إيران: خامنئي ضحى بالشرعية الشعبية ورتب انتخاب إبراهيم رئيسي للحفاظ على دولة الملالي

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

شهدت إيران في 18 حزيران/يونيو انتخابات رئاسية أقل ما يقال عنها أنها مزورة، باهتة ومملة ولم تقنع حتى الناخب الإيراني الذي كان جزء منه يؤمن بإمكانية التغيير عبر صناديق الاقتراع، مع أن نظام الجمهورية الإسلامية مصمم على أن تحكم مؤسسة رجال الدين ضمن إطار «شبه ديمقراطي» وتنافسي أحيانا.
وكان الجميع يعرف هوية الرئيس المقبل بعد أن استبعد مجلس صيانة الدستور كل الأسماء المهمة من التيار الإصلاحي والوسطي والمحافظ وحتى المتشدد. ومن بين 700 اسم تقدم للانتخابات اختير سبعة أسماء، ولم يشارك في السباق الانتخابي في النهاية سوى أربعة، وكان الفائز فيها مرشح المؤسسة إبراهيم رئيسي، 61 عاما، رئيس مؤسسة القضاء والمرشح الرئاسي السابق عام 2017 حيث خسر أمام الرئيس الذي تنتهي ولايته في شهر آب/أغسطس حسن روحاني. وجاء رئيسي في تلك الجولة، متأخرا عن روحاني بالمرتبة الثانية بعدما حصد أكثر من 16 مليون صوتا مقابل روحاني الذي كان فوزه ساحقا بأكثر من 23 مليون صوتا. وفي الانتخابات الأخيرة فاز رئيسي بنسبة 62 في المئة من أصوات الناخبين في عملية لم يشارك فيها سوى 48.8 ممن يحق لهم الإقتراع وقام 3.7 ملايين ناخب أي نسبة 13 في المئة بتخريب أصواتهم. وهي أدنى نسبة مشاركة منذ عام 1979.

الجلاد
ويحمل وصول رئيسي إلى الرئاسة الكثير من الدلالات المحلية والدولية، فقد جاء وسط انشغال المؤسسة الإيرانية بتأكيد السيطرة على المجتمع الإيراني بعد سنوات من الاحتجاجات وأزمات اقتصادية ومحاولة التحكم بفيروس كورونا حيث كانت إيران المتضرر الأكبر منه في المنطقة، ويضاف إلى هذا حصار دولي نابع من نشاطاتها النووية. وجاء انتخابه في ظل الإدارة الأمريكية الحالية التي أعلنت منذ وصولها إلى البيت الأبيض بداية العام الحالي عن رغبة بالعودة للاتفاقية النووية (خطة العمل المشتركة الشاملة) التي وقعتها إدارة باراك أوباما مع حكومة حسن روحاني عام 2015 مع أن المفاوضات بدأت في عهد الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد. ففي وقت الانتخابات كان المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون يتفاوضون بالجولة الخامسة في فيينا من خلال الوسطاء الأوروبيين.

الخلافة
وربط معلقون فوز رئيسي بخطط خلافة المرشد الأعلى للجمهورية آية الله علي خامنئي، ففوز رئيسي بالرئاسة هو مرحلة للفوز بمنصب المرشد. وقيل إن خامنئي يريد حماية إرثه، بمعنى عائلته من التطهير بعدما طهر أبناء المرشد الأول للجمهورية، آية الله الخميني وأبناء الرئيس هاشمي رفسنجاني الذي لعب دورا مهما في وصوله إلى السلطة. وقيل إن خامنئي يريد الحفاظ على مكتب المرشد كحكم في شؤون البلاد، وأن يحكم من القبر وعبر ابنه مجتبى الذي يمارس تأثيرا على القرارات التي تتخذ بشأن الجمهورية.

تحديات
ومهما كان الأمر، فالرئيس المنتخب، يواجه الكثير من التحديات تتعلق بشخصه وتاريخه في تعذيب الناشطين، وحزمة من المشاكل التي تواجه البلاد في ظل الظروف الاقتصادية وطموحات الجيل الشاب الطامح والمتعلم والذي اكتشف أن المؤسسة لا تريد له أن يشارك في بناء مستقبل البلاد. ومشكلة الرئيس القادم نابعة من أن الولايات المتحدة في عهد إدارة دونالد ترامب التي ألغت الاتفاقية النووية وضعت اسمه على قائمة العقوبات «أقصى ضغط» وهي سياسة فاشلة لم تمنع إيران من مواصلة نشاطاتها النووية، بل وزادت معدلات تخصيب اليورانيوم أضعاف ما هو مسموح به حسب الاتفاقية. وحتى نظام التفتيش الصارم الذي وضعته وسمح لفرق الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراقبة النشاط النووي الإيراني على مدار الساعة قد توقف ولم تجدد إيران الإذن الذي انتهى الأسبوع الماضي. وبالضرورة لم تمنع عقوبات ترامب إيران من مواصلة نشاطاتها في المنطقة، وكان اعتراف المبعوث الأمريكي لليمن تيموتي ليندركينغ بالحوثيين كطرف شرعي في الساحة اليمنية انتصارا جديدا لها، ونفس الأمر يقال عن لبنان التي لا يزال الحزب الوكيل عنها- حزب الله- يتحكم باللعبة السياسية ويعرقل تشكيل الحكومة اللبنانية منذ عدة أشهر. فترامب لم يوقف إيران عن نشاطاتها الإقليمية ولا النووية، وكما قالت صحيفة «واشنطن بوست» (21/6/2021) فقد كان فوز رئيسي نتاجا لسياسات ترامب، ذلك أن عددا من أعضاء إدارته كانوا يأملون بسقوط النظام تحت وطأة العقوبات لكن انتخاب رئيسي كشف عن نظام شرس يريد التمسك بالحكم. وذكرت الصحيفة بسجله السيء في حقوق الإنسان، لدرجة دعت منظمة امنستي انترناشونال الطلب بالتحقيق بدروه في أحداث عام 1988 أو ما تعرف بـ «لجنة الموت» التي كان فيها واحدا من المدعين الذين أصدروا أحكام الإعدام على المعارضين السياسيين. ويقال إن عدد من قتلوا في تلك الفترة يتجاوز عن 5.000 معارض سياسي. ونشرت صحيفة «التايمز» (24/6/2021) تقريرا قالت فيه إن رئيسي كان يراقب المعتقلين. وكان رئيسي في ذلك الوقت مدع عام شاب تدرج سريعا في سلك القضاء ليصبح رئيسا له. وقالت صحيفة «ديلي تلغراف» (19/6/2021) المحافظة في افتتاحية إن رئيسي كان يجب أن يكون في السجن لا الرئاسة. وكان المحامي البريطاني في حقوق الإنسان جيفري روبرتسون قد قدم صورة عن حجم المجزرة في تقرير من 130 صفحة قال فيه: «علقوا من الرافعات أربع في كل واحدة أو ست مرة واحدة من حبال نصبت على مدخل المجلس» وأخذ آخرون في الليل وقتلوا على يد فرق الموت بإطلاق الرصاص عليهم. وبعد الانتهاء من مجاهدي خلق استمرت الثورة بملاحقة أتباع حزب تودة الشيوعي والتروتسكتيين. ولكن دور رئيسي كعضو في اللجنة ظل محلا للجدل كما ذكرت صحيفة «الغارديان» (19/6/2021). ففي محاضرة بأيار/مايو 2018 أكد أنه كان موجودا في لقاء يوم 15 آب/أغسطس 1988 عندما حث آية الله حسين منتظري اللجنة الكف عن الإعدامات مؤكدا: «في تلك الفترة لم أكن رئيسا للمحكمة الذي كان يقوم بإصدار القرارات أما المدعي العام فهو يمثل المتهمين». وفي ذلك اللقاء قال منتظري: «أعتقد أنها جريمة عظيمة ارتكبت في الجمهورية الإسلامية منذ الثورة (1979) وسيلعننا التاريخ. وسيكتب التاريخ أسماءكم كمجرمين». وتم نشر تسجيل صوتي للقاء على موقع يعود إلى منتظري تديره عائلته في 9 آب/أغسطس 2016 لكن وزارة الاستخبارات الإيرانية حذفته منذ ذلك الوقت. ولم يتم الحديث عن تواطؤ رئيسي في الإعدامات أثناء المناظرات التلفزيونية الثلاث، وربما لأن الأحداث هذه لا تهم الإيرانيين كثيرا لاعتقاهم أن حركة مجاهدي خلق هي إرهابية، وهم مهتمون أكثر بأسعار البيوت والوظائف.
بدون تفويض
ومشكلة رئيسي هي أن الإيرانيين الذين حرموا من حق اختيار المرشح الذي يريدونه، أو على الأقل بما يسمح به النظام اختاروا الاحتجاج من خلال البقاء في بيوتهم، وهو ما يفقده التفويض الشعبي، كما ذكرت صحيفة «فايننشال تايمز» (20/6/2021) وكانت حالة الإحباط دافعا لقاعدة رئيسي على التصويت وبأعداد غفيرة في وقت التزم فيه الإصلاحيون بيوتهم. ولا يتمتع والحالة هذه بالتفويض الشعبي الذي حصل عليه سلفه روحاني. وقال محلل إصلاحي «دخل رئيسي لعبة خاسرة، ففوزه في عين الرأي العام، صوابا أو خطأ، مقرر سلفا». ويخشى آخرون من قيام المتشددين بسحق دعاة الديمقراطية. مع أن رئيسي لم يتناول في حملته الانتخابية أيا من أبعاد السياسة الخارجية إلا بعبارات عامة وأكد على أهمية الوحدة الوطنية ومكافحة الفساد وفيروس كورونا. وعرف عنه أثناء عمله في القضاء مكافحته للفساد، فبحسب فيديو نشره الإعلام الإيراني «لن نقطع أصابع الفاسدين بل وأذرعتهم» وشدته على ما يبدو أكسبته شعبية بين الدوائر المحافظة، وميزته عن روحاني الذي فشل اقتصاديا ولم يحقق وعوده للناخب الإيراني مكتفيا بلوم الغرب والمؤسسة المتشددة.
معضلة بايدن
ويمثل وصول رئيسي إلى السلطة «صداعا» للرئيس جوزيف بايدن الذي أبدى حرصا للعودة إلى الاتفاقية النووية. وتواجه إدارة بايدن والمسؤولين الكبار فيها بمن فيهم المبعوث الخاص لإيران روبرت مالي الضغوط لرفع العقوبات عنه وهم يديرون عمليات التفاوض مع إيران لإحياء الاتفاقية النووية. وكما ذكر موقع «بوليتكو» (21/6/2021) فإن الصقور من المسؤولين السابقين والمحللين بعدم رفع العقوبات عن الرئيس الإيراني الجديد والتي فرضت عليه بسبب دوره في انتهاكات حقوق الإنسان. لكن المسؤولين الإيرانيين يلمحون أن العقوبات عليه يجب أن تكون مشمولة في العقوبات التي سترفع لو أريد العودة إلى الاتفاقية النووية. والسؤال هو واحد من الأسئلة التي تحوم على المفاوضات. ولا تمثل العقوبات مشكلة للعلاقات الأمريكية- الإيرانية لأنه لا يوجد تبادل دبلوماسي، ولكن إصرار الإيرانيين على شمله في رفع العقوبات سيكون معوقا في المستقبل. وأكد مستشار الأمن القومي جيك سوليفان في تصريحات يوم الأحد الماضي أن انتخاب رئيسي لن يؤثر على المفاوضات النووية لان أمر مواصلتها ووقفها بيد خامنئي، فهو نفس الشخص قبل وبعد الانتخابات. وأكد على أن أولوية الولايات المتحدة هي منع إيران من الحصول على سلاح نووي. وسمح خامنئي للمفاوضات في فيينا وهو حريص على استمرارها، لأنه يريد أن يجني الرئيس المقبل ثمارها ويحمل سلفه روحاني المسؤولية حالة فشلها.
لا يهم
ففي واشنطن يتم التعامل مع الانتخابات الإيرانية بالشكلية، فمهما كان الفائز فيها فعليه أن يتبع تعليمات المرشد الذي يتولى ملفي الأمن والسياسة الخارجية. وفي حالة رئيسي يرى علي فائز ودينا اسفنداياري بمقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (22/6/2021) أن ترتيب انتخابه مرتبط بما سيأتي بعد المرشد وإجراءات الخلافة، صحيح أن إيران في ظل رئيسي تعني سيطرة المعسكر المتشدد على مفاصل الدولة ولن تتسامح مع المعارضة الداخلية. وحتى تتم العملية الانتقالية من مرشد إلى آخر وبشكل سلس، فالقادة بحاجة إلى حالة من الهدوء الداخلي والاستقرار في العلاقات الخارجية. وبالتالي فانتخاب رئيسي ليس خبرا سيئا للولايات المتحدة وتستطيع تحقيق تقدم في الملف النووي. وربما كان صعوده مرحلة لوصوله إلى المنصب الأعلى. وهناك إمكانية أن المرشد قام بدعم رئيس مذعن حتى يحقق إصلاحات مؤسساتية، مثل تحويل منصب المرشد إلى مجلس رئاسي. ومهما كان الأمر، فوصول رئيسي يعلم مرحلة جديدة في مواجهة المعارضين وتطهيرهم تحضيرا لمرحلة ما بعد خامنئي. وقد قام المتشددون بعمليات مشابهة في الماضي، لكنهم سيواجهون مشاكل في ظل الاضطرابات التي شهدتها إيران في السنوات الماضية ضد النظام الذي تخلى عنهم. وعلى صعيد السياسة فلن يواجه نظام متشدد يسيطر على كل مفاصل الدولة معارضة من داخله، كما في الماضي. وسيكون قادرا على فرض التغييرات التي يريدها، ذلك أن «الدولة العميقة» التي يمثلها خامنئي والجيش مع المؤسسات الأمنية عملت جهدها من أجل تقويض وإضعاف حكومة روحاني ومبعوثيها. وكرسوا وقتا لنزع الثقة بسياسات إدارته وذهبوا بعيدا لمنع روحاني الإنفتاح الواسع على الغرب. وعليه، فلن يواجه فريق الدولة العميقة أي مواجهة عندما يقود السياسة الخارجية واحدا منهم. بالإضافة إلى هذا فالنظام الإيراني يشجع على الاستمرارية الممثلة بالمرشد ومن معه، وهم من يحددون مسار الأمور، وبخاصة في الملف النووي. ولا يريدون فقط أن يجني رئيسي ثمار أي اتفاقية جديدة مع الولايات المتحدة بل ويطمحون لأن يحمل روحاني وفريقه وزر الفشل والمشاكل التي عانت منها إيران. وبالنسبة لبايدن فالثمن السياسي للتعامل مع رئيسي سيكون أكبر وذلك بسبب العقوبات عليه. لكن واشنطن لا تستطيع اختيار من تتحدث إليهم، ولديها خبرة في التفاوض مع نظراء لا تستسيغ التعامل معهم. ويظل البديل عن كل هذا هو إيران نووية.
التضحية بالشرعية
وعلى العموم يقدم انتخاب رئيسي صورة عن محاولة الجمهورية الإسلامية الحفاظ على نفسها، فقد تعلمت كما يرى رويل مارك جيريتش وري تاكيه في «واشنطن بوست» (25/6/2021) من درس الثورة الخضراء عام 2009 احتجاجا على تزوير الانتخابات. وكان الدرس الأهم هو تقييد قائمة المرشحين. ومنذ 2016 باتت عين خامنئي على رئيسي كمرشح لخلافته، فالمرشد يقدر الموهبة والولاء، ولهذا حاول تقديمه أبعد من المناصب الرسمية وعينه حارسا لوقفية «أستاني قدس» في مدينة مشهد التي تشرف على مرقد الإمام الرضا، ويزورها سنويا الملايين وتقدر أرصدتها بـ 15 مليون دولار. ولهذا كان لدى رئيسي فرصة لتحسين صورته وتقوية العلاقات مع إمبراطورية الظل المالية. ولكن الحيلة لم تنفع فلم يحقق رئيسي في أول فرصة له للإطاحة بروحاني إلا نسبة 38.5 في المئة من الأصوات. ولهذا قرر خامنئي في 2021 تجاوز فكرة الشرعية الشعبية، فبعد حركة الاحتحاجات في الفترة ما بين 2017- 2020 فكر المرشد العجوز بأن يكون في منصب الرئاسة نسخة شبيهة له، رجل دين مستعد لقمع وتصفية من يتحدون المؤسسة الدينية. ويظل رئيسي مثالا عن الحالة التي وصلت إليها الجمهورية الإسلامية، فالملالي يريدون اليوم أكثر من أي وقت مضى الحفاظ على نسختهم للحكم التي لم يعد الكثير من الإيرانيين يؤمنون بها، ولهذا اختار المرشد شخصية تستطيع الحفاظ على حكمهم. وفي العملية المرتبة لم يهتم رئيسي بإدارة حملة انتخابية واسعة وقضى وقته وهو يزور السجون لتأكيد إصلاحاته، ذلك أن إيران كانت تعرف أنه المرشح المختار والفائز. لكن علينا الانتظار لمعرفة نتائج قرار خامنئي تبني رئيسي والتضحية برموز أفضل منه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية