لندن ـ “القدس العربي” ـ من إبراهيم درويش:
تساءلت مجلة “إيكونوميست” عن ديمومة الاتفاقية الروسية – التركية وإن كانت تعتبر توقفاً قصيراً في الحرب منع المذبحة المقبلة في إدلب أم هدنة دائمة. وجاء في التقرير أن السكان في آخر معقل للمعارضة السورية، شمال غربي سوريا بدأوا يحضرون للمشهد الكئيب تحسباً لهجوم كانت روسيا ستدعمه ضد منطقتهم. وقام بعضهم بوضع المؤن في الملاجئ البدائية وملأوها بالخضروات المخللة مع أن الكثيرين يعانون من أجل توفير عام اليوم.
وقام آخرون بصناعة أقنعة ضد الغاز السام، بدائية أيضاً وحشوها بالقطن والفحم والأكواب المصنوعة من الورق تحسباً لاستخدام نظام بشار الأسد الأسلحة الكيميائية. وكان الهجوم على إدلب محتوماً حيث حشدت روسيا بوارجها على الشواطئ السورية فيما حشد النظام قواته على أطراف المحافظة. وبدأت الطائرات الروسية وتلك التابعة للنظام بغارات دمرت فيها المستشفيات والمدارس. وأرسلت تركيا التي تدعم المعارضة السورية قواتها إلى المنطقة فيما حذرت الأمم المتحدة من أكبر كارثة إنسانية تلوح بالأفق.
إلا أن الدبلوماسية وبلحظة ما انتصرت. ففي 17 إيلول (سبتمبر) اتفقت تركيا وروسيا على بناء منطقة عازلة حول إدلب لفصل قوات النظام عن مقاتلي المعارضة. وسيرسل البلدان شرطة عسكرية وطائرات بدون طيار لمراقبة المنطقة العازلة ومساحتها 14-19 كيلومتراً. ويجب على المقاتلين في هذه المنطقة التخلي عن أسلحتهم الثقيلة بحلول 10 تشرين الاول (أكتوبر) ويجب على هيئة تحرير الشام المرتبطة بتنظيم القاعدة الانسحاب كلياً.
ورغم أن التفاصيل عن الاتفاق غير واضحة إلا أنه تم تجنب الحرب، على الأقل في الوقت الحالي. وتعلق المجلة أن كلا البلدين-روسيا وتركيا-لديها مصلحة في تجنب الحرب. فمن ناحية تركيا تخشى أن تؤدي معركة دموية في المحافظة إلى دفع معظم سكان المحافظة الذين يتراوح عددهم ما بين 2-3 مليون نسمة باتجاه الحدود التركية مضيفين أعداداً جديدة إلى 3.5 مليون لاجئ يعيشون الآن في تركيا. أما بالنسبة لروسيا فإن دعمها لهجوم عسكري قد يقتل عشرات الآلاف وسيضعف من محاولاتها إقناع الغرب المساهمة في إعمار سوريا ما بعد الحرب وأن النظام السوري جاد في البحث عن تسوية سياسية ونهاية للحرب.
وتضيف المجلة أن هذه هي الاعتبارات لكن لا يمنع ذلك من حدوث أخطاء. فليس لدى تركيا سوى شهر كي تقنع هيئة تحرير الشام بالانسحاب كلياً من المنطقة العازلة. وسيعطي فشلها الروس والنظام المبرر لشن هجوم كامل على المنطقة. هذا في ضوء الثمار القليلة التي جنتها تركيا من محاولاتها السابقة إقناع هيئة تحرير الشام. في وقت لا تزال الطائرات بدون طيار تزعج القاعدة الجوية الرئيسية. وأخبر زعيم الهيئة أبو محمد الجولاني أتباعه بأن التخلي عن السلاح هو بمثابة الخيانة. وسترسل تركيا قوات إضافية إلى إدلب مع أن مواجهة التنظيم الجهادي يحمل مخاطر استفزاز هجمات إرهابية داخل الأراضي التركية.
وربما حاول النظام السوري تخريب الاتفاق. فقد عبر أكثر من مرة عن تصميمه لاستعادة البلاد بما فيه إدلب التي سيعلم سقوطها نهاية الثورة السورية. ورحبت المعارضة المعتدلة بالاتفاقية ولكنها عبرت عن خشية من عدم قدرة روسيا والنظام على الالتزام بالصفقة. ولديهم أسبابهم الحقيقية. فالنظام وبمباركة من روسيا قام بخرق اتفاقيات وقف إطلاق وهو منشغل باعتقال المعارضة في اجزاء البلاد الأخرى والذين استسلموا للنظام ضمن اتفاقيات العفو. وحتى لو استمر الاتفاق فسيجد الروس أنفسهم في ورطة للتوسط بين القوى والمصالح المختلفة في سوريا حيث تحاول وضع حد للحرب. فبعد ساعات من الاتفاق شنت المقاتلات الإسرائيلية هجوماً على منشأة عسكرية في سوريا.
وشنت إسرائيل أكثر من 200 غارة منذ عام 2012. وقامت الدفاعات السورية بإطلاق صاروخ أرض-جو ضد طائرة إسرائيلية ولكنها أصابت طائرة تجسس روسية مما أدى لمقتل 15 شخصاً من طاقمها. واتهمت وزارة الدفاع الروسية الغاضبة إسرائيل بالتصرف بطريقة متهورة، قائلة إن الطائرات الإسرائيلية استخدمت الطائرة الروسية كغطاء. وبعد ساعات بدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تصالحياً حيث قال إن الطائرة سقطت بسبب “حادث مؤسف” وليس إسرائيل، ما يعني أن اتفاق تجنب التصادم مع إسرائيل لا يزال ساري المفعول. وبموجبه لن تتدخل إسرائيل بمحاولات موسكو إنقاذ النظام مقابل حصول إسرائيل على ضوء أخضر بأن تقوم بضرب ما تريد ضربه من منشآت تابعة لإيران أو حزب الله. ولكن بطائرات من ست دول على الأقل – أمريكا وبريطانيا وإسرائيل وروسيا وتركيا وسوريا – تحلق في الاجواء السورية فمخاطر الأخطاء تظل عالية.