إيكونوميست: التنين الصيني بات المفضل لدى المستبدين العرب ومشاريعهم العملاقة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن-“القدس العربي”:

دور المال الصيني ودوره في دعم المستبدين في العالم العربي.

تحت عنوان “الأموال الصينية تقف وراء أكبر المشاريع في العالم العربي” نشرت مجلة “إيكونوميست” في عددها الأخير تقريرا عن دور المال الصيني ودوره في دعم المستبدين في العالم العربي.
وأشارت في البداية إلى الميناء الضخم الذي يجري بناؤه في عمان (دقم) حيث تأمل السلطنة الحصول من خلاله على حصة من التجارة البحرية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وقالت إن لا شيء يمكن مشاهدته في أول مرحلة من 500 كيلومترا من العاصمة مسقط حيث يقطع الطريق السريع جبال هجر وبعدها يمتد محاذيا الساحل. ثم تظهر قرية صيد غافية اسمها دقم محل الميناء الذي يجري العمل عليه. وهناك في وسط مناطق معزولة تظهر مجموعة صينية تقوم باستثمار 10 مليارات دولار لبناء منطقة صناعية على 1.000 فدان. وتحتوي كما يقول مدير الميناء ريغي فيرمولن على “مصانع بترو كيماويات وزجاج والواح للطاقة الشمسية وبطاريات سيارات ويريدون مهاجمة كل هذه الأسواق”.
وتعلق المجلة أن المملكة المتوسطة في الصين طالما نظرت إلى الشرق الأوسط على أنه محطة بنزين. فنصف احتياجات الصين من النفط مستوردة من الدول العربية وإيران. ولم تتلق المنطقة من الإستثمارات الخارجية المباشرة من الصين إلا القليل. ففي عام 2008 كانت نسبة الإستثمارات الخارجية الصينية في العالم العربي لا تتجاوز 1% من مجمل استثماراتها الخارجية المباشرة. وبعد عقد من الزمان أصبح المال الصيني في كل مكان: موانيء في عمان، مصانع في الجزائر وناطحات سحاب في العاصمة الجديدة بمصر. وتعهدت بيجين في العام الماضي تقديم 23 مليار دولار على شكل قروض للدول العربية ووقعت عقود استثمارات وبناء بقيمة 28 مليار دولار. وتقول المجلة إن العالم العربي جائع لاستثمارات كهذه، خاصة أن تدفق الإستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الدول العربية انخفض بنسبة الثلثين منذ عام 2008 أي متأخرة بشكل كبير عن الأسواق الصاعدة الأخرى. خذ مثلا مصر المعروفة بقطنها الجيد، إلا ان شركات النسيج التي تملكها الحكومة في حالة يرثى لها ولم يتم تحديثها منذ عدة عقود. ثم جاءت الصين التي وعدت في كانون الثاني (يناير) باستثمار 2.1 مليار جنيه مصري (121 مليون دولار) لبناء مصانع نسيج حديثة خارج القاهرة. ويأمل المسؤولون المصريون أن يؤدي المشروع لخلق 100.000 وظيفة. وتعلق المجلة أن خلق وظائف ليس معروفا في العقود الصينية. فمنذ عام 2005 وقعت الصين عقودا بقيمة 148 مليار دولار للبناء في العالم العربي، حسب تقديرات معهد أمريكان إنتربرايز. وذهبت نسبة الثلث من هذا الرقم إلى مشاريع طاقة لا تقوم عادة بتوظيف السكان المحليين. وحتى قطاع البناء لا يؤدي عادة لفتح فرص عمل جديدة للمحليين. فقد بنت الشركة الصينية للتعاون والإنشاءات الهندسية منتج شيراتون من خمس نجوم وسجنا في جنوب العاصمة الجزائر. وقام بتنفيذ هذين المشروعين وعدد آخر حوالي 40.000 عامل صيني.
وبنفس السياق فالتجارة بين الصين والدول العربية غير متوازنة. ففي الوقت الذي استوردت في تونس عام 2017 ما قيمته 1.9 مليار دولار، أي 9% من مجمل واردتها إلا أنها صدرت للصين ما قيمته 30 مليون دولار. وقال لطفي بن ساسي، المستشار لرئيس الوزراء التونسي إن نسبة 25% من العجز التجاري يأتي من الصين. ومن هنا فما يباع من حلي وأساور في الأسواق وعلى البسطات ويعرض للسياح مصنع في الصين لا المصانع التقليدية. وفي الضفة الغربية المحتلة لم يعد صناع الكوفية، رمز الهوية الفلسطينية قادرين على التنافس مع تلك المصنعة في الصين. وتأمل بعض الدول العربية أن يؤدي تزايد إقبال الصينيين على زيت الزيتون أن يخفف العجز التجاري مع الصين، لكن هذه لن توفر فرص عمل لملايين العاطلين عن العمل. وبدلا من متابعة النموذج الذي زاد من أعباء بعض الدول الآسيوية والإفريقية فالدول العربية حذرة في توقيع عقود ضخمة مع الصين. فلا يوجد ما يشبه “الميناء الشبح” والذي بني برأسمال صيني في سيرلانكا ولكن لا طائرات تقلع منه. وتوقفت الجزائر التي تعاني من آثار تراجع سعر النفط عن توقيع عقود ضخمة مع الصين. وزادت قروض البنى التحتية من الصين إلى الشرق الأوسط بنسبة الضعفين في الفترة ما بين 2015 – 2016 إلى 3.5 مليار دولار. وذهب نصفها للإمارات العربية المتحدة لتمويل مشاريع مثل توسيع مطارات دبي. ولا مشكلة لدول الخليج الثرية مثل الإمارات في إعادة دفع القروض. ورغم رغبة الإمارات في جذب المال الصيني إلا أنها قلقة من طموحات الصين. ويقول مسؤولون من شركة دبي للموانئ العالمية إن شبكة الموانئ والطرق الحديدية ستدعم مبادرة الحزام والطريق التي تقوم على بناء بنى تحتية ولكن المبادرة تظل تهديدا. وتمر نسبة ثلثي الصادرات الصينية إلى أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا عبر موانئ الإمارات، فلو طورت الصين ميناء غوادار في باكستان او دقم في عمان فستأخذ الكثير من التجارة عبر الإمارات، خاصة جبل علي. وتخشى دول أخرى من الأمن، فقد ربحت الشركات الصينية عطاء لإدارة ميناء جديد في حيفا التي تعد ثالث المدن في إسرائيل وتتوقف السفن الأمريكية فيها. وتريد أمريكا من إسرائيل التراجع عن القرار ونفس التحذير قدم لعمان بشأن دقم.
وبحسب دبلوماسي أمريكي في مسقط “يمكنهم الحصول على حصة في المنطقة الصناعية لكننا راغبين بإبعادهم عن الجانب العسكري“. ووقعت عمان في الاشهر الماضية على عقود تسمح للبحرية الأمريكية والبريطانية العمل من ميناء دقم. ولم تمنح للصين نفس المميزات.
وترى المجلة أن ما يجذب الدول للصين هي أن القروض تأتي بشروط قليلة. وساعدت سياسة “عدم التدخل” بيجين على بناء علاقات مع أعداء الداء مثل السعودية وإيران وإسرائيل وسوريا. وتجعلها سياجا مفيدا للدول العربية المستبدة التي تخشى من تخلي الولايات المتحدة عنها. إلا أن غياب التعاون الإستراتيجي يترك أثاره السلبية. فقد اضطرت الصين للإعتماد على اليونان إخراج رعاياها من ليبيا نظرا لعدم وجود سفن لها في البحر المتوسط. ومن فبناء أول قاعدة عسكرية لها في الخارج عام 2017 بفي جيبوتي هي إشارة عن طموحات أوسع. ويتحدث المسؤولون العرب الذين طالموا تجاهلوا الصين عنها كقوة صاعدة في المنطقة وأكثر نعومة من الولايات المتحدة وروسيا. فتدفق السياح من الصين أدى بفنادق القاهرة تعليم موظفيها اللغة الصينية بلهجة الماندرين وطلبت من الطهاة إعداد الأطباق الصينية. وعادة ما يتحدث الدبلوماسيون الصينيون العاملون في الدول العربية لغة عربية لا غبار عليها بحيث تثير خجل زملائهم الأوروبيين. وكان أول زائر لرئيس الوزراء اللبناني بعد تشكيله الوزارة هو السفير الصيني. لكن بيجين ليست مهتمة بحل الحرب الأهلية في الدولة الجارة سوريا، فالأولوية للتجارة لا حل مشاكل المنطقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية