لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرًا حول سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة الخارجية، قالت فيه إن أبو ظبي تدعو للوحدة الداخلية، ولكنها تثير الانقسامات في الخارج. وقالت إن الإمارات تحاول ترسيم مجال تأثير لها بدعم ميليشيات تقوم بتقسيم الدول العربية.
وأشارت المجلة إلى أن الإمارات هي الدولة العربية الأولى التي تعلن عن إنشاء وزارة للتسامح، وهي الدولة العربية الأولى التي تُقدّم ضدها قضية بدعم إبادة جماعية.
ففي 10 نيسان/أبريل، ناقش محامون يمثّلون السودان قضيتهم ضد أبو ظبي أمام محكمة العدل الدولية. واتهموا الإمارات بالمساعدة على ارتكاب جرائم جماعية ضد قبيلة المساليت السودانية، من خلال تسليح قوات “الدعم السريع”، وهي القوة المتهمة بارتكاب فيض من المذابح.
ونفت الإمارات التهم، حيث قالت المسؤولة في وزارة الخارجية الإماراتية ريم قطيط إن الاتهامات “خبطة إعلامية لا أساس لها، ومثيرة للسخرية” واقترحت أنها محاولة لحرف الأنظار عن جرائم الجيش السوداني الذي يقاتل قوات “الدعم السريع” منذ عامين.
وتعلق المجلة أن الجيش قد يكون ارتكب جرائم حرب، إلا أن أحدًا لا يشك في الدعم الذي قدّمته الإمارات لقوات “الدعم السريع”. ومع أن القضية أمام المحكمة، ولأسباب إجرائية قد لا تتقدم للأمام، إلا أنها مع ذلك تقدم صورة عن توجه: ففي عموم الشرق الأوسط، دعمت الإمارات مجموعات من الميليشيات التي تريد السيطرة على الدولة بالقوة أو تقسيمها.
المجلة: الإمارات تدعو للوحدة الداخلية، ولكنها تثير الانقسامات في الخارج
وتعتبر الإمارات إلى جانب السعودية في مركز العالم العربي الحديث. ولدى كل منهما اقتصاديات ضخمة، وتلعبان دورًا دبلوماسيًا مؤثرًا. وينظر كل منهما إلى نفسه كقوى وسط مستقلة في عالم متعدد الأقطاب. ولكنهما تبنّتا نهجًا مختلفًا للمنطقة. وتنظر السعودية إلى الاستقرار كأساس وجوهر لمصالحها، ولهذا تصطف مع الولايات المتحدة، وإن لم يكن هذا بشكل دائم.
وتعتبر أبو ظبي ودبي الأكثر ثراءً ضمن سبع إمارات تشكلان الدولة، حيث اتخذت أبو ظبي مسارًا آخر عن دبي والإمارات الأخرى.
ففي ليبيا، تحالفت مع أمير الحرب خليفة حفتر، الذي حاول الإطاحة بالحكومة المعترف بها في طرابلس. وفي اليمن دعمت المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو جماعة انفصالية. وأقامت كذلك علاقات مع بونت لاند وصومالي لاند، وهما جمهوريتان انفصلتا عن الصومال الكبير.
ويتعارض الكثير من سياساتها مع مواقف الولايات المتحدة. فدعمها لقوات “الدعم السريع” في السودان يضعها على تناقض مع أمريكا والصين وروسيا أيضًا، وهو أمر ليس بالسهل.
وعندما يُطلب من المسؤولين الإماراتيين توضيح مواقفهم في هذا الشأن، ينكرون أن لهم علاقة، وينفون إرسال أسلحة لقوات “الدعم السريع”، مع أن تحقيقات الأمم المتحدة وصور الأقمار الاصطناعية تشير إلى عكس ما يقولون، وأنها ترسل شحنات مستمرة لهذه الميليشيات.
وقال مسؤول إماراتي مرة إن دعم بلاده لحفتر يتم بـ “التنسيق الكامل” مع الحلفاء، رغم أن معظم حلفاء ليبيا، بمن فيهم أمريكا يعارضون هذا الأمر. ويحاول دبلوماسيون أجانب التكهن حول دوافع السياسة الإماراتية هذه، ويرى بعضهم أنها محاولة لتأمين ذهب السودان والحصول على صفقات تفضيلية، مع أن معظم الذهب السوداني، يُصدَّر فعليًا إلى الإمارات. وهناك من يربط هذا بالأمن الغذائي، ومحاولة التحكم بالموانئ والأراضي الزراعية، وبخاصة أن أبو ظبي تستورد نسبة 90% من طعامها.
وربما كان للاعتبارات التجارية مجال، لكن الدافع الرئيسي يظل أيديولوجيًا، فالرئيس الشيخ محمد بن زايد، معادٍ للإسلاميين. وغالبًا ما حرضت الأسرة الحاكمة في أبو ظبي ضد قطر وتركيا، اللتين تدعمان الأحزاب الإسلامية. إلى جانب هذا ترغب أبو ظبي بإنشاء منطقة نفوذ خاصة بها منفصلة عن السعودية.
وتشير المجلة إلى اليمن الذي انضمت فيه الإمارات للسعودية في الحرب ضد الحوثيين، وهم جماعة موالية لإيران، حيث كانت غير راغبة مع السعودية لأن يكون لميليشيا مدعومة من إيران موطئ قدم في شبه الجزيرة العربية.
لكن الإمارات العربية المتحدة أرادت حلفاء لها على الأرض، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن السعوديين كانوا قريبين من حزب الإصلاح، وهو فرع من جماعة الإخوان المسلمين. ورأت الإمارات في انفصاليي الجنوب حليفًا مناسبًا، حيث ظل الجنوب الشيوعي دولة منفصلة حتى عام 1990. وربما أدى التحالف معهم إلى منافع تجارية في المستقبل. وتأمل مجموعة موانئ أبو ظبي، المملوكة من الدولة الحصول على تنازلات من أجل إدارة ميناء عدن في جنوب اليمن.
وترى المجلة أن القوة الاقتصادية للإمارات هي طريقة لتعزيز علاقاتها، ولكنها ليست السبب الرئيسي في المقام الأول.
فقد أنهى السودان حكم عمر حسن البشير في عام 2019، لكن الضباط من ذوي التوجه الإسلامي، يتمتعون بتأثير داخل القوات المسلحة السودانية. وهو ما منح الشيخ محمد سببًا لدعم قوات “الدعم السريع”. وربما شعر أن عليه دينًا لقائد الميليشيا محمد حمدان دقلو، المعروف أيضًا بحميدتي والذي أرسل آلافًا من مقاتليه لمساعدة الجيش اليمني في الحرب ضد الحوثيين.
ويقول مسؤول أمريكي سابق، التقى الرئيس الإماراتي: “أعتقد أنه يشعر بحس من الولاء لهؤلاء الرجال”.
السعودية والإمارات تنظر كل منهما إلى نفسه كقوى وسط مستقلة في عالم متعدد الأقطاب. ولكنهما تبنتا نهجًا مختلفًا للمنطقة
وتفسر الإمارات ما تقوم به من خلال الموقف البراغماتي. وقد يكون هذا سببًا وجيهًا، فقد أثبت المقاتلون الذين دعمتهم في اليمن أنهم مقاتلون أشداء وأكثر من القوات الحكومية في المعسكر السعودي. وفي ليبيا لا تبدو الحكومة المعترف بها دوليًا، شرعية كما يشي الأمر، فهي مكونة من مجموعة ميليشيات.
ومع ذلك، فدعم اللاعبين المارقين لم يكن ناجحًا أبدًا. وقد أعادت الإمارات فتح سفارتها في دمشق عام 2018، وضغطت على الدول الأخرى لتطبيع علاقاتها مع نظام بشار الأسد. ويقول أنور قرقاش، مستشار الشؤون الخارجية للرئيس الإماراتي إن تطبيع العلاقات جاء نتيجة الإحباط بعد 10 أعوام من الحرب الأهلية. وقال إن عزل الأسد لم ينجح ولهذا حان الوقت للتعامل معه. ولم ينجح التواصل معه، فقد فر الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي. وتنظر الإمارات بشك للحكومة التي يقودها الإسلاميون ونشأت بعد انهيار النظام السابق، مع أنها لا تعمل ضد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع.
ولم ينجح حفتر في السيطرة على العاصمة طرابلس وحكم ليبيا. وبالمثل خسرت قوات الدعم السريع الخرطوم وعدة مدن في وسط السودان وشرقه. وفي كلتا الحالتين، عاد الدور الإماراتي بنتائج عكسية. ومنح تركيا الفرصة لتعميق العلاقات مع القوات السودانية المسلحة وحكومة طرابلس، حيث اعتمدتا على المسيرات التركية لهزيمة منافسيهم. وبالمحصلة ألحقت هذه السياسات ضررًا متزايدًا بسمعة الإمارات، ففي اجتماعات منفصلة بواشنطن، الشهر الماضي، أثار ثلاثة من موظفي الكونغرس احتمال فرض عقوبات. وربما يكون هذا مجرد كلام، في الوقت الحالي. وكما يقال، فإن دعم جماعات مثل قوات “الدعم السريع” أسوأ من كونه جريمة، فهو خطأ فادح.