إيران وأمن العراق: دعوة لعلاقات مفتوحة

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

لم يرشح الكثير عن الزيارة التي قام بها الرئيس العراقي، جلال طالباني، الي ايران الاسبوع الماضي، سوي تأكيده بان الزيارة كانت ناجحة مئة بالمئة. ماذا يعني هذا النجاح؟ وهل كان محصورا بتوقيع مذكرتي التفاهم في قضايا الصناعة والتعليم؟ الرئيس طالباني قال ايضا ان الشعب العراقي سوف يستفيد من النتائج قريبا. الجانب الذي أشار اليه طالباني بشكل عابر قوله ان الجمهورية الاسلامية قدمت المساعدات للعراق بعد سقوط النظام السابق وانها سوف تساعد في احلال الامن. هذه الاشارة ربما تفسر التفاؤل الذي أبداه، حيث ان أهم تحد يواجه العراق اليوم يتمثل بغياب الأمن وانزلاق العراق نحو المزيد من الاحتقان الطائفي وما يستتبعه من قتل غير مسبوق علي الهوية والمذهب. العراق يعيش مخاضا عسيرا بانتظار استتباب الامن الذي يتيح له النهوض واعادة البناء ليمارس الدور المتوقع منه كبلد عربي مسلم عملاق قادر علي ترجيح كفة الامة في الصراع المتواصل خصوصا مع الاحتلال الاسرائيلي. فبعد 45 شهرا علي سقوط نظام صدام حسين، ما يزال الأمن سرابا يتراءي امام اعين الجميع لكنه لا يتحقق علي ارض الواقع. ومهما قيل عن اسباب غياب الامن، فلا يمكن اغفال دور قوات الاحتلال في ايصال الوضع الي ما وصل عليه، سواء بقصد ام اهمال ام فشل. فلا قوات الاحتلال الانكلو ـ أمريكية راغبة (أو قادرة) علي استعادة الامن، ولا هي مستعدة للسماح للعراقيين بالتعاطي مع الملف الامني بالطريقة التي يريدونها. وبسبب هذا الوضع اصبحت الاطراف السياسية جميعها تطالب ببقاء قوات الاحتلال حتي يتم التوصل الي صيغة تعيد قدرا من الامن لهذا البلد المعذب.

السؤال هنا: بعد هذه الفترة الطويلة من الفشل الذريع للسياسات الامنية لقوات الاحتلال، والمعاناة التي يعيشها العراقيون يوميا، واستمرار النزيف الداخلي بشكل متصاعد، هل من المعقول انتظار الوعود الانكلو ـ أمريكية بتأهيل القوات العراقية لاستلام الملف الامني؟ هل يملك العراقيون خيار الانتظار الي اجل غير مسمي حتي يتم التوصل الي نظام امني قادر علي وقف حمامات الدم والسيطرة علي العاصمة والمناطق التي تعاني من ذلك؟ المتفائلون يقولون ان من بين 18 محافظة عراقية، هناك اثنتا عشرة محافظة تتمتع بالامن بشكل شبه كامل، وان ثلاثا منها تعاني من اضطرابات امنية والثلاث الباقية هي محور الاضطراب الامني الخطير. بينما يري المتشائمون ان استمرار هذا الاحتقان من شأنه ان يوسع جغرافية الغياب الامني اذا لم يتم احتواء الأزمة وايجاد حلول سياسية وامنية لها. وهنا يمكن ملاحظة عدد من الامور. اولها ان مجموعة بيكر التي اجرت تقييما واسعا للوضع العراقي أوصت باعطاء كل من سورية وايران دورا في احلال الامن في العراق، وهو امر ما يزال كل من جورج بوش وتوني بلير غير قادرين علي استيعابه عمليا. وجاء اغتيال وزير الصناعة اللبناني، بيار الجميل، ليضيف المزيد من التوتر بين الولايات المتحدة وسورية. كما ان اتجاه الوضع اللبناني الي المزيد من التعقيد وعدم الاستقرار، بالاضافة الي الشد والجذب