسا، لم تُقاطع إيران «قمة بغداد 2» التي انعقدت في الأردن بتنسيق فرنسي، إنما خفَّضتْ تمثيلها من رئيسي إلى وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان في إشارة تَبرُّم من مستوى الانخراط المباشر لباريس بخلفيته الأمنية.
ويلفت أحد المنظّرين اللبنانيين لـ«محور إيران» د. وسيم بَزّي إلى أن «الإيرانيين يحاولون على الدوام الاحتفاظ بهوامش في حركتهم. فهم في ذروة انخراطهم في خيارات استراتيجية كبرى يُبقون على شعرة التواصل مع الآخرين. ورغم تطوُّر العلاقة الاستراتيجية مع الروس ببعدها الاقتصادي والمالي، وبمحاولة الإفادة من التجربة الإيرانية في الالتفاف على العقوبات، وبالحركة التجارية والخطوط التي يتمُّ فتحها عبر بحر قزوين، والتعاون العسكري من المسيَّرات إلى طائرات «سوخوي 35» التي يتمُّ الحديث عنها، والتي يمكن أن تقلبَ حضور إيران الجويّ في المعادلات الاستراتيجية في المنطقة، فإنهم – أي الإيرانيين – لا يُقفلون الفرص أمام إعادة فتح سياقات إيجابية سواء كان الآخرون الأوروبيين أو حتى الأمريكيين». ومن المنطلق ذاته، حافظتْ على نَفَسٍ طويل في العلاقة مع الروس في سوريا رغم الثمن الباهظ الذي دفعه مستشاروها جراء الضربات الإسرائيلية في ظل التنسيق الإسرائيلي – الروسي، وحين حانت الفرصة استثمرتْ إيران بوقوف مؤثر في حرب أوكرانيا، ودفعت موسكو لحسابات تأخذ في الاعتبار التطوُّر الحاصل على مستوى التعاون العسكري الروسي.
يعزو بَزّي اعتماد إيران لسياسة «هوامش الحركة» إلى رغبتها في الحفاظ على أهمية الهضبة الإيرانية، بوصفها، من حيث المعيار الجيو-استراتيجي والجيو-سياسي، عنصر جذب لجميع المتصارعين، سواء أكانت الصين ومشروعها «طريق الحرير»، أم أمريكا بعشقها التاريخي الموروث لهذه الهضبة وأهميتها، أم روسيا الجار القديم الذي عاش دائماً عقدة التعاطي مع تلك الهضبة وعدم القدرة على ترويضها. ولكن هذا لا ينفي أن هناك معالم ثلاثية عالمية تُؤمِّن أرضاً صلبة لمجموعة من المصالح الكبيرة المتنوعة الأبعاد أساسها شنغهاي و«البريكس»، و«طريق الحرير»، وآسيا والهضبة الأوراسية، بما يمكن القول إن الإيرانيين والروس والصينيين يُشكّلون القاعدة الأساسية التي تُمثّـل التحدّي لأمريكا على الأقل للخمسين سنة المقبلة.
فهل تبدو إيران على هذا القدر من «التقدّم والتألق» اللذين وصفها بهما نائب الأمين العام لـ«حزب الله» وبهذه القدرة من الحركة، حيث لا تُبدي كبير قلق من رد فعل غربي على صفقات الأسلحة الإيرانية – الروسية التي تضّج الاستخبارات الغربية بها وبما تحضره موسكو للمرحلة الثالثة من حربها على أوكرانيا الآتية بعد أسابيع، والتي قد يَدخل العالم معها في لحظة تحوُّلية خطرة؟!