مع وصول أعداد غفيرة من اللاجئين السوريين إلى تركيا وتجاوزها 3 ملايين لاجئ، خلال سنوات الحرب والتهجير في بلادهم، باتت الحاجة إلى الدعم ركيزة أساسية لتأمين احتياجات كل هؤلاء، وعلى كل الصعد. إذ لا يقتصر الأمر على الإغاثة العاجلة كالطبابة والغذاء، بل يتعداه إلى حاجات نفسية واجتماعية وثقافية أكثر شمولاً وأبعد استراتيجياً.
بصمة إيطالية
تمكنت سيدة إيطالية من تقديم خدمات كثيرة للاجئين السوريين على الأراضي التركية خلال أعوام قليلة، ما أكسبها شهرة واسعة بين السوريين المقيمين في ولاية كيليس جنوب غربي تركيا، وجعلها شخصية بارزة في مجال العمل الإنساني، في ظل انتشار واسع للمنظمات الأجنبية والإقليمية والمحلية المعنية بأوضاع السوريين في دول الجوار السوري.
إيزابيلا تشياري اختارت مدينة كيليس تحديداً بسبب تركز السوريين فيها بأعداد كبيرة، حيث تبلغ قرابة 140 ألف نسمة، وبنسبة مواليد تتزايد لتصل إلى أكثر من 4000 خلال عام 2018. كما تبلغ نسبة السوريين فيها حوالي نصف عدد قاطني المدينة، بالإضافة لقربها من الحدود مع سوريا، فهي تقع على الطرف التركي المقابل لمدينة اعزاز السورية شمال حلب. وعن كيليس تقول إيزابيلا: “تجربتي في ولاية كيليس في تركيا فتحت أمامي عالماً جديداً وسمحت لي بأن أعيش مع الناس وأن أشاركهم آمالهم وآلامهم وطموحاتهم وجهودهم لبناء حاضر ومستقبل بعيد عن الحرب”.
بدايات العمل الإنساني
قالت إيزابيلا لـ”القدس العربي” إنها كانت تأتي إلى سوريا باستمرار قبل عام 2011 وقد أسهمت مع فريق جامعي إيطالي في اكتشاف آثار إيبلا الشهيرة في سوريا.
وأضافت أنها تعلمت اللغة العربية بسبب حبها لسوريا، موضحة أنها تركت سوريا مع اندلاع الثورة عام 2011 وقررت دعم اللاجئين السوريين “بدون تردد” على حد تعبيرها.
وعن بداية عملها في المجال الإنساني، تقول بدأ من خلال مساعدتها لفرق إنسانية كانت تعمل في معبر باب السلامة الحدودي مع تركيا، حيث كان المعبر نقطة تمركز المنظمات الإنسانية العاملة في الشمال السوري منذ عام 2011 وحتى يومنا هذا.
وأشارت إلى أنها بدأت تهتم بالشأن التعليمي بإمكانيات بسيطة مع عدم توفر الكتب للأطفال حينها، حيث شعرت بوجود أهمية قصوى لتعليم الأطفال المنقطعين عن الدراسة خلال أعوام الحرب الطويلة.
وتابعت أنها منذ تأسيس المنظمة عام 2013 تأتي إلى تركيا وتبقى فيها ستة أشهر كل عام، فهي تتنقل باستمرار من إيطاليا إلى تركيا وكلما انتهت صلاحية إقامتها، وتعود وتجددها.
إنشاء المنظمة
قالت إيزابيلا إنها رأت الأطفال السوريين يكبرون بلا تعليم، وكثير من اللاجئين مشردين بين دول العالم بسبب “الأطماع والخلافات السياسية” واصفة ذلك المشهد بعبارة “فلتسقط السياسة ولتحيا الإنسانية” مشيرة إلى أنها زارت مخيمات النازحين واللاجئين داخل وخارج سوريا وشاركتهم بعض الأنشطة الترفيهية، لتتطور الفكرة فيما بعد وتتحول إلى عمل منظم بكوادر وخطط، وتلخص ذلك بالقول إن “الأطفال فقدوا منازلهم ومدارسهم وأصدقائهم والنساء فقدوا أمنهم واستقرارهم والرجال فقدوا لقمة عيشهم وحريتهم. فأين تكمن متعة الحياة وكيف نسعد ونحن نرى إخوتنا في هذه المآسي؟”.
العمل على الأرض
وحول أنشطتها الحالية، أردفت قائلة إن أنشطة منظمتها “الأمل” تشمل عدة مجالات، منها أنشطة للأطفال والنساء.
وتعتبر إيزابيلا من الشخصيات الأكثر حضوراً على الأرض بين العاملين في هذا الشأن، وتنشر صورها باستمرار على مواقع التواصل الاجتماعي تشارك خلالها في المناسبات المختلفة وتخالط جميع من يعملون معها أو يستفيدون من أعمالها.
سألناها عن مصدر الدعم الذي تحصل عليه، فأجابت قائلة إن ذلك يتم بواسطة حملات تبرعات أو أسواق خيرية تقام في مدن إيطالية عدة أهمها العاصمة روما، تمكنها من تقديم تمويل لأعمالها وصفته بـ “البسيطة” ثم تأتي بذلك الدعم إلى مكاتب منظمتها في مدن الجنوب التركي، وتحديداً غازي عينتاب وكيليس.
تحدثت بلغة عربية ضعيفة لكنها مفهومة، بالإضافة لحديثها باللغتين الإيطالية والإنكليزية، وفي هذا الإطار تقول إنها استفادت في تعلم اللغة العربية عبر زياراتها لسوريا قبل الحرب ومخالطتها بشكل مستمر للسوريين في تركيا بعد ذلك، وهي تجوب الدول الأوروبية باحثة عن دعم لمشاريعها، من خلال حضور مؤتمرات ولقاء شخصيات مرتبطة بالشأن الإنساني والتعليمي.
وقفات
لاحظنا أنها تنتقد بشدة العنف ضد الأطفال، وتكاد تحظر ذلك في مؤسساتها، وترى أن ذلك يهدد سلوكهم ويجعلهم أكثر عرضة للاضطراب النفسي فوق ما يعانيه الأطفال أصلاً من ويلات الحرب والتهجير والفقر.
وعلمنا من خلال الحضور في مراكز عملها، ومحتوى منشوراتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أن الأنشطة تتنوع بين الرسم والرياضة والتعليم والترفيه، وتحظى بتفاعل واسع من الأطفال الذين يشاركون بالعشرات، ويتقبل الأهالي الفكرة مع حاجة أطفالهم للترويح عن أنفسهم بعيداً عن ذكريات الحرب، والمشاهد الصادمة المتكررة على شاشات التلفزيون ومواقع التواصل.
وأوضحت إيزابيلا لـ”القدس العربي” أن عدد المستفيدين من خدمات المنظمة في عموم تركيا وصل إلى أكثر من 3000 شخص معظمهم أطفال ونساء، بيد أن نسبة الأطفال تجاوزت 65 في المئة.
ملف الاندماج
أما عن الأهالي فرأيناهم يشاركون في أنشطة المنظمة ويساعدون إيزابيلا ويدعمونها في المقابل، في موقف لافت، إذ أن المعتاد هو المساعدة من طرف واحد عبر تطبيق فرضية (الدعم من المنظمة والاستفادة من المحتاجين للدعم).
وحول مسألة اندماج السوريين مع الأتراك، الشغل الشاغل للمنظمات الدولية والمؤسسات التركية كافة، تعمل منظمة “الأمل” على إقامة أنشطة توعوية حول الاندماج، خاصة مع طول مكوث السوريين في تركيا، إذ يوجد بعضهم في ولاية مثل كيليس منذ العام 2012.
والاندماج مسألة يطلبها الجميع هنا في تركيا، أول خطواتها كسر حاجز اللغة بين الأتراك والعرب، وتقبّل جميع سكان الولايات لعادات وتقاليد بعضهم البعض، واستيعاب التنوع للتخفيف من وقوع حوادث عنصرية يراها ويسمعها باستمرار من يتابع أخبار السوريين في تركيا.
زكريا أحد أعضاء المنظمة، سألناه عن الأنشطة الرياضية فأجاب بالقول: “إيماناً منا بأن العقل السليم في الجسم السليم نهتم كثيراً برياضة الأطفال، حيث نقدم نشاطات في كرة القدم وكرة السلة وكرة الطاولة بالإضافة لتدريبات اللياقة البدنية، أكثر ما نهتم به ما يحبه الأطفال حيث اللعبة الشعبية للكثيرين (كرة القدم) لدينا فريق أشبال وناشئين باسم فريق الأمل، ندربهم في ملعب دولي بشكل شبه يومي، ونشرف على دورة المحبة لكرة القدم في مدينة كيليس التي تقام سنوياً ويشارك فيها ما يقارب عشرة فرق من جمعيات ومنظمات في المنطقة وتستمر لمدة شهر كامل”.
مواقف طريفة
سألنا إيزابيلا عن المواقف الطريفة التي حدثت معها خلال عملها الطويل بين اللاجئين، فأجابت: “أطفال صغار كانوا يرتادون بيت الأمل منذ عام 2013 وهم في المرحلة الابتدائية وقد أصبحوا الآن شباباً وفتيات في المرحلة الثانوية وما زالوا يزورون بيت الأمل بشكل دائم وكأن قلوبهم معلقة به، لقد أحبوه كثيراً وكانوا ينتظرون انصرافهم من المدرسة ليأتوا إليه ويلعبوا ويمرحوا ويفرحوا ويتعلموا، وأجمل ما كنت أسمعه من كلامهم البريء عندما كانوا يتهامسون فيما بينهم: (لا نريد أن نذهب لبيوتنا نريد أن نبقى في بيت الأمل (المنظمة) متى سيأتي الغد لنعود إلى هنا؟)”.
وأضافت: “من الأشياء الجميلة أيضاً الحفلات التي كنا نقيمها سنوياً إما بمناسبة ذكرى تأسيس بيت الأمل أو بإفطار رمضاني أو في نهاية النادي الصيفي، حيث أجمل الذكريات كانت في أوقات التدريب لهذه الحفلات، فبالرغم من التعب الشديد حينها إلا أننا كنا نستمتع كثيراً وخصوصاً عندما نلاقي ثمار تعبنا، فقد علمنا بعض الأطفال أغانٍ باللغة التركية وأخرى بالإيطالية والمفاجأة أن لهجتهم فيها كانت رائعة وأحبوها كثيراً”.
تحديات العمل
سردت إيزابيلا جملة مصاعب تواجه عملها في تركيا، أهمها “الروتين الصارم للجمعيات في تركيا” وندرة المنظمات الدولية التي تتابع أحوال السوريين في حي “قرطاش” في ولاية كيليس في مجالات “الدعم النفسي، ترفيه الأطفال، التعليم، الثقافة، الاندماج.. الخ”.
ونوّهت إلى أن المنطقة تحتاج لكثير من الدعم مع الصعوبات المعيشية والاجتماعية التي يعانيها قاطنوها، كما طالبت الجهات الداعمة بالتعاون في سبيل إنجاز مشاريع مستقبلية.
آمال للمستقبل
وتأمل الإيطالية كثيرة الحركة، أن تستمر في العمل في المنطقة التي تحبها من كيليس، حي “قرطاش” حيث تنتشر أعداد كبيرة من السوريين ذوي الدخل المحدود، يعمل معظمهم في أعمال شاقة ومهن مختلفة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، كما تطمح لتطوير فرص العمل التي ترى أنها أكبر مشكلة تواجه السوريين حالياً، مع شحها في ولاية كيليس، الأمر الذي دفع بالكثير من الشبان والعائلات للرحيل صوب التجمعات الصناعية والمدن الكبرى في العمق التركي.