مهمة الرئيس الإيراني المنتخب هي فقط إعادة إيران الى المكانة التي كانت عليها قبل ثماني سنوات. هو رجل الضرورة الذي كان بإمكان المحافظين إقصاؤه باتفاقهم معاً، او حتى بالتزوير، ولأنه رجل الضرورة وخوفاً من فوضى الشارع الإيراني، فلا بد من قبوله، وقبول تطلعات الإيرانيين الذين انهكتهم سنوات نجاد، صاحب امبراطورية الوهم، الذي بدأ حياته مهدداً بإزالة إسرائيل، وأنهى حياته السياسية منتظراً ظهور المهدي الذي لم يظهر أيضاً. وما بينها كان الحلم الإيراني ينهار شيئاً فشيئاً، فإيران شغلت العالم ولعبت باقتصاده ورفعت أسعار النفط الى مستويات قياسية بعد التهديد الأول بإغلاق هرمز، واصابت صميم الاقتصادات العالمية بالضرر، لكن تلك كانت جولة فحسب، فاستدار العالم وعاقب ايران، في حرب لا مدافع فيها ولا طائرات، جعلت من الحكم بمجمله في مواجهة الشارع الذي دفع ثمن التمدد في امبراطورية غير قابلة للتحقيق على أراض عربية بامتياز.
اليوم الأول في حكومة روحاني هو زيارة الى المرشد الأعلى والعمل على طمأنته بأنه سيظل مكان احترام وتقدير، والمرشد هو اليوم في أضعف أيامه، وهذا كلام لا يقبله كثيرون، هو ضعيف فعلاً لأن إيران ليست كوريا الشمالية، والشباب الإيراني هو كأي شباب في العالم له طموحاته وأمانيه، التي لا يمكن أن تأتي على مقاس الساسة، وكلمة ربيع العرب لها أيضا ترجمتها الفارسية لذلك أدرك المرشد المسار القادم، واطلق خمسة من المحافظين في سباق محسوب على مقاسهم، وكان يدرك أنهم لن يصلوا السباق الذي سيخطفه منهم إصلاحي واحد، يحمل في عباءته كل الذين تعبوا من حقبة نجاد، الذي ركب أربع سنوات لم تكن له، وما ساعده في الماضي، عوامل خارجية تم حسابها نجاحات للسياسة الخارجية الايرانية، لكن الأربع سنوات التالية انتهت على سقف من الهموم والكوارث، فما أُنجزَ خارجياً تبين أنه محض خيال فحسب ومدن من رمال.
ايران امتلكت السلاح وسيطرت على العراق واخذته للحرب الاهلية مرتين، ودخلت اليمن والبحرين ولبنان وغيرها ونشرت عشرات الفضائيات الموجهة للعرب وغير العرب، استعدت من خلال الكثير منها مختلف الامة، لأن العقل الامبراطوري كان ينهض من تحت عباءة القوة، فهي لم تتعلم من حربها الطويلة مع العراق، التي كان الإصرار على الانتصار فيها يطيل امدها. تماماً كانت عودة نجاد للسلطة في السنوات الأربع الماضية تحت مظلة وهم الانتصار، فالإيرانيون أبدعوا في الصناعة، وأحدثوا نهضة مهمة في زمن الثورة، وكان بإمكانهم أن يكونوا نموذج هونغ كونغ الخليج، لكن العقل الإمبراطوري أخذهم ليكونوا بيونغ يانغ الخليج، امبراطورية وراء الاسوار.
النموذج الايراني طوال الحقبة الماضية كان يشبه النظام السوفييتي السابق، يقوم على حتميات تاريخية في الانتصار. كان في شقه الأول يسعى لانتصار على العراق خلال حرب الثماني سنوات، يشبه انتصار السوفييت في حربهم العظمى، وأما حقبة احمدي نجاد فكانت وفق ذات النظرية في إعادة هيكلة منظومة تشبه المنظومة الاشتراكية، وبقيت فترة الإصلاحيين هي النقطة الأهم في فترة حكمهم، لأنها أحدثت التوازن المطلوب داخليا وخارجياً، الذي تحتاجه كل دولة.
الحقبة القادمة في إيران، ستشهد تحولات هائلة على الصعيد الداخلي، وستكون ايران لأول مرة في تاريخها أمام نموذج الدولة، فهي طوال الحقبة الماضية لم تنتقل من الثورة الى الدولة، بل ظلت تدور ضمن هاجس الثورة، هذا الهاجس الذي أفقدها بناء الدولة، ومؤكد، أن فلسفة الحكم، ودور المرشد هما العقدة، لكن المؤكد أيضاً أن المرشد ومختلف المؤسسة الدينية يدركون اليوم أكثر من أي وقت، أن زمن الثورة اصبح من الماضي، وأن استحقاق الدولة في العصر الحالي هو مختلف تماماً عن التصورات على الورق.
لم تدرك ايران انها في قلب الامة وان هذه الامة تنتصر معا او تُهزم معا، ولكن أن يَهزمَ بعضها بعضاً فذلك محض خيال، لذلك ظل عملها الوحيد الذي قدمته لفلسطين هو الناجح والواصل لإيران بالعرب، فإيران أصابت بوصلتها في فلسطين، وأخطأت في إدارة الباقي، وهي إن كانت ستعود للمنطقة فمن بوابة فلسطين، هذا البلد الذي يختصر كل الطوائف في الأمة ويجمع كل الألوان والأعراق والعيون.
‘ كاتب فلسطيني