المتواصل حول ا لمشروع النووي الايراني، يحولان دون التعاون بين التحالف الانكلو ـ أمريكي وكل من سورية وايران. وما تزال واشنطن ولندن تبحثان الخيارات المتاحة امامهما. فقد تعرض الرئيس بوش الشهر الماضي لعقاب شعبي عندما صوت الامريكيون للديمقراطيين علي حساب حزبه الجمهوري، وادي ذلك الي سقوط دونالد رامسفلد وجون بولتون، سفير واشنطن لدي الامم المتحدة. اما توني بلير فهو يتعرض يوميا للانتقادات حتي تدنت شعبيته الي ادني مستوي لها منذ فوز حزبه بالانتخابات قبل قرابة عشرة اعوام. وجاءت تصريحات احد المسؤولين الامريكيين الاسبوع الماضي بان الادارة الامريكية تجاهلت بلير في اتخاذ القرارات وان العلاقات كانت باتجاه واحد (اي ان لندن تدعم واشنطن في سياساتها بدون ان يكون هناك دعم من واشنطن للندن)، لتمثل اهانة جديدة لرئيس الوزراء البريطاني الذي يعيش شهوره الاخيرة في منصبه. الحديث عن الدور الايراني في العراق ليس جديدا، بل هو نقاش متواصل منذ قيام الثورة الاسلامية في 1979. فاينما كان هناك تواجد امريكي توجهت أصابع الاتهام لدور ايراني مواز فيها. ففي منطقة الخليج التي تتواجد فيها القوات الامريكية علي نطاق واسع، كثيرا ما يشار الي الدور الايراني في منظومة الامن الخليجي بشيء من التشكيك والاتهام. وبعد اسقاط نظام طالبان، ارتفعت الصيحات ضد النفوذ الايراني في افغانستان، وعندما شن الاسرائيليون عدوانهم ضد لبنان في الصيف الماضي، كانت ايران (وسورية ايضا) الحاضرتين الغائبتين في تلك الحرب، واتهمتا بدعم حزب الله وتزويده بالسلاح. ولم تتورع قوات الاحتلال الاسرائيلية عن اتهام طهران بدعم المجموعات الفلسطينية الرافضة للكيان الاسرائيلي. ولكن هل ان هذه الاتهامات لا أساس لها؟ ان من السذاجة بمكان اعتبارها كذلك. فايران، كقوة اقليمية، لا يمكن ان تقف مكتوفة الايدي وهي تري الامريكيين يعيثون بأمن المنطقة بشكل تعتبره تهديدا لأمنها القومي. فوجود اكثر من 150 الفا من الجنود الامريكيين في العراق لا يمكن فصله عن الامن القومي لايران التي تشترك مع العراق في حدود يتجاوز طولها الالف كيلومتر. كما تعتبر وجود القوات الانكلو ـ أمريكية في افغانستان مرتبطا بشكل مباشر بأمنها القومي، وبالتالي لا تستطيع ان تتفرج علي ما يجري علي حدودها بدون ان تلعب دورا ما للتأثير عليه. فهل تتوقع الولايات المتحدة الامريكية ان ترصد ملايين الدولارات لدعم مشاريع التغيير السياسي في ايران، بدون ان يكون لطهران ردة فعل ضد سياساتها في المنطقة؟ وهل تتوقع ان تقف طهران موقف اللامبالاة وهي تري ابناء لبنان وفلسطين يتعرضون يوميا للقمع والعدوان الاسرائيلي بدون ان يكون لها موقف مدافع وداعم؟ في الشهر الماضي أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني، الدكتور اسماعيل هنية، ان ايران قدمت لحكومته 120 مليون دولار ووعدت بدفع المزيد. هذا في الوقت الذي أوقفت الدول الغربية دعمها للسلطة الفلسطينية بعد فوز حماس في الانتخابات البرلمانية في مطلع العام. وتحركت قطر الاسبوع الماضي معلنة انها ستدفع رواتب الفلسطينيين الذين يتعرضون لحصار اقتصادي غربي غير مسبوق.

وماذا عن العراق؟ هل يحق لايران ان تلعب دورا فيه؟ في الاسبوع الماضي قيل ان المملكة العربية السعودية سوف تتدخل بالمال والسلاح في العراق بعد الانسحاب الامريكي من ذلك البلد، بذريعة حماية العراقيين السنة، ولكن مصدرا رسميا سعوديا أنكر لاحقا وجود هذه الخطة. الواضح هنا حساسية استعمال المصطلحات لوصف اوضاع العراق. وهنا لا بد من الاشارة الي بضع حقائق: اولها ان العراقيين لم يكونوا طائفيين قبل الحرب الانكلو ـ أمريكية، وان جنوح بعض ابنائه للطائفية تطور جديد لا يستند الي ثقافة موروثة، او قناعات فكرية، بقدر ما هي املاءات سياسية لحظية. ثانيها: ان المروجين لهذه المصطلحات لا يخدمون العراق او شعبه او أمة العرب والمسلمين بشيء، بل يعمقون روح الخلاف وعقلية التمزيق والتبعية، ويسايرون مخططات خارجية لا تريد امن العراق واستقراره. ثالثها: ان الحروب الطائفية لا تؤدي عادة الي انتصار طائفة علي أخري، بل الجميع يدفع ثمن الاحتراب الداخلي، ونادرا ما يحصد أي من الاطراف شيئا يذكر. ومثال رواندا يؤكد هذا الأمر، وكذلك التجربة اليوغسلافية التي حركت الصرب ضد المسلمين والكروات، والتجربة اللبنانية، وفي جميع هذه الحالات لم يحقق الطائفيون أهدافهم، بل أضعفوا بلدانهم وارتكبوا جرائم ضد بعضهم البعض، وانتهي دور زعمائهم الذين زينوا الحرب والاقتتال في غياب المنطق والعقل. رابعها: ان الترويج للشعار الطائفي يعبر عن إفلاس سياسي من جهة، ورغبة في اثارة الفتنة الداخلية من جهة اخري، وضعف في الوعي السياسي من جهة ثالثة. خامسها: ان الشعب الواعي كثيرا ما يرتد ضد مروجي الفتنة في اوساطه، ويعيد ترتيب نفسه ويعاقب المتربصين بأمنه وتماسكه، خصوصا اذا كان هذا الشعب متعلما وواعيا. ان من المرفوض ان تتدخل الدول في شؤون الدول الاخري، ولكن من المستحيل ان لا يحدث ذلك التدخل، فمصالح الدول المتجاورة متداخلة، وما يجري في احداها يؤثر علي الأخري، وبالتالي فمن الناحية العملية يستحيل ان لا تتدخل الدول في شؤون بعضها البعض. والعراق اليوم اصبح بلدا مستباحا، لا ينحصر التدخل في شؤونه علي الدول الجارة، بل ان التدخل الاساس يأتي من الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا و اسرائيل. ولكل من هذه الدول اطراف تقر تدخلاتها، واخري ترفضها. فالطرف المستفيد من التدخل الامريكي مثلا، يغض الطرف عن تدخلاتها، وكذلك يفعل الطرف المستفيد من تدخل السعودية او الاردن او ايران. هذا امر طبيعي. ولذلك فالحديث عن التدخل الايراني لا يعكس الصورة كاملة، لان ايران ليست الدولة الوحيدة التي تسعي لحماية مصالحها بدعم هذا الطرف او ذلك. ما يميز الايرانيين انهم يتعاملون مع اغلبية العراقيين، وليس مع الشيعة فحسب. فهم اصدقاء تاريخيون للاكراد الذين لجأوا لايران في عهد نظام صدام حسين وحصلوا علي دعم من طهران. وبعض الاطراف السنية التي تقاوم الاحتلال من غير التكفيريين لها علاقات مع ايران. بل ان واشنطن كثيرا ما اتهمت طهران بايوائها بعض عناصر تنظيم القاعدة، وبانها تدعم بعض الاطراف التي تستهدف الاحتلال بشكل مباشر. وفي الوقت نفسه، تتهم ايران الامريكيين والبريطانيين بالتدخل في شؤونها ودعم عناصر تمارس العنف داخل اراضيها. وقد حدثت اعمال ارهابية داخل الاراضي الايرانية في الاعوام الاخيرة اتهمت فيها عناصر مدعومة من الاحتلال الغربي للعراق. ويأتي تصاعد اعمال الارهاب والتداعي الامني في هذا البلد المحتل ليكرس الضغط علي التحالف الانكلو ـ أمريكي الذي ساهم في تصاعد تلك الاعمال، ومن هنا انطلقت دعوة فريق بيكر للتفاهم مع كل من ايران وسورية لتلعبا دورا في احتواء الأزمة الأمنية المتفاقمة. ايران تحظي بموقع ملائم لتدخل ايجابي، ليس لممارسة النفوذ علي ذلك البلد، بل لمساعدته في عدد من الجوانب: اولها احتواء الازمة الامنية وذلك بمد الجسور مع كافة الاطراف العراقية وقطع الطريق علي محاولات تفتيت البلد علي اسس عرقية او مذهبية. ثانيها مساعدته للتخلص من الاحتلال، وذلك بدعم مؤسساته الامنية لاسترجاع السيادة من المحتلين. ثالثها: تعميق روح الحوار والتواصل في ما بين مكوناته لقطع الطريق علي محاولات التمزيق الطائفية التي لا تخدم اي طرف من العراقيين. المشكلة ان هنالك حساسية مفرطة تجاه ايران لعدد من الاسباب: اولها انها غير صديقة للدول الغربية الامر الذي يجعلها طرفا غير مرغوب فيه من قبل قوات الاحتلال، ثانيا: انها تتهم بدعم العراقيين الشيعة علي حساب السنة، برغم علاقاتها مع بقية العراقيين من الاكراد والسنة. ثالثا: ان اعطاءها دورا مباشرا في العراق لا يحظي بقبول بعض الدول الخليجية خصوصا السعودية التي تشعر بتراجع دورها الاقليمي خصوصا بعد تنامي ظاهرة الارهاب التي انطلقت من اراضيها. رابعا: الخشية من تنامي النفوذ الايراني في العراق، وهو ما تروج له وسائل الاعلام الغربية خصوصا في هذه الظروف التي اصبح المشروع النووي الايراني هاجسا للدول الغربية. هذه العوامل كثيرا ما سلطت الاضواء علي الدور الايراني في العراق وساهمت في تحجيمه خصوصا في المجال الامني. ويمكن القول ان ايران قد تكون أكثر كفاءة في التصدي لظاهرة العنف والارهاب، وتمتلك موقفا اخلاقيا مقبولا لدي الجميع بسبب رفضها المطلق للاحتلال ودعواتها المستمرة لخروج القوات الاجنبية ليس من العراق فحسب، بل من المنطقة كلها. مصلحة العراقيين تقتضي الاستعانة بمن يستطيع انتشالهم من جرائم الارهاب والطائفية والاحتلال، ودول الجوار، بمن فيها ايران، قادرة علي القيام بهذا الدور. المشكلة ان الدول الخليجية أضعف من ان تلعب دورا، ولو سياسيا، في ظل الهيمنة الامريكية علي المنطقة، وبالتالي فهي تتحسس من اي دور ايراني في العراق. ان من الخطأ الاعتقاد بامكان منع ايران من لعب دور في العراق، فبلد يشترك مع العراق في الف كيلومتر من الحدود، بالاضافة الي العلاقات التاريخية والدينية، لا يمكن ان يكتفي بمراقبة ما يحدث علي حدوده بدون ان يكون له دور او موقف. الأمر المؤكد ان لايران تأثيرا مباشرا علي عدد من الاطراف العراقية، الشيعية والسنية والكردية، وانها متواجدة من الناحية العملية علي الساحة العراقية، ومن الافضل للعراقيين جعل ذلك الوجود رسميا وفق اتفاقات علنية موقعة بين الطرفين، بدلا ان تكون سرية خاضعة للتأويلات والاتهامات. ولا شك ان ايران، بسبب علاقاتها مع العراقيين كافة، أقدر علي احتواء الازمة الامنية من قوات الاحتلال التي دمرت العراق وشعبه وامكاناته. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية