إيناس مصالحة في كونسيرت ‘غنيّ لي صلاةً’ في حيفا سماء في لحظة طفولة، أرض في لحظة سماء

حجم الخط
0

مصطفى قصقصي سماء في لحظة طفولة. ارض في لحظة سماء. روح تستعدّ للرقص المنفرد في ممرّ قليل الإضاءة هو الحياة. خريف داخليّ شفيف يتأمل ربيعه الهشّ ويغرق في نبيذ الابتهالات المعتّق في خوابي العاديّ والمطلق. راهب يداعب قطّته في لحظة صفوٍ لا يشوبها كدر أو عناء.(The monk and his cat, Samuel Berber) ماء مريميّ، بيزنطيّ العذوبة عربيّ الوجد، يرتوي من عطش ندائه المستغيث (يا مريم البكر). رحمانينوف يقدّم خدمات جليلة للألوهة ولما تورثه للبشر من شجن خلاّق.(Elegy, Op. 3 No.1) مانديلسون يكتب أغنيات دون كلمات (Songs without words) احتفاء بالأشياء الغامضة الواضحة، وبالشعر اليوميّ الهائم على وجهه في الشوارع حرّاً وسعيداً بإفلاته من كمائن الشعراء المهووسين بتحنيط ذهول الكائن والكينونة في حروفهم الصمّاء. هكذا عادت إيناس مصالحة، مغنية أوبرا عالميّة، في كونسيرتها ‘غنِّي لي صلاة’ إلى حيفا لتغنيّ أحوال الروح ومقاماتها. عادت إلينا من سفرٍ مبهرٍ في التراث الموسيّقيّ الغربيّ والشرقيّ لتهدينا من ألق صوتها ولتنشد بلغات عدّة الطرق الكثيرة، من الأوبرا إلى الغوسبل الأفرو-أمريكيّ مروراً بالليدر والترنيمة، التي تفضي إلى الروح بمختلف تجلياتها الإيمانية، بيأسها ويقينها، بفرحها وبصخبها وسلامها وبشوقها الدائم إلى التصالح مع الكون. ولتغني صلوات هي صلوات الغائبين في معابد الوجود الناقص ابداً: الغبطة التي لا يمسّها سوء، الطمأنينة التي لا تخدشها الرغبات أو اللوعات، الأمومة التي لا ترهقها أخطاء أبنائها أو انطفاءات الرجاء في ليلهم الوحيد، الحريّة التي لا تقسو على أحد، الحب الذي لا يعرف الندم. غنتّ إيناس صلواتها وصلواتنا التي لا يعوزها قاموس أو فضاء دينيّ بعينه، غنّت بصوتها المتدرّب على جمال يغرف من انتظار لا ينضب في حضرة الغياب وعلى ضفاف الصدفة العاكفة بدقة شاعرية على بعثرة المصائر البشريّة ولملمتها حلماً أو نجوماً.

هدهدت قلوبنا الحائمة كأفلاك تائهة في مدارات انكساراتها ورممت لأبدٍ قصير وعابر صدوعها الأزلية العصية على الترميم. التقى صوت إيناس بنفسه في مكان هو صلاة لا تكفّ عن العمل والأمل: كنيسة ‘السيّدة’ و’بيت النعمة’ المستظلّ بها في حيفا، وارتفع منارةً عاليةً لتدلّنا على ‘إيثاكا’ روحنا التي تنأى وتدنو دون أن نبلغها إلاّ عشقاً أو رحيلاً، ولتشير إلى روح حيفا العربية الشاهقة وحضارة قلبها النابض إنسانيةً لا تستثني أحداً، المتصدّي بجسارة الضوء أمام غزو حداثة بارانويدية هلعة تعيث في المدينة هدماً للذاكرة وهندسةً شرسةً للنسيان. صوت إيناس دليل موسيقيّ نادر إلى بلاد عميقة فينا غمرها الضجيج والصقيع، بلاد من دفء وبهاء ومعنى محسوس يندلع في النفس كفجر قويّ وهاديء إذ يمسّه ما يغنّى من صلوات كمن يمسك بأصابع من هواء مشمس قطرات مطر سريّ اختمرت في قلب الوجود، يأخذ صوت إيناس بيدي الروح ويرشدها إلى موسيقاها الأصفى، يعانقها ويفتح حدائقها للجميع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية