مؤسسة المورد الثقافي في العشرين من عمرها… لقاء موسع في بيروت وسعي للاستجابة للتحولات المتسارعة
بيروت ـ «القدس العربي»: مؤسسة المورد الثقافي بلغت عمرها العشرين. مناسبة شكّلت منطلقاً للقاء وحوار بين المعنيين والفاعلين في الثقافة عُقد في بيروت. عنوان اللقاء «النسيج الحي: ملتقى المنظومة الحيوية الثقافية». تناول الملتقى الذي امتدّ ليومين عدداً من التوجهات الاستراتيجية الأساسية للمورد الثقافي. والهدف السعي لإعادة تحديد رسالة المؤسسة، وترسيخ مسيرتها في الحاضر. وبلورة رؤى تستجيب للتحولات السياسية والاقتصادية والمهنية المتسارعة.
إذاً هو برنامج يستند إلى تقاطعات محورية تشمل التكنولوجيا وحقوق الإنسان والتعليم والبيئة. والسؤال المحوري الذي طرحه الملتقى يتمثّل بكيفية بناء أنظمة حيوية ثقافية داعمة ومستدامة. أنظمة تتسم بالمرونة والقدرة على الابتكار، عبر إتاحة الفرصة لحوار بين الأجيال من مختلف أنحاء المنطقة العربية. مرونة وابتكار يعيدان النظر بالدور الاجتماعي والسياسي للعمل الثقافي، ومسؤوليته في مواجهة واقع يزداد عنفاً ويشهد تنامياً للممارسات الفاشية في العالم.
توقف الملتقى في حواراته عند الألفية الثالثة وما شهده مطلعها في عالمنا العربي. بدءاً من الربيع العربي والثورات والحروب المتعددة، وصولاً إلى الإبادة الجماعية في غزة. واتفق الجميع على وصف تلك الإبادة بالمفصلية في تاريخ المنطقة العربية. ووجد المجتمعون أن الإبادة الجماعية في غزة، والحروب المتواصلة على المنطقة، تفرض ضرورة اللقاء والتفكير المشترك وإعادة ترتيب الأولويات. وكذلك اتفاق على أهمية مواجهة استراتيجيات المحو الممنهجة التي يمارسها المشروع الصهيوني وحلفاؤه. خاصة وأن تلك الإستراتيجيات لا تستهدف الأرواح فحسب، بل تطال أيضاً العمران والتراث والهوية واللغة والأرشيف. ومن هذا المنطلق وجد المجتمعون في الملتقى ضرورة لتوجيه الدعوة بهدف استعادة المشيئة الجماعية، وتعزيز الثقة بما ننتجه، كركيزة لمنظومة حيوية ينتمي إليها الجميع.
في ختام الملتقى كان إعلان عن انتقال إدارة موسسة المورد الثقافي من إيلينا ناصيف إلى ألما سالم. إيلينا ناصيف التي حَملت مسؤوليةَ الإدارةِ في مرحلة انتقالية وفي ظل ظروف بدت طبيعية، لكنها سرعانَ ما تبدلت، أجابت على أسئلة لـ«القدس العربي» حول الملتقى، وكذلك عن السنوات الثمانية التي امضتها في إدارة المورد الثقافي:
○ بداية لماذا المورد الثقافي في عالمنا العربي؟
• خلال مسار تأسيس المورد الثقافي في عام 2003 وضع المؤسسون، وهم مجموعة من الناشطين الثقافيين والفنانين العرب، محددات ثلاثة رئيسية لعمل المؤسسة هي: دعم أعمال الفنانين الشباب والناشئين. تنشيط الحوار بين المثقفين والفنانين العرب ونظرائهم في دول الجنوب. وتقديم التجارب الفنية غير السائدة إلى جمهور واسع في المنطقة. ففي ظل غياب الاستثمار الرسمي في دعم الفنون، شكّلت مؤسسة المورد الثقافي نموذجاً رائداً للعمل الأهلي المعني بدعم الإبداع الفني في المنظقة العربية.
○ 20 عاماً مضت على حضوركم في الحياة الثقافية العربية. بين التوقعات والواقع هل كان الفرق كبيراً؟
• خلال السنوات العشرين نجح المورد في دعم أعمال الفنانين الشباب والناشئين حيث 74 في المئة من المستفيدين هم تحت سن الـ35 سنة. كما تركز الدعم بمجمله داخل المنطقة العربية وبنسبة 85 في المئة من عدد المستفيدين. طوّر المورد برامج عديدة تهدف إلى دعم إنتاج الفنانين، كما ودعم سفرهم في العالم. ونظم المورد الثقافي مهرجان الربيع 2004-2016، ومسرح الجنينة 2005-2015، بهدف تقديم التجارب الفنية غير السائدة لجمهور المنطقة. رغم التواصل مع دول الجنوب، ما زالت أغلبية شبكات الفنانين في المنطقة العربية مرتبطة بشكل أوثق مع الشبكات في أوروبا. وسنقوم خلال السنوات المقبلة بمهمة التعريف بالشبكات الجديدة، والفرص المتاحة في دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية، والجنوب بشكل عام. والهدف مد جسور التواصل والتبادل الفني. كما اختار المورد استرتيجياً ان يتوقف عن تقديم التجارب الفنية بشكل مباشر للجمهور، والاستعاضة عنها بالعمل على دعم المؤسسات والمهرجانات التي نشأت خلال السنوات الماضية للقيام بهذا الدور.
○ نحن في منطقة مُلتهبة هل أرغمكم ذلك على تغيير استراتيجيات العمل؟
• طبعا هناك ضرورة دائمة لتطوير العمل والاستراتيجيات بما يخدم الاحتياجات المتغيرة والأحلام الناشئة التي يولدها القطاع الفني. قامت المؤسسة خلال السنوات الخمس الماضية، بتطوير عدد كبير من مشاريع الاستجابة، والتي هدفت إلى التضامن مع الفنانين المتضرين من جائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت، والحرب في السودان، والزلزال في سوريا، والحرب الأخيرة على لبنان، بالإضافة إلى الإبادة في فلسطين.
○ في السنة الـ20 للتأسيس التقت «المنظومة الحيوية» في بيروت. إلى ماذا خلُصت قراءاتكم في ظل الأهوال التي عاشتها وتعيشها شعوب المنطقة؟
• كان النقاش خلال الملتقى غنيا جداً بالآراء المختلفة، وعكس بشكل أساسي ما تشكله الإبادة من تحد ثقافي. إنها تحديات إنسانية وتاريخية يعيها الفنانون بعمق. ويعون دورههم في جعل الكارثة حدثاً مؤسساً لخطاب جديد، مرتكزاته العمل الجمعي التضامني والمبدع.
○ في خطتكم الجديدة تهدفون للاستقلال عن خطاب الحكومات وعن أجندة الداعيمن. كم هذا متاح؟
• أعتقد انه على المؤسسات الداعمة للثقافة والفنون، ان تعمل بكل جدية للحفاظ على استقلالية الفنان والفن عن أية أجندة. ويكون ذلك من خلال تأمين برامج دعم غير مشروط تحمي، حرية التعبير من أي تدخل مباشر. الدعم الذي تقدمه مؤسسة المورد الثقافي خال كلياً من أية رقابة. نحن لا نراقب المنتج الفني بأي شكل، ونؤمن بالحرية المطلقة للفنان في تطوير مشروعه.
○ ماذا في تفاصيل مبادرات «ثقافة 3.0» و«لنستعد المشاع»؟ وكيف سيكون الجمع بين التكنولوجيا وحقوق الإنسان؟
• المبادرتان مهمتان للغاية وما زالتا في دورتهما الأولى، وبالتالي ما زلنا بحاجة إلى المزيد من الوقت والتجريب لاستخلاص العبر. ما نعرفه اليوم ان التغيرات التكنولوجية تحصل بسرعة كبيرة. والحاجة قائمة لدعم الفنانين ليكونوا على اطلاع على هذه التطورات، سواء من خلال تعلّم استخدام التكنولوجيا، وكذلك المشاركة في حوكمتها. والعمل بالشراكة مع التقنيين والعاملين في حقل حقوق الإنسان، للمساهمة في ضمان استخدام ادوات ومنصات أكثر عدالة تكفل حقوق الفنانين الرقمية.
○ الفن مرآة الشعوب. كيف للفن أن يقدّم للعالم حياتنا القاسية والمضطربة والأعمال الفاشية التي تتعرّض لها العديد من الشعوب العربية؟
• خلال النقاش الذي حصل في إحدى جلسات الملتقى الذي نظمه المورد بمناسبة مرور 20 سنة على تأسيسه، كنّا حيال عنوان حدود اللغة. فقد رأى المشاركون قصوراً في اللغة لجهة التعبير عن المشاعر. وكذلك عن أهمية التمييز ما بين التوثيق والعمل الفني أو الأدبي، الذي يحتاج إلى الوقت والمسافة، للتمكن من صياغته بلغة تستطيع التعبير عن هول ما يحدث.
○ هل من سبيل لتعاون فني بين المشرق والمغرب والخليج العربي لتظهير حالنا للعالم أجمع عبر أعمال فنية تمسّ الوعي العالمي؟
• بالطبع نحن منفتحون للتعاون مع كافة دول المنطقة العربية. نفّذنا في السابق البرنامج التجريبي «وصل» الذي دعم شراكات بين مؤسسات ثقافية وفنية من المنطقة العربية. وما زلنا نبني على هذه التجربة لدعم مشاريع شراكات بين الفنانين في كافة دول المنطقة.
○ كونك ستسلمين إدارة المورد الثقافي للسيدة ألما سالم ما هي الذكريات التي تحملينها معك من هذه المهمة؟
• لقد كان شرفاً كبيراً لي أن أعمل مع هذا النسيج الحي، الناشط في قطاع الثقافة والفن في المنطقة العربية، والقطاعات الصديقة خلال السنوات الثماني الماضية. أحمل معي الكثير من العبر والذكريات التي ستشكل زاداً للمرحلة المقبلة. من الذكريات الأقرب هو الملتقى الذي جمع فاعلين ثقافيين من المنطقة العربية. وفي هذا اللقاء عبروا جميعهم عن أهمية التشاور وتبادل الآراء خلال هذه المرحلة. واتفقوا على انه لا يمكن للخلاص أن يكون فردياً فهو لا بدّ من أن يكون جمعياً.