ابراهيم الخليل: كثير من الأكاديميين يفتقرون الى الابداع والحس الفني

حجم الخط
0

حين يذكر الناقد الدكتور إبراهيم خليل ينصرف الناس بأذهانهم نحو عمارته النقدية التي بذل لأجلها الكثير من الجهد المرتكز على تحليل المتن والحفر في ثناياه، كي يبقي للإبداع ألقه ودهشته الواسعة ووهجه المتقد، وذلك إيماناً منه بأن النقد إبداع يتّخذ من النص المكتوب/ المُبدَع أرضاً لبناء عالمه الفني.
وقد قدم ابراهيم خليل حتى الآن أكثر من 60 كتاباً في النقد تعكس في مجملها إبداعه ومراسه بالنصوص وتحولاتها وأسرارها. نذكر منها:- (الشعر المعاصر في الأردن) و(في الأدب والنقد) و(في القصة والرواية الفلسطينية) و(مقالات ضد البنيوية) و(تجديد الشعر العربي) و(الأسلوبية ونظرية النص) و(جبرا ابراهيم جبرا الأديب الناقد) و(أقنعة الراوي) وغيرها العديد من الكتب. أما المؤلفات المشتركة التي ساهم في إعدادها وتحريرها فقد بلغت أكثر من خمسة وعشرين كتاباً، هذا بالإضافة إلى مئات المقالات والبحوث المنشورة في المجلات والملاحق الثقافية المحلية والعربية والعالمية.
فضلاً عن الذي أسلفنا إليه يمتلك الدكتور إبراهيم وجهاً معرفياً آخر، فهو قاص وشاعر ومحرر أدبي وإعلامي، حيث صدرت مجموعته القصصية الأولى (من يذكر البحر) في عام 1982م، ثم تحولّ إلى الشعر، حيث صدر له في العام 1984م ديوان شعر بعنوان (تداعيات ابن زريق البغدادي الأخيرة). كما عمل لفترة طويلة محرراً ثقافياً في جريدة صوت الشعب ومحرراً إعلامياً في المكتب التنفيذي لشؤون الأرض المحتلة، وهو دائم الحضور في الندوات والمؤتمرات العلمية في العالم العربي وخارجه.
ومن هنا سوف يلقي هذا الحوار مزيداً من الضوء حول تجربته الإبداعية والنقدية، وكيف هي المسافة الفاصلة بين كونه قاصاً وشاعراً وناقداً في آن؟ وما إذا كانت الذات الناقدة قد نفت وأقصت المبدع فيه؟
* هل تعتقد أنك أعطيت القاص والشاعر فيك فرصته أم أنك قصّرت بحقه..وأنت تنشغل عنه بغيره؟ وهل يمكن في رأيك الجمع بين الناقد والإبداع؟
* لم لا يجمع المرء بين النقد والإبداع؟ فالمبدع الحقيقي ناقد مضمر، فهو أول من يقوم بنقد عمله الإبداعي، وتصحيح ما فيه من أخطاء، وعيوب، إذا ساغ التعبير. وهو لا يقوم بنشره إلا بعد الرضا عنه. وعما فيه. بالنسبة لي كتبت شعراً. وكتبت قصة أول الأمر. ولي في الفنين محاولات منشورة وأخرى غير منشورة. كأنني كنت أتلمس طريقي في دروب الإبداع الوعرة.. وتدخلت دراستي الأكاديمية تدخلا مباشرا وسافرا، جعلني هذا التدخل أتلهى عن الإبداع الشعري والقصصي لصالح الدراسة والإبداع النقدي. كلما جنح المبدع نحو العقلانية، والبحث، فترت حماسته تجاه الإبداع بالتعبير العاطفي والوجداني. لكن لهذا بالطبع استثناءات، وتاريخ الأداب يمدنا بالكثير من الأمثلة لأناس جمعوا بين الإبداع في الأدب والإبداع في النقد جمعا لم يفتهم التوفيق فيه. خذ على سبيل المثال (وردزورث) و(كولردج) و (ت. س. إليوت). وفي تاريخ الآداب أشخاص آخرون جمعوا بين الشعر أو النثر والنقد فخانهم التوفيق، فأنت تقرأ شعراً للعقاد الناقد فتجده يشكو من فائض الصنعة، وتقرأ سرداً لطه حسين تجده مصطنعاً مباشراً لا يخلو من مواعظ. وكلاهما يفتقر للحيوية.
***
* كيف حدث وأصبحت ناقداً، هل تصنع الجامعة نقاداً ومبدعين..؟! ثم لماذا يستهويك نقد السرد أكثر من نقد الشعر..؟؟ وبصراحة، ما هو دافعك لكتابة النقد، هل هو حب التجديد وفرض الذات، أم هو الهروب من قيود الإبداع، إيماناً بأنه لا حدود لضفاف النقد؟
* أما عن كيف أصبحت ناقداً، فلذلك حكاية طريفة، فعندما كتبت أول مقالة نقدية وكانت عن ديوان الشاعر وليد سيف (قصائد في زمن الفتح) نشرها المرحوم القاص خليل السواحري في الدستور وهذا كان في سنة 1969 وفي ذلك الحين لم أكن أعرفه وقد أرسلت المقال بالبريد على صندوق الجريدة وأذكر رقمه 591 بعيد ذلك التقيته مصادفة في مقهى صغير في شارع الملك فيصل في عمّان ومعه عدد من الأدباء كانوا يترددون على هذا المقهى كثيراً. منهم علي فودة وعلي البتيري وموسى صرداوي ومحمد ضمرة وعيسى الشعيبي والفنان التشكيلي محمود طه وإبراهيم العبسي وعز الدين المناصرة.. وعندما عرفني قال لي إن إعجابه بتلك المقالة يدفعه لنشرها دون أي تعديل وأنه يتوقع لي مستقبلاً في النقد. وبعدها نشرت لي مقالة عن الديوان الأول الأول لمحمد القيسي (راية في الريح) الذي كان قد صدر في غرة العام 1970 عن فرقة المسرح الفلسطيني في دمشق. وقد اطلع المرحوم أمين شنار على مقالتي تلك وكان من كتاب الدستور في حينه وله عمود يومي باسم مستعار(جهينة) وقد أبلغني السواحرى نقلاً عنه أن المقالة تفصح عن توجه نقدي يتجاوز به صاحبه ما كان ينشر من نقد آنذاك. وقد سررت طبعاً بهذه الانطباعات التي عززها ما كان يحثني عليه المرحوم محمود سيف الدين الإيراني من ضرورة الكتابة عن الإصدارات الجديدة في مجلة أفكار. وقد جاءت الدراسة العلمية – تالياً- لتعمق هذا التوجه لدي. فهي عامل مساعد لا أكثر. ولا أميل للعبارات التي توحي بحب الذات والهروب من قيود الإبداع أو أن النقد ضفافٌ بلا حدود، وأحسب أن لكل شيء حدودا.
أما عن إيثاري للنقد الروائي على الشعري فهذا انطباع غير دقيق، إذ العكس هو الواقع، فإذا نظرت في ما نشر لي تجد غلبة النقد الشعري عليه وأن ما كتبته عن الشعر يربو على السرد. وأحسب أن الناقد الحقيقي المحترف لا يفرق بين نقده للشعر ونقده للرواية والقصة إلا التفريق الإجرائي، ومن يبرع في دراسة أحدهما، ويخفق في الآخر، لا يستطيع الادعاء بأنه ناقدٌ كامل أو ناقد موهوب.
***
*ما هي قضيتك الرئيسية ؟
* قضيتي التي أومن بها فضلا عن موقفي من الواقع السياسي والاجتماعي والأخلاقي والتقافي هي ما يشغلني فعلاً : الحد- ما أمكن- من ظاهرة التزييف الأدبي التي يمارسها كثيرون قاصدين عامدين أو بنية حسنة جداً. وهي قضية لا أستطيع أن أصل فيها لنتيجة محسومة، لأن من طبيعة الزيف الطغيان على غيره، فالعملة المزيفة تطرد العملة غير الزائفة من السوق، وهذا قانون اقتصادي صحيح وليس موضع خلاف.
