إيران و”حزب الله”: باقون ونتمدّد والسباق على القبائل العربية في سوريا!

رلى موفّق
حجم الخط
0

في التقييم الإيراني، ثمّة إيمان عميق بأن العلاقة الاستراتيجية مع روسيا في سوريا راسخة رغم الاختلافات في التفاصيل اليومية والامتحانات الصعبة على مرّ السنوات الماضية، سواء في ما خص المنطقة الجنوبية أو الضربات الإسرائيلية التي تستهدف الإيرانيين وذراعهم العسكرية الأبرز المتمثلة بـ”حزب الله”. التفاهمات الروسية مع إسرائيل تأتي على حساب مصالح طهران، لكن مساحات التباين تلك يتمَّ التكيُّف معها من قبل إيران وأذرعها، خصوصاً أن موسكو، منذ انخراطها المباشر في سوريا في أيلول/سبتمبر 2015، اعتبرت أنها غير معنية بقواعد الاشتباك مع إسرائيل.

راهنت إيران على تورّط روسي أكبر حيال إسرائيل قد تقود إليه طبيعة الوقائع على الأرض، لكن رهانها فشل ولا سيما بعد حادثة سقوط الطائرة الروسية ومقتل طاقمها أثناء غارة إسرائيلية على مواقع سورية في اللاذقية في أيلول/سبتمبر 2018، إذ انتهت الحادثة إلى تعزيز الخط الساخن بين رئاسة أركان البلدين وتجاوز تداعياتها. تعايشَ الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” مع حال “الضربات ما بين الحروب” التي تشنّها إسرائيل ضد مواقعهما في سوريا، فالاقتناع السائد لدى إيران بأن هناك أجندة مشتركة مع الروس تتناول رؤيتهما لسوريا بكليتها ومصالحهما فيها، وأن موسكو تعي جيداً أن واقع سوريا الجيوسياسي لا يزال يفرض حاجتها لها و”حزب الله” بالمعنى العسكري الميداني والاستراتيجي، ما دام مسار النهائيات لم يرتسم بعد في المنطقة.

فاللاعبون يُمسكون بأوراقهم، من الروس والإيرانيين إلى الأميركيين فالأتراك والكرد وحتى تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) الذي، وفق مراقبين قريبين من “المحور الإيراني” عاد إلى “الانتعاش النسبي” في الجغرافيا القبلية المتداخلة بين سوريا والعراق، وتذهب الأنظار إلى مخيم الهول الذي يأوي حالياً الآلاف من أُسَر عناصر “التنظيم” ويُعتبر معقلاً رئيسياً له. وهذا ما دفع الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله في ليلة العاشر من محرم إلى التحذير من عودة إنتاج “داعش” في سوريا والعراق، انطلاقاً من قناعة “المحور” بأن حركة الصراع في المرحلة المقبلة قد تتطلب استثماراً جديداً في ورقة التنظيمات السنيّة المتطرفة ما دام التفاهم مع إيران التي تدير التنظيمات الشيعية لم يحصل بعد.

الكل يترقب ماذا سيكون عليه مشهد المنطقة على وقع الانتخابات الأمريكية بعد أقل من شهرين، واستحقاقات السنة المقبلة التي تشمل الانتخابات الرئاسية الإيرانية والسورية والانتخابات المبكرة العراقية التي تعهد بها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي. المتوقع أن يبقى الوضع الراهن على ما هو عليه. لا تبدّل فعلياً قد يطرأ بانتظار مآل المنطقة بالنسبة إلى الاتجاهات التي ستسلكها، والتي على أساسها يمكن بناء الحسابات. فمن غير الواضح ما إذا كانت المنطقة أمام انسحاب أمريكي ومَن هي الجهات التي ستملأ هذا الفراغ، أو ستكون أمام تقسيم للنفوذ، أو إدارة للخلاف، أو جولة جديدة من الصراع.

حرصَ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف خلال زيارته إلى موسكو، بعد الاتفاقية الإيرانية – الصينية، على التأكيد بأن العلاقة الاستراتيجية مع الصين لا تتناقض مع العلاقة الاستراتيجية مع روسيا بل تتكامل معها. وقبل مدّة زار وفد إيراني رفيع قاعدة “حميميم” العسكرية في إطار تأكيد ثبات العلاقة. الكل يعمل على خلق وقائع حيث هو. إيران تعمل بقوة على تعزيز تواجدها شرق الفرات. هي خففت تواجدها في الوسط، في حماه وحمص وسلّمت مكانها لـ”حزب الله” لمصلحة تقوية وجودها في مناطق شرق الفرات المتداخلة المصالح بين الأمريكي والروسي والتركي والكرد وإيران وأذرعها.

يقول أحد منظري “حزب الله” إن إيران و”الحزب” وقوات الدفاع الوطني التابعة لجيش النظام السوري عمدوا منذ استعادة مناطق شرق دير الزور إلى التواجد بقوة هناك، والعمل على الأرض وسط القبائل العربية حيث لا أكراد. الكلام عن جغرافيا واسعة تشمل أجزاءً من محافظات دير الزور والرقة والحسكة وريف دمشق، تؤمن عند البوكمال على الحدود العراقية – السورية تواصلاً برياً مع العراق وتصل إلى تدمر وحتى حمص. منطقة شاسعة متصلة تعمل إيران فيها على إقامة بنى تحتية ضخمة ومنشآت تحت الأرض وأنفاق، وتبني علاقات مع العشائر العربية في دير الزور التي هي عنوان استقطاب فعلي من قبل الجميع نظراً إلى استراتيجية مناطقهم وتداخلها الجغرافي السوري – العراقي.

على الدوام، يُردّد منظرو “المحور الإيراني” إن ما يجعلهم يعضّون على وجع الضربات الإسرائيلية التي تستهدفهم في تلك المنطقة الشاسعة وفي الجنوب السوري هي ما يحققونه من خطوات متقدمة في بناء أرضية صلبة قادرين على توظيفها واستثمارها مستقبلاً. حين يتم استهداف أسلحة كاسرة للتوازن لهم، لا يحتسبون ما خسروا بل ماذا نجحوا في تمريره. بالنسبة لهم يتغلغلون في النسيج السوري، يرسّخون وجودهم، يخلقون وقائع ديموغرافية وميليشيات سورية تابعة لهم، يوقّعون على مشاريع حيوية كبرى، لا يفوّتون أي فرصة لمزيد من تشبيك العلاقة مع نظام الأسد عبر اتفاقيات أمنية وعسكرية واقتصادية. فكيفما جاءت الرياح، هم موجودون، ولن يكون سهلاً الإطاحة بما تم بناؤه ما قبل الحرب والسورية وخلالها، وما بعد استعادة الكثير من الأراضي السورية التي كان فقدها النظام الذي استطاع أن يُحافظ على دمشق، مكرّساً مقولة “مَن يُمسك بدمشق يُمسك بسوريا”.

فبالرغم من السعي الأمريكي، بالتوافق مع الروسي، لإخراج إيران و”حزب الله” من سوريا، إلا أن لسان حالهما يقول: “باقون ونتمدّد ولن نتعب من خلق بيئات مؤيدة لنا ولمشروعنا.. ونحن ننتظر”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية