كلما أرادوا تناسيها، قامت من رفاتها. كلما أرادوا محو اسمها ازداد وضوحاً. هكذا هي إيزابيل إيبرهارت. عنيدة في مماتها كما كانت في حياتها. أكثر من قرن من الغياب مع ذلك فهي لا تزال تعانق الأذهان، لا تزال عالقة في مخيلة الناس، على الرغم من المآسي التي تلاحق ذكراها، فقبل أيام انتشر خبر أثار عاصفة من الردود، انتشرت صورة صادمة: جرافة تهدم بيت إيبرهارت في بلدة العين الصفراء (جنوب غرب الجزائر). لا أحد يُبالي بأهمية المكان، وبأن هدم بيت من سقف آيل للسقوط مع جدران متشققة إنما هو هدم لذاكرة المدينة، بل ذاكرة بلد.
لم تفكر السلطات أو أي واحد ممن يملكون مالاً في ترميم مسكنها الأخير، قبل أن يجرف طوفان بدنها الهزيل خريف 1904 فإيبرهارت التي يلتف حولها قراء ومثقفون، تنكّر لها أصحاب السلطة والمال. إنها أجنبية.. أوروبية.. ليست جزائرية، أو هكذا يقولون. لم نرتق مرتبة نؤمن فيها بأن الجزائري هو من عاش أو كتب عن الجزائر، أو انتمى إليها، ولم لا أن يكون فقط زارها أو سكنت مخيلته، بغض النظر عن دمه أو عرقه أو أصله أو عقيدته، فلأنها تحمل اسما غير جزائري، تكالب عليها المحافظون الجدد. يظنون أن إسقاط اسمها من الذاكرة إنما هو انتصار للعرق الأصيل، للدم النقي، متغافلين في حفلة نهشهم لحم ميتة أنهم يدفنون ماضيهم كلما هدموا حجرة من بيتها. حصل ما حصل إذن، وسقط سقف كان يحضن ذاكرة الكاتبة السويسرية الأصل، الجزائرية الانتماء، ولن تكون هذه آخر حلقات معاداة الكاتبة، فقد شهدنا مثلها في ما سبق، وسوف نشهد غيرها في المستقبل. فمن أين يخلق هذا العداء إزاء كاتبة عاشت وكتبت ودافعت عن الجزائر؟
تحرير التاريخ
كانت الجزائر ملعباً للمستشرقين، في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، يحجون إليها فيرسمون فيها لوحاتهم، أو يدونون يومياتهم تحت الشمس أو في ظلال الواحات ـ متجاهلين ما يجري في الواقع من احتلال ـ أو يكتبون عن بؤس الأهالي وشقاء عيشهم بنظرة مشفقة. كانت البلاد في نظرهم معبراً للألوان وللحكايات، كانت الشرق الأقرب إلى الأوروبيين، وكانوا في الغالب رجالاً، من أوجين دو لاكروا إلى إيتيان دينيه، من أوجين فرومانتن إلى غي دو موبسان، ولم ترد من بينهم امرأة. غالبية الأجنبيات وصلن إلى الجزائر في زيارات قصيرة (على غرار إديث مود هول)، فصارت إيزابيل إيبرهارت، الأوروبية الوحيدة التي استقرت في أرض الجزائر، زمن الاستعمار، ومن هنا تبدأ معاداتها، فقط من كونها امرأة، فأكثر التهم التي توجه إلى ذكراها: ماذا جاءت امرأة تفعل في بلادنا؟ لم يرد الناس تصديق أنها جاءت عاشقة وانتهت كاتبة، وبين اللحظتين عاشت حياة الأهالي في تفاصيلها. عرفت الفقر والجوع والمرض والعطش وقلة المال والحيلة. «حمّى. شدة ظمأ.
لم تنشر إيزابيل إيبرهارت شيئاً، في حياتها، عدا مقالات وبعض القصص القصيرة، ولم تظهر كتبها سوى بعد رحيلها، بمبادرة من صديقها الصحافي فيكتور باريكان، الذي جمع أعمالها، حررها ونشرها بعد أن شوهها طبعاً، فإذا كانت تنوي الإساءة إلى مجتمع الأهالي فقد كان بمقدورها أن تنشر أعمالها في حياتها!
عدم إيجاد ما يؤكل. العيش على الخبز»، هكذا كتبت في يومياتها تعبيراً عن حالتها الصعبة، بل إن الناس يشككون أيضاً في مسألة إسلامها.. لم يسبق لأحد أن شكك في اعتناق الفنان الفرنسي إيتيان ديني (1861- 1929) الإسلام، لكن يخالجهم ارتياب من إسلام إيبرهارت (1877- 1904) وذلك انسجاماً مع نظرية المؤامرة التي تخيم على الذهنية المحلية، وعلى الرغم من أن هذه الكاتبة كرست حياتها ـ على قصرها ـ في تدوين حياة الأهالي في واقعية خالصة، مبتعدة عن الكليشيهات الكولونيالية، بل إنها أدانت في قصص قصيرة لها، كما في يومياتها، ممارسات الاحتلال، فإن ذلك كله لم يشفع لها. «تعلقت بهذا البلد ولا أرغب في أي حال من الأحوال أن أحدث أي تغيير في نمط عيشي»، كتبت مرة. تزوجت من جزائري (سليمان إهني)، وقد تعلمت العربية وكتبت بها، مع ذلك لم تفلت من مشنقة التخوين. ماذا جاءت تعمل في جنوب البلاد؟ يتساءل بسوء نية خصومها، هناك من يقول إنها كانت جاسوسة عملت لصالح الاستعمار، هل من يعمل لصالح الاستعمار يُطرد ويُهجر ويُفقر كما فعل معها الفرنسيون نهاية القرن التاسع عشر؟ هل من يعمل جاسوساً يعيش فقيراً يركب البغال كما كانت حالها؟ ثم حول ماذا بوسعها أن تتجسس وهي التي أقامت في صحراء الجنوب، حيث لم تتح للناس حياة رفاهية، وحيث سبل الهلاك أسهل من سبل العيش؟ مأساة إيزابيل إيبرهارت، التي قضت نصف أيامها في الجزائر تصارع الحمى والمرض، تتأتى من كونها امرأة، ذلك ما لم يغفره لها من يودون محو ذاكرتها اليوم. يتسامحون مع أوروبيين آخرين، بل يحتفون بهم، على الرغم من إرثهم الثقيل في تنميط صورة الأهالي، وفي السخرية منهم وفي الترويج لبؤسهم وفي الإعلاء من شأن الاستعمار بوصفه حملة حضارية، بينما يصيرون على معاداة امرأة، على الرغم من أنها عاشت على النقيض من أولئك المستشرقين الآخرين.
مسودات الحياة الجزائرية
لم تنشر إيزابيل إيبرهارت شيئاً، في حياتها، عدا مقالات وبعض القصص القصيرة، ولم تظهر كتبها سوى بعد رحيلها، بمبادرة من صديقها الصحافي فيكتور باريكان، الذي جمع أعمالها، حررها ونشرها بعد أن شوهها طبعاً، فإذا كانت تنوي الإساءة إلى مجتمع الأهالي فقد كان بمقدورها أن تنشر أعمالها في حياتها! هذه التفاصيل لا تعني خصومها، فهم لا يودون سوى ترسيم تهم لها، إرضاء لأنفسهم لا انصافاً للتاريخ. لم يستوعبوا أن امرأة وحيدة، بل شابة في مقتبل العمر مثلها، تغامر وتسافر في بقاع البلاد الجنوبية، منتحلة صفة رجل درءاً للمتحرشين، تلبس مثل الذكور، بل تتقمص اسماً مذكراً: سي محمود. لو أن الكاتبة استقرت في مكان واحد، في عنابة أو باتنة أو بوسعادة أو غرداية أو وادي سوف أو القنادسة أو العين الصفراء، لما جنت أعداء لها يحاكمونها بأثر رجعي. يكفي أنها غامرت وسافرت وطافت بين أرجاء البلاد، فكشفت عورة رجال، زيفهم، تحرشهم، خوفهم من النساء، ما جرح ذكورتهم وانتهك فحولتهم، فجعلوا منها خصمهم الأول. مباشرة عقب الاستقلال أزالوا اسمها من الشوارع، سحبوا كتبها من التداول، ونسبوا إليها الكبائر والفظائع، مع ذلك عجزوا عن محو اسمها أو من منع الناس من الوصول إلى نصوصها. ونحن اليوم نتفرج على سقوط بيتها (مع أن البعض يقول إن بيتها الأصلي يُجاور المسكن الذي هُدم، وذلك لا يغير من الواقع شيئاً)، فندرك كما كانت تلك الكاتبة واضحة مع نفسها ومع غيرها، أنها كلما عُزلت بعد موتها، فإن طيفها يزداد إصراراً على الحضور.
روائي جزائري