مفتاح حل مشاكل إيران بيد «مختار الضيعة» فهل يفعلها خامنئي؟

نوري حمزة
حجم الخط
0

أين تتجه إيران بعيد انتخاب إبراهيم رئيسي رئيساً للبلاد؟ هذا السؤال يطرح اليوم في الشارع الإيراني وخارجه. ويتطلب الجواب عليه العودة إلى ماضي إدارة هذا البلد الساخن في السياسة الداخلية والخارجية وعلاقاته واقتصاده، وكذلك النظر إلى عقلية المرشد وسلوك حرس الثورة وطموح رئيسي نفسه.
إن أهم ما يطمح له المواطن الإيراني هو تحسُّن الوضع المعيشي وتنشيط الاقتصاد الذي تحمل أعباء شعارات الثورة وعمل الحرس المنفذ لأوامر المرشد في شتى أنحاء الشرق الأوسط وفي وافريقيا وأمريكا اللاتينية. فاقتصاد إيران اليوم يواجه أسوأ ضربات أدت إلى هبوطه، وخلَّفت جيوشاً من العاطلين عن العمل، وعطلت المصانع وأفلست العديد من الشركات، وهذا لم يحدث خلال الثمانين عاما الماضية، حسب الباحث في الاقتصاد الإيراني فريدون خاوند. كما تشكل أزمة شحة المياه وتردي الوضع البيئي أحد مهددات الأمن القومي الإيراني، ذلك أن زهاء 19 مليون إيراني هاجر من القرى خلال العقود الماضية بسبب الجفاف ويعيشون اليوم في فقر مدقع في ضواحي المدن.
وينتظر المواطن الإيراني التخلص من أعباء الملف النووي عله يرى بوادر انفراج اقتصادي.
وهو إذ يعي جيدًا أهمية علاقات الرئيس المنتخب بحرس الثورة واليمين ومؤسسة بيت المرشد يطمح إلى قدر من الانفتاح في السياسة الداخلية ومساحة من حرية التعبير والتدفق الحر للمعلومات ومزيدًا على الحريات الفردية.
في رأي مناهضي المرشد أن سياساته جعلت من إيران ضيعة، بحيث بات التغيير في أي اتجاه سلبي أو إيجابي مرهوناَ بإرادة «مختار الضيعة» الذي جاء من مدرسة تبرع في اللعب على التناقضات، وهو معروف بصلابته وإصراره على تنفيذ أوامره، وبشخصيته الأنانية. وقد تقود عقيلة هذا المختار إيران إلى المزيد من العزلة دوليًا، وربما تجلب المزيد من التهالك للاقتصاد والتضييق على الحريات العامة وحرية انتقال المعلومات في العالم الرقمي.
الاقتصاد ملف يحظى باهتمام إبراهيم رئيسي أكثر من غيره، ولكن يبدو جلياً أن الرجل لم يسبق له أن جرَّب إدارة سلك اقتصادي وإنما كان يعمل في القضاء والأمن والسجون والروضة الرضوية. يتحدث الأن عن «اقتصاد مقاوم» وهذا مجرد مصطلح أطلقه المرشد خامنئي منذ سنوات، حين طالب حكومة حسن روحاني بمقاومة الغرب وضغوطه الاقتصادية التي أثرت بقوة على اقتصاد البلاد وكبدته خسائر كبيرة. وقد بدأ من يحوط بالرئيس المنتخب بقذف إدارة روحاني وسياساتها النيوليبرالية، على حد وصفهم، وهو ما يفسره محللون إيرانيون بالعملية الاستباقية من قبل حكومة رئيسي لرمي فشلها المستقبلي على إدارة سلفها.
خلال السنة الأولى سوف يتضح المشهد الاقتصادي أكثر من غيره، وما إذا كان سيحقق استحداث مليون فرصة عمل، ويوفر أربعة ملايين شقة سكنية، وينجح في خفض مؤشر التضخم حتى 50 بالمئة، كما وعد. وهل تتيسر الأمور معه ويدعمه المرشد الأعلى نحو النجاح، أم ماذا؟
على أن قضية انتخاب خليفة لخامنئي في حال وفاته، تحتل حيزاً أساسياً من اهتمام الرئيس الجديد وعدد من قيادات حرس الثورة. ويجابه هذا التوجه مجتبى خامنئي نجل المرشد، ويصطف حوله عدد كبير من سياسيي الطيف اليميني ومراجع التقليد وقيادات من الحرس والمخابرات والقوى المؤثرة في إيران، ما يفسر الفجوة الحاصلة في البيت السياسي الإيراني.
لدى رئيسي طموح لخلافة خامنئي، غير أن هذا الأمر معقد للغاية والطريق إليه وعرة جدًا، وهناك عقبة أمامه تتمثل بشخص خامنئي «العنيد والانتهازي» وفق توصيف عارفيه عن قرب وعاملين في إدارته، كالمنشق أمير فرشاد ابراهيمي، وهو من أعضاء إدارة بيت المرشد سابقا، وأبو الحسن بني صدر الرئيس الأول ما بعد الثورة لجمهورية إيران الإسلامية، والعديد من أعضاء «نهضة أزادي» الذين كانوا من قيادات الثورة في 1979.
كان خامنئي يلعب طيلة العقود الماضية دوراً خفياً في اجتثاث منافسيه من المشهد السياسي، واستطاع أن يبعد العديد من منافسيه حتى ينفرد بمنصب المرشد ولم يسمح بانتخاب مساعد له كما كانت الحال في عهد المرشد المؤسس الخميني، حيث كان حسين علي منتظري مساعدًا له إلى أن وقع بين فكيّ كماشة غضب الخميني من جهة، وخامنئي ورفسنجاني من جهة أخرى وتم إبعاده وحصاره في منزله حتى وفاته قبيل سنوات.
ويقول أمير فرشاد إبراهيمي، المنشق عن النظام الإيراني والمقيم في ألمانيا منذ سنوات: في بدايات خلافة خامنئي للخميني كان الرجل متخوفاً جدًا من عودة منتظري، وكان يرسل عدداً من مؤيديه يومياً إلى بيت منتظري كي يهاجموه بالحجارة ويرددوا هتافات رخيصة في محاولة لتمزيق شخصيته. وكان خامنئي يحث الإعلام على إنتاج مواد إعلامية ضد مساعد الخميني المعزول- أي منتظري.
وقبل ذلك عمل خامنئي مع قيادات الحرس على فبركة اتهامات أمنية خطيرة تتعلق بإدارة الحرب الإيرانية- العراقية، بحق أبو الحسن بني صدر أول رئيس جمهورية وعزله من منصبه، الأمر الذي دفع ببني صدر باللجوء إلى فرنسا، حيث يقيم منذ أربعة عقود.
أما الرئيس الثاني للجمهورية الإسلامية محمد علي رجائي، فقد لقي مصرعه أثناء تفجير برفقة رئيس الوزراء محمد جواد باهنر، فتولى خامنئي رئاسة الجمهورية على مدى دورتين متواليتين لمدة ثماني سنوات. حينذاك كان مير حسين موسوي رئيسًا لمجلس الوزراء وحدثت بينه وبين الرئيس خامنئي مشاكل عدة تدخل في حلحلتها الخميني. حين توفى المرشد المؤسس، نجحت «حاشية» خامنئي في تسويقه كرجل مناسب لخلافة الخميني. ومع توليه موقع المرشد/ حلّ هاشمي رفسنجاني في رئاسة الجمهورية، وكان الشخص الوحيد الذي استطاع خلق نوع من التعادل في هرم الحكم، بينه وبين خامنئي. لكن المطاف انتهى برفسنجاني أن يتوفى أثناء السباحة في مسبح خاص لرجالات الدولة بشمال طهران.
وبعيد إنهائه الدورة الثانية من رئاسته، أصبح الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي مراقباً وممنوعاً من العمل السياسي ومن السفر للخارج، في حين ان محمود احمدي نجاد، مسموح له فقط بالتحليق في قفص سياسي مساحته مدينة طهران، وهو وإن كان عضوًا في مجمع تشخصي مصلحة النظام، فإنه موضوع تحت رقابة الحرس بشدة. وقد استطاع خامنئي أن يعرقل عمله خلال رئاسته ودفعه الى دائرة تعرف على أنها مارقة ويجب مراقبتها.
والعديد تحدثوا عن رئيس الجمهورية حسن روحاني كخليفة للمرشد خامنئي، لكن الأخير نجح في إفشال معظم برامج روحاني في السياسة الداخلية وانتقاده في السياسة الخارجية ووضعه في مظان الاتهامات المتنوعة لكسر هيبته وابعاده عن النظر إليه كمرشد مستقبلي.
من يقرأ في سيرة المرشد، يتوقع أن يصطدم طموح رئيسي بخلافة خامنئي بعمل دؤوب من لإفشال البرامج التنموية الهامة لرئيسي بغية زعزعة مكانته بين أنصاره في الحرس. ففيما حافظ خامنئي على منصبه ولم يسمح بوجود مساعد له طيلة العقود الماضية وأزاح من ينافسه، بدأ حديث يدور عن رغبة وإصرار لديه على تولي نجله مجتبى خامنئي منصب المرشد. ونشرت صور مجتبى خامنئي في طهران كخليفة لأبيه.
ولعل ما سبق يؤشر إلى حجم الصراعات داخل السلطة وإلى مستقبل منصب المرشد الذي يبدو نجل خامنئي الأوفر حظًا وترحيبًا من قبل الحرس والأكثر قرباً من القوى المؤثرة في إيران، الأمر الذي سوف يكشف المزيد من الفجوات والشروخ في بيت السياسة الإيراني ويخلف مشاكل عديدة مما يعيق عمل الحكومة خلال السنوات القادمة.
غير أن خامنئي يريد الذهاب في الملف النووي، الذي ساهم بتفشي الفقر والحرمان وإفلاس العديد من الشركات وتفشي البطالة، في اتجاه إنهائه على شاكلة تصب لمصلحة الاقتصاد الإيراني، من دون التخلي عن المكاسب النووية التي حققتها إيران. ناهيك عن نواياه في فرض تواجد إيران في المنطقة العربية ليس كساحة نفوذ، بل ساحة حضور وتأثير إيراني مقبول من قبل الغرب وخاصة من قبل الولايات المتحدة.
وحدوث ما يطمح له خامنئي في هذا الملف أمر صعب للغاية، حيث ان إيران، في حقيقة موقفها، لن ترضى بأقل من صنع قنبلة نووية، ولن تتوقف عن تمددها في الإقليم الذي سيحوطه النزف، ما سيعقد المشهد، وسيؤثر على وضع البلاد الداخلي وخاصة في الاقتصاد.
وهناك ملف ساخن في إيران، يخيف النخبة الفارسية قبل الحكومة، وهو ملف الشعوب غير الفارسية، كقضية العرب في الأحواز والبلوش والأتراك والتركمان واللور والجيلك وغيرهم،
إذ أن هؤلاء يشعرون أن الحكومات الإيرانية تتعامل معهم كمواطنين من درجة ثانية وأدنى، مقارنة بالشعب الفارسي. ويعتقد العديد من نشطاء تلك الشعوب أن إيران احتلت مناطقهم منذ بديات القرن العشرين، وأن الشعوب غير الفارسية تعمل عبر أحزابها ومؤسساتها السياسية في المنفى والداخل الإيراني على زعزعة نظام الحكم في إيران.
كما يبقى ملف حقوق الإنسان والحريات السياسية ملفاً هاماً سيستخدمه الغرب للضغط على النظام الذي يريد فيه ان يتم غض الطرف عنه مقابل التخادم في جبهات أخرى.
لا شك أن مفتاح الملفات بمجملها بيد «مختار الضيعة». فالمرشد خامنئي وحده من يستطيع أن يغير مسار إيران سواء في المشروع النووي أو سياساتها في المنطقة العربية، الأمر الذي يحسن من الوضع الاقتصادي. وهو القادر على العمل لتأمين الانتقال الطبيعي للسلطة وانتخاب المرشد المستقبلي وهكذا تحسين حقوق الإنسان وحلحلة بعض الأمور من حقوق الشعوب غير الفارسية، الأمر الذي قد يمد النظام في إيران بعمر أطول!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية