لندن- “القدس العربي”:
علقت مجلة “إيكونوميست” في عددها الأخير على مقتل زعيم تنظيم “الدولة” أبو بكر البغدادي، بالقول إن تنظيمه بات بدون رأس لكنه لم يهزم بعد.
وقالت إن “الخليفة” مات، ولكن جماعته الجهادية المتطرفة لا تزال حية، مع أن ما أطلق عليها الخلافة التي امتدت في سوريا والعراق وعدت أتباعها بالمعركة النهائية، حيث توقع الدعائيون من التنظيم المعركة الفاصلة التي ستهزم فيها جيوش الصليبية وتؤدي إلى القيامة وولادة نظام جديد. إلا أن الرجل الذي كان من المفترض أن يقود المعركة ونصّب نفسه خليفة، فجّر نفسه بدلا من ذلك في نفق يوم 26 تشرين الأول/ أكتوبر مع أولاده.
وتقول الصحيفة إن انتحار البغدادي لكي يتجنب اعتقال الأمريكيين له ينهي مرحلة، ذلك أن جماعته سيطرت مرة على منطقة تعادل مساحتها بريطانيا وعاش فيها ملايين من السوريين والعراقيين. وخسر التنظيم كل هذا بسبب الغارات الأمريكية القوية والدعم للقوات العراقية والميليشيات السورية واكتملت الهزيمة اليوم بخسارة الزعيم.
ورغم ذلك، ليست هذه هي النهاية، فلا يزال التنظيم موجودا كجماعة تمرد تقوم بهجمات على مستويات متدنية في أجزاء من العراق وسوريا. ويقوم بالضغط على المدنيين لدعم عملياته. ولديه فروع أو “ولايات” حول العالم. ومع أنه لن يحاول السيطرة على مناطق مرة ثانية لكنه سيظل تهديدا. كما أن الظروف التي أدت إلى ولادته، الفساد والطائفية وعجز الحكومات التي تستغل الفقراء والناس المهمشين لم تنته بل زادت وتحولت للأسوأ.
وبقي البغدادي منعزلا بعد صعوده الشهير على منبر المسجد في الموصل عام 2014، ولكنه اختفى عن الأنظار طوال الأعوام الخمسة اللاحقة، ولم تكن الجاذبية القيادية مهمة مثل الطموح، بل واعتقد زعيم القاعدة أسامة بن لادن أنه من الباكر على الحركات الجهادية التفكير بالخلافة. ولكن البغدادي الذي استفاد من الفوضى في سوريا جعل من جماعته قوية لدرجة أنها جذبت آلافا من الأتباع الذي تدفقوا إلى سوريا من كل أنحاء العالم، وربما عرقلت وفاته عمل التنظيم لكن ليس لمدة طويلة.
ففي كتاب سيصدر قريبا، قامت فيه الباحثة جينا جوردان من معهد جورجيا للتكنولوجيا بدراسة ألف حالة قتل واعتقال قادة جماعات إرهابية. وحددت في دراستها ثلاثة عوامل تساعد على استمرار التنظيمات بعد وفاة القيادات، وهي مستويات البيروقراطية داخلها وقدرتها في الحصول على المصادر المحلية وحماستها الأيديولوجية. وهي عوامل لا تعتمد بالضرورة على زعيم واحد.
ومن هنا فتنظيم الدولة تتوفر فيه العوامل الثلاثة، من ناحية احتفاظه بسجلات دقيقة الأسلوب الذي نقله إلى جماعاته الدولية، بحيث يمكن لكل منها استخدامه بطريقة مستقلة.
ورغم فقدان التنظيم موارده اليومية (مليون دولار) من النفط العراقي والسوري، إلا أنه لديه جيوبه التي يعتمد عليها خاصة بين السنة الساخطين من نظام بشار الأسد. ومع ملء قوات النظام الفراغ الذي تركته القوات الأمريكية، فإن الطهارة الأيديولوجية ستتردد بعيدا عن مقتل البغدادي.
وقام التنظيم باختيار خليفة له بعد البغدادي. وبالتأكيد أثبتت الدولة الإسلامية عنادها قبل صعود البغدادي وبعد مقتل زعيمين لها بغارات أمريكية عام 2006 و2010. وترى المجلة أن القيادة الجديدة للتنظيم مهما كان شكلها فهي راغبة بإعادة البناء، وهذا واضح من مقتل البغدادي في إدلب البعيدة عن مناطقه في شمال شرق سوريا وغرب العراق.
ومن الناحية النظرية فهي منطقة معادية يحلق فوقها الطيران الروسي والسوري بشكل مستمر، وتسيطر على الأرض هيئة تحرير الشام، الجماعة التي أعلنت عن فض علاقتها مع القاعدة. ولكن هناك جماعة حراس الدين التي لا تزال موالية للقاعدة وعثر على البغدادي في بيت زعيمها.
وهناك من اقترح أن زعيم حراس الدين كان عميلا، ولكن مجرد وجوده في إدلب يعني أن البغدادي ربما كان يبحث عن طرق للتصالح مع القاعدة التي انفصل عنها عام 2013 ولو حصل هذا السيناريو فسيسبب صداعا لوكالات مكافحة الإرهاب الدولية.
وللتنظيم حضور أبعد من سوريا والعراق، ولا تزال فروعه تشكل تهديدا رغم توقف وتيرة الهجمات منذ العام الماضي. ففرع التنظيم في شرق أفغانستان (ولاية خراسان) قام بعمليات انتحارية عام 2018 أكثر من حركة طالبان، رغم خسارته أكثر من 50 قياديا بارزا خلال السنوات الماضية.
وأصبح فرع التنظيم في نيجيريا قويا بعد انفصاله عن بوكو حرام. ومنذ عام 2018 سجل 11 هجوما انتحاريا في أندونيسيا وستة في الفلبين. وتخشى تركيا أن تكون هدفا للتنظيم، فقد علق وزير الداخلية هذا الربيع أن نشاطات التنظيم زادت عن الثلاث السنوات الماضية.
وقال مسؤول أمني إن قادة التنظيم سيصبحون أكثر يأسا وإلحاحا للقيام بهجمات كلما فشلت محاولاتهم. وجرت حملة اعتقالات بعد أيام من مقتل البغدادي بمن فيهم ثلاثة أشخاص متهمون بالتخطيط لضرب اسطنبول في 29 تشرين الأول/ أكتوبر.
لكن المجلة تقول إن وجود البغدادي في قرية ليست بعيدة الحدود التركية ومقتل المتحدث باسم التنظيم أبو حسن المهاجر في المنطقة الآمنة التي تسيطر عليها تركيا يشير إلى خلل أمني.
ورغم شكر ترامب تركيا على دورها في مقتل البغدادي إلا أن تصريحات غامضة جاءت من أنقرة. وقال مصدر مقرب من الجيش التركي إنه لم يحدث لا تعاون استخباراتي أو عسكري في العملية.
وأخبر الأمريكيون الجيش التركي لتجنب مواجهة معه. وبدأت القوات الخاصة مهمتها من شمال العراق بدلا من القاعدة التركية في الجنوب، وهي إشارة عن علاقة باردة بين الدولتين. وجاءت العملية بعد أسابيع من قرار ترامب سحب القوات الأمريكية من شمال سوريا فاتحا الباب أمام التوغل التركي ضد قوات حماية الشعب الكردية، وترك تركيا وروسيا ونظام الأسد لترسيم المنطقة.
وقرر ترامب التراجع عن قراره وإن بشكل جزئي، حيث قال إنه سيحتفظ بقوات لحماية آبار النفط ومنع الأسد من الاستفادة منها، وهو قرار يطرح الكثير من الإشكاليات القانونية والاستراتيجية.
وتقول المجلة إن ميراث ترامب في المنطقة هو التشويش، وليس عملية ناجحة لقتل زعيم تنظيم “الدولة”. فالمهمة الأمريكية بالشرق الأوسط اعتمدت على قوات أمريكية وتحالفات. وعندما يبدأ خليفة البغدادي بالعمل، فلن تكون أمريكا مهيأة للتعامل معه.