يُشبِّه مراقبون خطبة مرشد الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي خلال مراسم تأبين الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله في طهران، حيث أمَّ المصلين في صلاة الجمعة في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر الحالي، بخطبة الجمعة قبل عشر سنوات في النجف، والتي أعلن خلالها الخطيب عن إصدار المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني فتوى «الجهاد الكفائي» يوم بات تنظيم «داعش» على أبواب بغداد. التشبيه يدل على حالة القلق وعدم اليقين التي تشعر بها اليوم البيئة الشيعية الحاضنة لـ«حزب الله» في لبنان، كما كانت تعتري حينذاك شيعة العراق.
خرج الخامنئي – بعد الضربة الكبرى التي تلقاها «حزب الله» من خلال استهداف قائده وعدد كبير من القيادات العسكرية والميدانية وسط حرب تشنها إسرائيل للقضاء على قدراته العسكرية وترسانته المسلحة، وأدت إلى تهجير ما يزيد على مليون شخص من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت (معقل حزب الله) – ليطلب من شباب «حزب الله» و«حركة أمل» المقاوَمة وشدّ العزيمة. أراد الخامنئي من خلال إشارته إلى حركة أمل أن يُعلن أنه المرجع لـ«الثنائي الشيعي» وليس فقط لـ«حزب الله» وذهب وزير خارجيته عباس عراقجي ليعلن، بشكل جليّ، أن زيارته إلى لبنان هي للوقوف إلى جانب «حزب الله» والشيعة، من دون الحاجة إلى تغليف كلامه باستخدام تعبير: «الوقوف إلى جانب اللبنانيين».
تقول إيران، في هذه اللحظة، أنها تدير المواجهة على الساحة اللبنانية، باللبنانيين الشيعة، وتديرها في غزة بالفلسطينيين الذين توجَّه إليهم في خطبته أيضاً، لضرب ما تهدف إليه أمريكا وأذرعها، أي تحويل هذا الكيان الغاصب إلى بوابة لتصدير الطاقة من المنطقة إلى بلاد الغرب، واستيراد البضائع والتقانة من الغرب إلى المنطقة. وهذا يعني ضمان وجود المغتصِب وجعل المنطقة بأجمعها تابعة له.
ليس هناك من حاجة لقراءة الاحتمالات والسيناريوهات التي يمكن أن تنتظر لبنان. فبين ما تُعلنه إيران، وما يقوله الإسرائيليون من أنهم ماضون في تفكيك البنية العسكرية لـ«حزب الله»، يصبح السيناريو المُنتظَر هو أن يتحوَّل لبنان إلى «غزة ثانية». أجزاء كبيرة من القرى الحدودية تحوَّلت أصلاً، منذ دخول «حزب الله» حرب المساندة، إلى «غزة ثانية»، فالإعلام ممنوع من الدخول إليها لنقل صورة الدمار حفظاً للمعنويات. وأصبحت اليوم أجزاء كبيرة من الضاحية الجنوبية في بيروت أثراً بعد عين، وحل الدمار والخراب في البقاع الشمالي حيث تغيب الصورة عن الإعلام أيضاً.
الآتي في الغزو البري سيكون أفظع، ذلك أن الجيش الإسرائيلي الذي يحشد ألويته وفرقه للعملية البرية، الواصلة حتى الآن إلى خمسين ألف جندي، سيستخدم سياسة «الأرض المحروقة» في تقدمه. ووفق القراءات العسكرية، لن يكون مستعجلاً على التقدّم، كي لا يُكرِّر خطأ العام 2006 حين ظنَّ حينها أن الطريق آمناً أمام قواته البرية، فإذا به يقع في كمين استدرجته إليه المقاومة موقعة فيه خسائر كبيرة عُرفت يومها بـ«مجزرة دبابات الميركافا». لكنه بحاجة ماسة إلى اجتياح بري لتدمير الأنفاق التي بناها «حزب الله» والتي تشكِّل خطراً فعلياً على أمن الشمال وسكانه.
ليس أكيداً أن الأمر سيقتصر على اجتياح محدود. دخل لبنان في حرب قد تكون هي «الحرب الكبرى والأخيرة» التي كان «حزب الله» يقول على الدوام إنه يُحضِّر لها منذ أن انتهت حرب تموز/يوليو 2006 ولكن أيضاً كان الإسرائيليون يُحضِّرون لتلك الحرب، ويسدّون الثغرات التي كانت لديهم، ولا سيما في المجال الاستخباراتي.
في قراءة خبراء، أن إسرائيل كانت تعمل منذ 2006 ولغاية 2023 على تطوير قدراتها الاستخباراتية، لاستيعاب مفهوم القيادة والسيطرة والبُنية العسكرية والأمنية والعملياتية لـ«الحزب» وعملية تطوير الأهداف المتحركة والثابتة وصولاً إلى قادته الميدانيين، وهو ما أظهرته الاستهدافات على مدى الأشهر الأحد عشر الماضية من قتل القيادات الميدانية للتحوُّل منذ أسابيع إلى تصفية قيادات الصف الأول، والثاني، والثالث، والتي أدّت إلى حالة من التضعضع في صفوف «الحزب».
فبعد مجزرة «أجهزة النداء» (البيجرز) في 17 أيلول/سبتمبر الماضي، والتي أصابت خلال دقائق معدودة نحو 4 آلاف من حامليها، وهم من العناصر المهمة، بدا واضحاً أن إسرائيل اتخذت قرارها بفتح المواجهة على الجبهة الشمالية الإسرائيلية المحاذية للجنوب اللبناني. وحين اغتالت نصرالله، كانت تُعلن أنها اتخذت قرارها بتغيير قواعد اللعبة. فاغتيال نصرالله ليس بحدث عادي، هو بداية العد العكسي لإنهاء الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة، والتي تنامت وقوَّضت الدول الوطنية في أماكن تواجدها، من العراق مروراً بسوريا ولبنان وصولاً إلى اليمن، وحوَّلتها الى دول فاشلة، وبداية تحولات كبرى في المنطقة. فالقرار الكبير بإنهاء تلك الأذرع قد اتخذ، ولا يمكن أن يتحقق إلا إذا تمَّ القضاء على الذراع الأقوى (حزب الله) الذي هو درّة التاج. وستتوالى فصول الحرب على «الحزب» أولاً من خلال الاستمرار في تصفية القيادات. فالخليفة المحتمل لنصرالله (هاشم صفي الدين) جرى استهدافه في هجوم جوي كان أكبر من الهجوم الذي استهدف نصرالله، وهو ما يؤشر إلى حجم الاختراق الذي نجحت إسرائيل في إنجازه، حيث إن «حزب الله» الذي كان يُعتبر تنظيماً سرياً، يعمل من تحت الأرض، بات مكشوفاً ككتاب مفتوح أمام الأعداء.
لا وهمَ بأن الغزو البري سيكون نزهة للإسرائيليين. الأيام الأولى كانت ذات كلفة عالية عليهم، لكن هذا كان حالهم أيضاً في غزة في الأيام الأولى. صحيح أن الطبيعة الجغرافية في لبنان أصعب والجبهات أطول، لكن الصحيح أيضاً أن التفاوت بين قدرات إسرائيل وقدرات «حزب الله» كبير جداً، وأن إسرائيل تعمل بشكل منهجي على قطع طرق الإمداد على «الحزب» وتضرب مخازنه في سوريا كما في لبنان. وتفرض حصاراً برياً وبحرياً وجوياً على لبنان، بغية منع وصول الإمدادات إليه.
الحرب ستكون طويلة وصعبة، وسط عجز لبناني كامل لحكومته وقواه السياسية. وفرص الحلول الدبلوماسية التي كانت متوفرة حتى أسابيع قليلة ماضية تلاشت وباتت غير مطروحة.
كما أن وقف إطلاق النار لم ينجح في غزة التي أنهت الحرب عليها سنتها الأولى، كذلك ستكون فرص وقف الحرب في لبنان معدومة. فالكلمة للميدان بانتظار ما ستحمله الأيام المقبلة من رد إسرائيلي على الرد الإيراني، وما إذا كان سيؤول إلى حرب شاملة ما زالت أمريكا وإيران تعلنان أنهما لا يرغبان بها، لكن هذه ليست رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الساعي إلى تغيير وجه المنطقة.
ما ينتظره اللبنانيون سيفوق، دون شك، قدرتهم على التحمّل، ولا سيما إذا توسعت الاستهدافات على كامل الأراضي اللبنانية، وإذا ما أقدمت إسرائيل على تفريغ القرى من سكانها ليس إلى ما بعد نهر الليطاني فقط بل إلى حدود نهر الأولي، كما بدأ يظهر من التحذيرات الإسرائيلية لسكان الجنوب.