علي محسن حميد لم أكن أود الكتابة في هذا الموضوع وتمنيت أن أقوم بدور في حله.. محاولاتي لم تكن بنفس حماسي في اوسلو وأنا أسمع تفاصيل حكاية قتل شابة نرويجية على يد شاب يمني ليقيني بأني لن أنجح فيما فشل فيه غيري من نرويجيين ويمنيين. في حفل إفطار كبير في صنعاء شاهدت في التلفاز رجلا يبتسم ولكنه يحرم آخرين من نفس الابتسامة. الحكاية تمت في ابريل من عام 2008عندما أقدم شاب يمني في لندن على قتل زميلته النرويجية مارتينا ماغنوسن وفر هاربا إلى صنعاء مطمئنا لغياب العدالة فيها. وقتها كان علي عبد الله صالح على سدة الحكم ومن غيره يمكنه توفير ملاذ أمن لفار من العدالة وهو الذي كان يعرف كل صغيرة وكبيرة ويوظفها أحسن توظيف لمصالحه وحده. ومنذ ذلك الحين لم تفلح محاولات الأسرة المكلومة التي قادها السيد شل ماقنا بوندافيك – رئيس وزراء نرويجي سابق ورئيس مركز اوسلو للسلام وحقوق الإنسان – في رحلاته العديدة إلى صنعاء والقاهرة وفي الأخيرة قابل والد المشتبه به، وفي صنعاء قابل الوزراء ذوي الاختصاص، عدل ، خارجية، داخلية وغيرهم بغرض طلب عونهم لحث أسرة المشتبه به على تسليم الأخير للقضاء البريطاني إما لتبرئة ساحته أو لإدانته بعد وضعه على قائمة المطلوبين للإنتربول (الشرطة الدولية) بسبب عدم تعاون الحكومة اليمنية في تسليمه. ولاشك أن وزير الداخلية الحالي عبد القادر قحطان على علم أكيد بالموضوع لأنه كان مسؤول الإنتربول في اليمن. ومبدئيا تعارض عائلة الضحية المكونة من أب وأم وأخ وأخت محاكمة المشتبه به في اليمن خشية أن يصدر ضده حكم بالإعدام وهي من منطلق إنساني ضد عقوبة الإعدام برغم خسارتها الفادحة ولأنها لاتزال تقدر العلاقة العاطفية التي جمعت بين الضحية والمشتبه به وتتساءل أيضا كيف استطاع المشتبه به قتل من أحبها وأحبته. إن الغاية الأساسية للأسرة هي أن تستريح من عناء آلام التفكير بأن العدالة في اليمن غائبة أو مغيبة ولا تستطيع أن تطول المشتبه به وعاجزة عن أن تترجم مبادئ العدالة الإسلامية إلى فعل وتستغرب أنه طليق ومحمي بنفوذ يتعارض مع القانون. وعند الملمات توضع القيم والأنظمة والأديان على المحك. هناك في النرويج الكل أمام القانون سواسية وكأسنان المشط وليسوا منحرفين بلغة حملة شعلة الكراهية. وستتم المقارنة حتما بين ماهم عليه ومانحن فيه من أحوال هي أقرب إلى أحوال عصر الجاهلية حيث القوة فوق القانون والقوي أقوى من العدالة وستجرى عملية مفاضلة بين قيم نزعم بوجودها وتأثيرها في حياتنا ولكنها فعليا غائبة بينما هي حاضرة هناك حيث لاأحد يقلل من قيمة أي مواطن آخر لأنه يعتبر نفسه من الجنس الآري النقي الدم أو يزعم أنه ينتمي إلى خير أمة أخرجت للناس والواقع يكذب كل غطاس. البعض من القراء قرأ تقرير منظمة الشفافية الدولية الصادر في 4 اغسطس عن الفساد في عام 2011 الذي ذكربأن النرويج هي أول دولة في العالم من حيث قلة الفساد فيها وأن اليمن من بين العشرين دولة الأكثر فسادا في العالم ويتذكر أن اليمن في عام 20011 كان تحت حكم علي صالح و32 عاما قبله. من يقرأ هذا التقرير في النرويج ويعلم مأساة مارتينا سيتبين سبب قهر وانكسار العدالة في اليمن و أن هذا القهر هو جزء من الفساد الشامل الذي تميز به عهد وصف نفسه بأنه أزهى عصور الديمقراطية التي يذوق الغريب معنا مرارتها. صالح كان يعلم علم اليقين بما حدث في لندن وبالتفصيل ولكنه لم يحرك ساكنا لكي يستثمر الحادث لصالحه ولاشك أنه فعل. خلال زيارتي للعاصمة النرويجية اوسلو في ديسمبر 2011بدعوة من معهد نوبل للسلام لحضور حفل تكريم المناضلة توكل كرمان ومنحها جائزة نوبل للسلام أتيحت لي الفرصة لمعرفة تفاصيل المأساة التي كنت قد تابعتها في الصحافة البريطانية عند حدوثها. وفي اوسلو لم أملك سوى التعاطف الكامل مع الأسرة التي رأت في مناسبة حصول مناضلة يمنية على جائزة نوبل فرصة أتتها من السماء لتسليط الضوء على محنتها التي تتعاطف معها النرويج حكومة وشعبا .وفي اوسلو سمعت بأن النرويج قررت وقف تقديم أي دعم لليمن حتى تتحقق العدالة لمارتينا ولم تخرق هذا الموقف إلا عندما قدمت دعما إنسانيا في 8ديسمبر 2011 قدره 8 مليون كرون (مليون ومائتي الف دولار) عن طريق الصليب الأحمر الدولي عندما أعلنت عدة منظمات دولية أن اليمن على شفا كارثة غذائية. وبمناسبة نوبل حشدت الأسرة والمنظمة التي أنشئت في اوسلو للمطالبة بالعدالة لمارتينا التي يرأسهاالسيد بوندافيك مساء يوم التكريم أنصار قضية مارتينا أمام فندق جراند الذي أقامت فيه السيدة كرمان ورفعت صورا كبيرة لإبنتها الشابة ويافطات تطالب بالعدالة وكان الإعلام الدولي و النرويجي حاضرا وفعلا اهتم الإعلام النرويجي بتغطية هذا الحدث و شاهد النرويجيون وغيرهم الصور وقرأوا اليافطات ولعلهم تساءلوا باستغراب عن الصعوبة التي تحول دون تسليم مشتبه به لكي يواجه العدالة ولماذا تأوي دولة (هارب) من العدالة. قد يعلم هؤلاء وقد لايعلمون أن هذه الدولة التي تأوي مشتبها به تدعي الالتزم بحقوق الإنسان وبمواثيق دولية ذات صلة بالعدالة التي أصبحت قيمة إنسانية عالمية ملزمة لكل أطرافها وقطعا هم لايعلمون أن هذه الدولة تضحك على شعبها برفع شعار ‘العدل أساس الملك’!!!. في ظهر نفس اليوم 8 ديسمبر كان الإعلام النرويجي المرئي والمقروء قداهتم بالأمر وغطى مؤتمرا صحافيا عقده السيد بوندافيك لتوضيح ملابسات القضية للرأي العام النرويجي وغير النرويجي وليكرر مطالبة الحكومة اليمنية بالمساعدة على تسليم المشتبه به للقضاء البريطاني . أحد الوزراء اليمنيين نصح الأب بتسليم الإبن وأن ذلك في مصلحة الإبن وأنه لو فعل ذلك لصدر حكم مخفف لأن ظروف الحادثة تسوغ للمحكمة إصدار هذا الحكم ولكان قد قضى ثلثي فترة العقوبة لو لم يهرب بعد الحادث إلى صنعاء. إن قضية مارتينا تستحوذ على تعاطف واسع في النرويج وفي إحدى المدن – وقد تكون اوسلو- سينحت فنان نرويجي تمثالا نصفيا لمارتينا سيذكر الناس لزمن طويل بمقتلها وبفشل العدالة اليمنية عن القيام بوظيفتها وبتواطؤ رسمي يمني لايستطيع احد إنكاره. في اوسلو سمع مني والد الضحية وعودا معسولة بأنه في ظل التغيير ومجيء حكومة جديدة ستفتح العدالة عينيها المغمضتين ويحدث انفراج في القضية .ولكن تفاؤلي لم يكن في محله لذلك اعتذر عن تفاؤل ربما خدر الأسرة لبعض الوقت وأطرح القضية الآن للرأي العام وللمحامين ولمنظمات حقوق الإنسان لتبنيه وللدفاع عن حق الأسرة في تحقيق العدالة وإنقاذ العدالة اليمنية مما لحق بها من تلوث وفساد. إن لليمن مصلحة في إنقاذ سمعته قبل فوات الأوان بالضغط على أسرة المشتبه به على تسليمه شاءت أم ابت لكي نبرئ الإسلام كدين مما ليس فيه، أما تبرئة المسلمين فتلك حكاية أشبه بحكاية سيزيف. أما عن بريطانيا مسرح الجريمة فإنها تقف مع النرويج ولولا ظروف اليمن الاستثنائية وخاصة مواجهته للإرهاب لكانت قد أوقفت أو خفضت مساعداتها له. وبحسب علمي فإن التعاطف الغربي مع قضية مارتينا كبير وقد يأتي وقت تجبر فيه اليمن على التخلي عن موقفها السلبي. لقد أرسلت الأسرة رسائل إلى أعلى المستويات في الدولة ولا أحد يعلم مصيرها. الإمام الراحل أحمد حميد الدين كان لاينام إلا بعد أن يرد على كل برقية تصله وخاصة إذا كانت ‘جوابلي’. مابالنا لو كان قد تسلم رسالة ‘جوابلي’ من شمال الكرة الأرضية تطلب العدالة وليس سواها. إن لمارتينا أما تتعذب كل يوم كما للمشتبه به أم سعيدة بالتهرب من العدالة لاتشعر بعذاب أختها في اوسلو. وبعيدا عن الحزن المقيم في اوسلو والسعادة المؤقتة والزائفة في صنعاء هناك عدالة يجب ألا تنتظر أكثر مما انتظرت. لنبرهن أننا في بلد الشريعة فيه هي المصدر الوحيد للتشريع فعلا وأن النفوذ ليس فوق الشريعة، أي فوق حكم الله. ولنعلم أن أسرة مارتينا لن تيأس وأن بعد اوسلو عن صنعاء لن يميت القضية وأنه كلما تحركت الحكومة بالسرعة المطلوبة كان ذلك أفضل لنا كشعب وحكومة وكحاملي قيم سامية لاتنحاز إلا للعدالة.’ كاتب ودبلوماسي يمني