في محراب ساقية الصاويالقاهرة القدس العربي من كمال القاضي: في مهرجان المسرح التجريبي وعلى مدى دوراته كلها كانت مصر تستضيف فرق مسرحية من كل دول العالم، ولأن طبيعة هذا اللون من الفن المسرحي تتسم بالغرابة والإغراق في الرمزية والتجريب والتجريد فإن حلقات الجدل والحوار والنقد لم تكن تنقطع فكثيرا ما تعرض المهرجان والداعي له والجهة المنظمة للهجوم من زاوية فنية بحتة.لكن أحدا ممن تناولوا الحدث الفني السنوي الكبير لم يتهم الفرق والعروض بالخروج عن النسق الديني والأخلاقي ولم يشكك في هوية الأعضاء المنتسبين لهذه الفرق ويطعن في انتماءاتهم الدينية، إذ لم يتردد أن واحداً فقط من أبطال الفرق المحلية أو الدولية من عبدة الشيطان أو الأوثان أو غيرها، فقضية الشياطين والشيطنة ظهرت منذ سنوات وتناولتها وسائل الإعلام باعتبارها ظاهرة تخص مجموعة من الشباب تسللوا الى قصر البارون بحي مصر الجديدة ومارسوا أفعالاً وطقوساً غريبة ليس الفن من علاماتها، فلا علاقة لهؤلاء بالموسيقى أو الغناء أو المسرح!ما يستجد انه في إطار موجة التشدد لتي صاحبت صعود تيارات الإسلام السياسي بدأت الصراعات تطفو على السطح بين النخبة المثقفة التي تمثل تيار الحداثة في الفن بكل تنويعاته وبين أولئك الذين يرفضون الفن شكلا وموضوعاً ويعتبرونه رجس من عمل الشيطان، ولأن الشيطان قاسم مشترك بين كل الفنون من وجهة نظر جماعة الإسلام السياسي فقد انسحب تعريف ‘عبدة الشيطان على كل من له صلة بالفنون الحداثية وغير الحداثية، ذلك أن الذين يستخدمون هذا التعريف لم تطأ قدم أي منهم المسرح في حياته ولا شاهد عرضاً مسرحياً من أي نوع ولا حضر حفلاً موسيقياً منذ ولدته أمه، وبالتالي فإن أجواء الفن غريبة عليه وأي إبهار تقني أو فني أو بمثابة صدمة، ومن ثم فالتأويل الأسهل بالقطع سينحرف بالعقل والذائقة إلى التفسير السلبي الذي يتفق مع طبيعة الشخص وثقافته فتعاطى الفن فطره واستعداد شخص ونوازع لا تتوافر عناصرها في من يجهلون طبيعة الموسيقى ولا يمتون لمدارسها بصلة.لو أن الذين قدموا بلاغا في ساقية الصاوي متهمين إياها بالترويج لممارسات عبدة الشيطان سمعوا مقطوعة موسيقية لبتهوفن أو موتسارت أو فردي أو حتى محمد عبدالوهاب سيكون رأيهم أنها إضافة لمزيد من الترويج للشيطان وعبيده الجدد، فالمشكلة ليست في نوع الموسيقى وإنما في الموسيقى ذاتها فهي مرفوضة أياً ما كانت، وهذه إشكالية يصعب حلها لأنها تتصل بالمكون النفسي والإنساني والثقافي للشخص ذاته.لقد أنشأ وزير الثقافة الراحل ثروت عكاشة أكاديمية الفنون في ستينيات القرن الماضي إبان عهد الرئيس جمال عبدالناصر لمحو الأمية الثقافية فعمل على تدريس السينما والمسرح والموسيقى والنقد والباليه لمواكبة لتطور الفني والحضاري لأنه كان يدرك أن الفن لغة الشعوب وعنوان المجتمعات الراقية، وبالفعل ازدهرت حركة الفنون في الستينيات وكونت مصر رصيدا وفيرا من كل الروافد الثقافية كان بمثابة حماية حقيقية من الجهل والأمية.ولكن لأن الرئيس السادات انشغل بقضية الخصوم اليساريين وعمل على تأسيس حركة إسلامية لمناهضة اليسار تغيرت المفاهيم وتم إقحام الدين في كل شيء وبدأت حملات التشويش بالحلال والحرام ووقف المشروع الثقافي على المحك وانهارت تدريجياً دولة ثروت عكاشة الفنية الحضارية التي أفنى حياته في بنائها وتشييدها وحل محلها نتوء لثقافة جديدة مختلفة في اللون والطعم والرائحة، وهي التي تم تغذيتها حتى صارت النتوءات الصغيرة أشجاراً من غاب كثيف.هذه الخلفية هي حقيقة ما آلت إليه الفنون في مصر وما تسبب في تهديدها على النحو المخيف الذي يجعل من مجرد حفل موسيقي مدعاة للتكفير والرجم بالحجارة وانشقاق بين قوتين، قوة ليبرالية تؤمن بحرية التعبير والإبداع وقوة أخرى دينية ترى في المصادرة والتكبيل والقمع دفاعاً عن القيم وصوناً للأخلاق، إلى هذا الحد صار الخلط وبات انتزاع الحرية أمراً مكلفاً لمن ينزعون إليها.إن الذين يجرمون الموسيقى ويرونها عملاً شيطانياً ولا يعرفون أنها علم له أصول وقواعد يتصل بعلم الاستماع وتجويد القرآن الكريم، لذا فإن جميع مقرؤ القرآن درسوا المقامات الموسيقية، البياتي والسيكا والدوكا والراست والحجاز والصبا والنهاوند، وذلك لتنضبط ايقاعاتهم الصوتية وتدرب آذانهم على النغمة السليمة فيتذوقوا القرآن قبل أن يقرأوه.وأيضاً المنشدين يدرسون علوم الصولفيج والإيقاع والعزف للتحكم في نبرات الصوت والنفس، كما أن الآذان يخضع لذات القواعد ولا يمكن للمؤذن الذي يمتلك موهبة أن يكون مؤثراً بصوته وأدائه إلا إذا مر بمراحل الدراسة السابق ذكرها، ولمن يجهلون الموسيقى وعلومها نؤكد أن أي اجتهاد في قراءة القرآن الكريم أو الإنشاد الديني أو الآذان أو الابتهالات هو اجتهاد عشوائي تأتي نتائجه حتماً سلبية طالما انه لم يخضع للقواعد العلمية ولم يتدرب صاحبه على الممارسة الصحيحة.كل هذه الدلائل نسوقها لنبريء الموسيقى من تهمة الفعل الشيطاني والموسيقيين من عبادة الشيطان نفسه!!