***
*هل قدسية كتابة النقد هي التي تفرض على كاتبه نوعاً من الهيبة، وهل بوسع أي كاتب أن يصبح ناقداً ؟
* ليس بوسع أي كاتب أن يصبح ناقداً، إلا إذا كان يستطيع كل سائق سيارة أن يصبح كابتن طائرة. لكل ثقافته ودربته ومواهبه. وهذا ما لا يدركه في الواقع كثير من الأكاديميين الذين يفتقرون للحس الفني الذي يمكنهم من تمييز الغث من السمين، لذا نراهم ينبشون الكتب باحثين عما يقتبسونه ويستعينون به على فهم النص الأدبي، وتقييمه، ودراسته، وتحليله، فهم كالذي يستعير شمعة لإضاءة الدهاليز والأقبية المعتمة كونهم يفتقرون للإضاءة الذاتية، والبصيرة التي تمنكهم من رؤية المناطق المعتمة، والزوايا الظليلة في النصوص. وقد تجد من الكتاب من يحسن أن يقول في العمل الأدبي كلاماً يثلج صدر المبدع، ولكنه عند التأمل يتضح أن لا علاقة مباشرة بينه وبين النص.
***
* من زاويتك وموقعك، كيف تنظر لواقع النقد في الأردن في ظل النظريات والمناهج الجديدة ؟
*يشهد النقد الكثير من الموجات التي وصفها إدوارد سعيد بانتقال النظرية، والأردن كغيره من البلدان العربية، عرضة لهبوب هذه الريح، ولكن ما أود التنبيه عليه – ها هنا – هو تلك الهرولة باتجاه التيارات الجديدة عن غير دراية ولا فهم، فينتج جراء ذلك مزيد من الكتابات المليئة بالأغلاط. وأنا أرى فيما ينشر من حين لآخر من متابعات نقدية في الصحف والمجلات كثيراً مما يختلط فيه القمح بالزؤان. وهذا النقد التراكمي يحتاج لزمن حتى يقوم التاريخ الأدبي والثقافي بغربلته وتنقيته من شوائبه. والنقد بطبيعته تراكمي، ولا يمكن للناقد أن يكون كالشاعر، أو الروائي، الذي يقال فيه اشعرهم واحدة فلان. ولو كان له غير تلك القصيدة لكان أشعر الناس.
***
* هل مهمة الناقد هي دراسة النص وتفسيره أم تتعدى ذلك إلى الحكم والتقويم؟
*مهمات النقد والناقد كثيرة ولا يقتصران على مهمة واحدة. وقد أوضح إليوت ذلك في مقالة له عن فائدة النقد وفائدة الشعر. وينبغي علينا أن ننظر للنقد في سياقه التراكمي، لا باعتباره أعمالاً مفردة، أو أباديد متناثرة، ومن جماع ذلك يتجلى دوره، وتظهر وظائفه، فهو يفسر، ويقوّم، ويبني جسوراً بين المبدع والمتلقي، وينمي الذائقة الأدبية، والحس الفني عند جمهوره، وعند الدارسين من المعنيين بالدراسات اللغوية والأدبية. ومن هنا كان لا بد للناقد الحقيقي من الجمع بين الذوق الرفيع، والحساسية المرهفة، والرصيد المعرفي، إذ كيف يمكن لشخص يدعي أنه ناقد، ولا يتقن صياغة العبارة باللغة التي يكتب بها، أو لا يميز بيتاً موزوناً من الشعر من آخر غير موزون . أحسب أن ما قاله القدماء من أن فاقد الشيء لا يعطيه قولٌ صحيح.
***
*ماذا عن علاقة النقد بالإبداع، وهل هو تابع له أم متبوع، أي: هل يمكن للنقد أن يفتح الآفاق للإبداع ويسير أمامه دليلاً أم عليه أن يبقى خلفه تابعاً منتظراً قدومه ؟
*بعض الأدباء من أمثال: أنطون تشيخوف، وغوستاف فلوبير، كانوا يرون في الناقد الأدبي تابعًا للأديب. وأن ما يكتبه لا يرقى إلى مستوى الإبداع. وعرفنا في تاريخ الأدب العربي قديمًا من الشعراء من هجا النقاد. ولكننا أيضا عرفنا من يقول: إذا غُمَّ عليكم شيء من شعري فاسألوا ابن جني، فهو أدرى بشعري مني. غير أن المبدعين الحقيقيين لا بد أن يكونوا نقادًا بصورة من الصور مع اختلاف الغاية والأسلوب. فغاية المبدع في نقده أن ينقح عمله الإبداعي قبل نشره في الناس، وغاية الناقد أن ينقح هذا العمل بعد نشره. أما وقد لاحظنا أن الناقد يقوم بشيء مما يقوم به المبدع نفسه، فليس من الإنصاف أن يعد تابعاً لمتبوع مثلما لا يعد الإبداع نفسه تابعًا لمتبوع، فلكل منهما فضاؤُه. في بعض الأحيان يسهم النقد في شق الطريق أمام إبداعات جديدة، وظهور تيارات مجدّدة، ويوطئ المهاد لأنماط إبداعية تختلف عما هو سائد، فمدرسة الديوان في مصر بانتقادها القاسي لحافظ وشوقي مهدت لظهور التيار الرومانسي في الشعر، وهذا بدوره مهد لظهور حركة الشعر الحديث. ولولا النقد الذي كتبه أدباء من مثل طه حسين عن الرواية، لما تغيرت النظرة الدونية لهذا الفن. فالنقد يسهم في تغيير الذوق، وتغيير الاتجاهات الأدبية. وهو بذلك يعد مستكشفاً لمناخات أدبية، وليس مجرد تابع.
***
*هناك شكوى دائمة من قبل المبدعين عندنا بخصوص عدم مواكبة النقد لإبداعاتهم، فهل هذه الشكوى مبرّرة لديك كناقد متابع للحركة الإبداعية وخصوصاً المحلية أم مفتعلة ومبالغ فيها..؟!
*ثمة شكوى دائمة، ومستمرة، من طرف المبدعين بشأن متابعة النقاد لأعمالهم، وتعزي هذه الشكوى في العادة لأحد أمرين، أو لهما معاً، الأول، هو ندرة الوسائط التي ينشر فيها النقد، من صحف، ومجلات، وهذا هو واقع الحال عندنا، والأمر الثاني هو الفوضى التي تهيمن في السنوات الأخيرة على الحياة الأدبية، بحيث أصبح كل من يستطيع فكّ الخط أديبًا ينشر الدواوين، أو القصص القصيرة، أو الروايات. وليس في طوق النقد الحقيقي أن يتتبَّع لاهثاً مثل هذه الإصدارات، والكتابة عنها، لأن في ذلك من الإسفاف ما لا يتوافق مع منزلة النقد، وحرمته.
***
*كيف تقيّم خطورة النقد الذي تحركه انتماءات دينية أو سياسية أو أيديولوجية؟
*النقد، إذا استثنينا منه النقد الشكلي، فهو نوع من الإيديولوجيا. وعلينا ألا نخشى ما فيه من نزعات تحركها دوافع خلقية، أو سياسية حزبية، أو فكرية، أو دينية. وإذا تذكرنا ما ينماز به من طابع تراكمي، أدركنا قيمة التنوع، وتعدد الآراء فيه. ولهذا لا أجد خطراً في أن تكون لبعض النقدة توجهات من هذا اللون، أو ذاك، بشرط أن تخضع المادة الأدبية فيه للدراسة العلمية الموضوعية، وللتفسير، والتقييم النزيه. ومع ذلك من الحكمة ألا يتصدر الهاجس السياسي أو الديني أو الأخلاقي أو الإيديولوجي خطاب الناقد.

حاوره: نضال القاسم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية