لندن ـ ‘القدس العربي’: جاء اعلان الحكومة البريطانية عن وصول مروحيات الاباتشي الى ليبيا يوم امس مما يؤشر لدور قيادي لبريطانيا في الحملة للاطاحة بنظام الزعيم الليبي معمر القذافي. ويأتي الكشف في وقت اعلن فيه الرئيس الامريكي الذي زار لندن عن دعمه للجهود للإطاحة بالقذافي، وانباء عن خطة اقترحتها الحكومة الليبية ووزعتها على عدد من الحكومات تتضمن عرضا من طرابلس لخطة للحل منها الافراج عن المعتقلين ووقف اطلاق النار. وكانت الحكومة البريطانية قد نفت الانباء التي تحدثت في الايام الماضية عن قرب وصول الطائرات هذه، قائلة انه لم يتخذ بعد قرار بشأن الارسال وان اي خطة بهذا الشأن تحتاج الى وقت. وكان نك هارفي وزير القوات المسلحة قد اخبر مجلس العموم ان لا قرار قد اتخذ في هذا الشأن ولكنه اكد ان ارسال الطائرات لن يكون تصعيدا للحرب بل تغييراً في التكتيكات. واشارت ‘الغارديان’ الى ان الوزراء عبروا عن احباطهم بعدم حدوث تقدم ضد القذافي مما يعني ان العمليات العسكرية لن تنتهي في وقت قريب. وكان هارفي قد اخبر النواب ان الحكومة استبعدت فكرة الذهاب للامم المتحدة كي تحصل منها على تفويض عسكري اوسع لاجبار القذافي على الخروج من السلطة لعدم وجود الدعم الكبير للخطة كما حدث في قرار 1973. واكد الوزير ان التوقعات بسرعة الاطاحة بالقذافي كانت عالية وان الامر يجب ان يتم بناء على ثلاث جبهات، سياسية وعسكرية واقتصادية ومن خلال الضغط فان الاهداف ستتحقق. ونقلت عن وزير في الحكومة قوله ان القصف المكثف اجبر القذافي على التحرك من مكان الى اخر مثل الدرويش، وقال ان الحكومة تعرف مقره لكن هذا لا يعني انه المكان الذي يقيم فيه.
وعلى الصعيد السياسي جاء في رسالة رئيس الحكومة الليبية البغدادي المحمودي: اقترح قيام وحدات من الاتحاد الافريقي والامم المتحدة ومحادثات غير مشروطة وعفواً عاماً.
وجاءت الخطة الليبية في وقت تعترف فيه قوات الناتو بان الحرب دخلت حالة من الانسداد، وانه لا افق لتحقيق المعارضة الانتصار على القذافي خاصة ان القصف الجوي والدمار الذي حل على قواته لم يؤد لانهيار نظامه، مما ادى الى البحث عن خطط جديدة منها ارسال مروحيات تايغر الفرنسية واعلان الحكومة البريطانية عن وصول طائرات اباتشي الى ليبيا على الرغم من انكار الحكومة في لندن. واكدت انه في حالة اتخاذ اي قرار فان ترتيب ارسالها سيتخذ وقتا ومداولات طويلة. ويبدو ان حالة الانسداد التي وصلت اليها الامور قد ادت بعدد من الدول الغربية للقبول بوقف لاطلاق النار بدون اشتراط تنحي القذافي عن السلطة وخروجه من البلاد وهو ما تطالب به المعارضة والحكومات الغربية. وترى تقارير صحافية تنسب اخبارها لمسؤولين في الحكومة هذه او تلك ان هناك ما يشبه الرغبة لدى الحكومات المشاركة وفي النقاشات خلف الابواب المغلقة ان الحوار بين المعارضة والحكومة الليبية يجب ان يبدأ حالة وقف اطلاق النار، وظهور اشارات واضحة على أن القذافي لم يعد له دور في اتخاذ القرارات المهمة للحكومة. ويبدو ان ما تقترحه الخطة هو بقاء القذافي كزعيم رمزي خاصة ان رسائل المحمودي لا تشير في العادة الى دور القذافي الذي اكد انه سيقاتل حتى النهاية، فيما ترى رسائل من اخرين خاصة نجله سيف الاسلام ان الاب سيلعب دورا رمزيا.
ونقلت ‘الاندبندنت’ عن مسؤولين في الحكومة البريطانية ان شعورا يسود الوزراء والمسؤولين من ان كاميرون قد رفع سقف المطالب من خلال اصراره على رحيل القذافي. ونقلت عن مسؤول قوله ان المسؤولين ‘اعتقدوا انه سيهرب مثل بن علي ومبارك’، وقال آخر ‘نعرف اننا سنتعامل مع مسؤولين في النظام في المستقبل، وبعد كل هذا فمعظم اعضاء المجلس الانتقالي هم اعضاء سابقون في النظام، وعلينا ان نعطي اهل طرابلس المساحة لدفع القذافي إلى الخروج من السلطة بشكل سهل’. وجاء في رسالة المحمودي ان ‘مستقبل ليبيا سيكون مختلفا عما كان قبل ثلاثة اشهر’. واضاف ‘كانت هذه دائما الخطة وكل ما نريده الان هو تسريع العملية، ومن اجل تحقيق هذا علينا وقف القتال وبدء الحوار والتوافق على دستور جديد وانشاء نظام حكم يعكس واقع شعبنا ويتناسب مع مطالب الحكم المعاصر’. واكد الوزير انه يجب توفير’ الدعم الانساني لكل الليبيين في الداخل والخارج ووقف دوامة القتال واستبدالها بالمصالحة، فالجميع يحتاجون للمحفزات كي يتحركوا من مواقعهم والتباحث في مباحثات تقوم على الاجماع. وجاءت الرسالة بعد لقاءات مع الامين العام للامم المتحدة بان كي مون والذي دعا بعدها لوقف اطلاق النار، ومباحثات مع مبعوثه الخاص عبد الاله الخطيب الذي ناقش بعض النقاط المحددة حول وقف اطلاق النار. ولا يعرف ان كانت الخطة ستلقى ترحيبا من الدول المشاركة في الهجوم والمعارضة، وفي ضوء تكثيف الاستعدادات العسكرية والقصف الجوي ووصول مروحيات تايغر واباتشي الى ليبيا للمشاركة في الجهود الحربية. ويرى دعاة الحرب ان جهودهم تثمر لانها تدفع النظام للبحث عن صفقة وحل.
ماذا قال المحمودي؟
وجاء في الرسالة ايضا اقتراحا بعقد للبرلمان لتعيين لجنة تنفيذية تقوم بادارة الشؤون العامة ومراقبة وقف اطلاق النار واقتراح خطة للحوار الوطني. وتشمل اللجنة ممثلين من كل المناطق وقطاعات المجتمع.. ‘ولجنة مكلفة بكتابة مسودة للدستور للمصادقة عليه وتقوم بوضع شكل الحكم في ليبيا.. والبدء بعملية مصالحة وتشمل على عفو وتعويض لكل ضحايا النزاع.. ونحن مستعدون للتباحث حول وقف فوري لاطلاق النار من اجل البدء في انشاء حكومة دستورية.. دعونا نرسم خطة طريقة للمستقبل.. وما حدث في ليبيا هو جزء من سلسلة احداث حدثت في العالم العربي، نفهم هذا ونحن مستعدون ونعرف ما هو مطلوب منا’. من جهة اخرى نقلت ‘ديلي تلغراف’ عن نائب وزير الخارجية الليبي خالد كريم قوله ان كل الحلول مطروحة على طاولة المفاوضات. وقال انه ‘يعود للشعب الليبي كي يقرر’ مستقبل البلاد. واكد ان القذافي لا يبحث عن مخرج من الازمة وان خروجه لن يكون موضع نقاش مع الغرب او دول الناتو. وتقول الصحيفة ان كل الاشارات الان تؤشر الى امكانية قبول فكرة بقاء الزعيم في السلطة في الوقت الذي تجري فيه المفاوضات حول وقف اطلاق النار. ونقلت عن كريم قوله ان فكرة الدستور هي على النقاش منذ العام الماضي وشارك القذافي في المناقشات حوله، حيث كان النقاش يدور حول بقاء القذافي كرمز للدولة او يتقاعد كليا عن العمل السياسي. واكد كريم ان ‘كل هذا يعتمد على ما يريده الشعب الليبي’. وكانت نفس الصحيفة قد كشفت اول مرة عن تخفيف في لهجة الدول الاوروبية حول رحيل القذافي كشرط للحوار.
وفي تعليق على المبادرة قالت ‘اندبندنت’ في تقرير لها ان عبدالفتاح يونس والذي كان جزءا من النظام قبل انشقاقه عنه. وقالت ان يونس الذي اعلن عن نفسه قائد قوات ما تعرف بتحرير ليبيا، ليس الوحيد من بين قادة هذه المجموعة فهناك خليفة حفتر الذي انشق عن القذافي وحاول الانقلاب عليه قبل رحيله الى امريكا، وكذا مصطفى عبدالجليل، رئيس المجلس الانتقالي الذي كان وزيرا للعدل، ومسؤول الشؤون الخارجية محمود جبريل والاخيران عملا مع سيف الاسلام. وترى الصحيفة ان العقبة الوحيدة هي اصرار المعارضة هذه على انه لا حوار مع النظام الا بعد خروج القذافي وعائلته من البلاد، ولكن هذه المعارضة لم تفعل ما يعطيها اليد العليا. وفي الوضع الحالي من الجمود فالقوى الغربية تعترف انها ستضطر إلى الحديث مع النظام الحالي على الاقل مع من لم تتلوث ايديهم بالدم. وهناك من يقول ان عدداً من المسؤولين النزيهين في النظام يحاولون اخراج القذافي من معادلة الحكم قبل اقناعه بالتقاعد خارج البلاد. وعليه فانه حتى يتم اجبار القذافي على الهرب او قتله فالغرب ليس امامه سوى هذا الخيار. ورأت صحيفة ‘لوس انجليس تايمز’ ان خطة الحكومة الليبية تحاول اللعب على مخاوف عدم الاستقرار في البلاد. وقالت ان فكرة الحكومة لا تتوافق مع اهداف الحملة الغربية فقط ولكنها ستكون غريبة وغير مقبولة للمعارضة المسلحة في بنغازي. وترى ان رمي الحكومة الفكرة يشير الى المدى الذي وصل اليه النظام من الضعف منذ بداية المعارضة المسلحة في شباط/فبراير الماضي. وتضيف ان الخطة وان لعبت على المخاوف من طول امد الحرب وعدم الاستقرار لكنها تقترح ان الزعيم الليبي لا يمكن اخراجه بالقوة وعليه فعلى الدول الغربية البدء بالتفاوض حول مخرج. واضافت ان الخطة تحاول تصوير القذافي على انه سياسي عجز ويريد التخلي عن السلطة طوعا، ولكنه يجب ان يظل رمزا للدولة حتى يمنع من انزلاق البلاد الى حمام حرب اهلية كما حدث في العراق. ونقلت عن موسى ابراهيم المتحدث باسم الحكومة الليبية انه ‘ان لم تريدوا القذافي فلن تحصلوا على الديمقراطية’ مضيفا ‘هذا هو الموقف الرسمي: القذافي يرغب ان يكون جزءا من دستور لا يعطيه اية سلطة تنفيذية ايا كانت، هو رأس الدولة’. وقال ابراهيم انه من دون القذافي لن تكون هناك ديمقراطية وسنحصل على تناحرات قبلية وحرب اهلية والقاعدة. وقال ان القذافي هو صمام الامان ليس لليبيا ولكن لشمال افريقيا واوروبا والولايات المتحدة. وتعلق الصحيفة ان بقاء القذافي كرمز يعني بقاءه وعائلته في ليبيا ويجنبه المذكرة الدولية التي تطالب باعتقاله حالة اقرارها من محكمة جرائم الحرب. وتقول الصحيفة ان مسؤولي الحكومة يقولون ان الناتو لن يستمر في القصف للابد. وفي حالة استمرار الجمود وعجز المعارضة فلا بد من تسوية ما، خاصة ان دول الناتو لن تستطيع تحمل نفقات الحرب لامد طويل. ونقلت الصحيفة عن بن غوميز من تشاتام هاوس ان السياسيين بدأوا يعترفون الان ان القذافي اكثر قدرة على التكيف مما اعتقدوا، واضافت ان السياسيين باتوا يعتقدون ان الحل سيكون سياسيا وليس عسكريا. ومع ان المعارضة مصممة على مطالبها الا ان المحللين يقولون انه في وضع تعتمد فيه المعارضة في بنغازي على الدعم الاجنبي لبقائها، فانه لا خيار لها الا الموافقة على حل ما في حال قررت الدول الغربية اختيار الحل السياسي. وفي رأي آخر نقلته الصحيفة عن جورج جوفي من جامعة كامبريدج قال ان القذافي لن يقبل ان يكون في المقعد الخلفي، فهو اما يدير الامور او يجبر على الخروج.