ابراهيم نصرالله: كنت دائما مبهورا بما تركه السفر من أثر في تجربتي الكتابية
وقع كتابه السيرة الطائرة بمعرض الكتاب بعمانابراهيم نصرالله: كنت دائما مبهورا بما تركه السفر من أثر في تجربتي الكتابيةعمان ـ القدس العربي : وقع الروائي والشاعر الأردني ابراهيم نصرالله كتابه الجديد (السيرة الطائرة/ أقل من عدو، أكثر من صديق) الصادرعن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت خلال معرض الكتاب بعمان ،وسط حضور مميز من القراء والكتاب ومحبي نصرالله ، وتشكل هذه التجربة جزءا من سيرة ابراهيم نصرالله الابداعية والانسانية والأثر الذي تركه السفر في كتابته الشعرية والروائية، وحواراته حول القضايا العربية الساخنة والقضية الفلسطينية والصورة الانسانية العميقة للحضارة العربية مع الجمهور الأوروبي ومع مثقفين أوروبيين بين عامي 1985 و 2005، عابرا بكتابه هذا أيضا أهم مفاصل التاريخ العربي المعاصر منذ عام النكبة الفلسطينية حتي اليوم.يقول نصرالله في مقدمة كتابه: (اذا ما أراد الغرب أن يفهمنا حقا فان عليه أن يكفَّ عن الاستماع لنفسه، وأن يتركنا نتحدث بصدق عما يحدث فينا، وأن يتقبّل حقيقة قول الصدق حتي وان لم يأخذ بها في النهاية).وبعيدا عن البناء السردي الأفقي للسّير الذاتية يقدم نصرالله اقتراحا فنيا جديدا بكتابته لسيرة غير تقليدية، مستفيدا من خبرته الروائية، سواء من خلال تعامله مع الزمان والمكان أو من خلال سرده غير التقليدي لهذه الأحداث لغة وتأملاً، كما انعكست خبرته كشاعر بصورة واضحة في هذا الكتاب الذي ضم عددا كبيرا من النصوص الشعرية التي شكّلت جزءا أصيلا من بنية هذا العمل الذي يضيء جوانب كثيرة غير معروفة من حياة ابراهيم نصرالله ورؤاه الأدبية.هنا الشهادة التي كتبها نصرالله عن هذه السيرة والخبرات التي اكتسبها من السفر :عنّا وعن روح العالمروح العالم، كلمتان شغلتاني كثيراً في السنوات الأخيرة، روح العالم أين تكمن هذه الأيام؟! ما الذي يوحِّد هذا الخليطَ المرعبَ من الأشلاءِ والأحلام، من الموتِ والحياة، طموحِ الحياةِ في أن يحيا البشرُ بكامل انسانيتهم، أحراراً يمتلكون شمس نهارهم، كما يمتلكون مصيرهم.يقف الانسانُ اليوم علي حافةِ الجنون في هذه المنطقة بالذات، يقف علي حافةِ انفجاره، مُحتشِدا بغضبٍ لا حدودَ له، وهو يراقب ظلامَ الغطرسة يفترسُ روحه وجسده ويتسلي به ببطء دامٍ؛ يكفي أن يراقب المرءُ نفسَه، شاعرا كان أم فنانا أم بائع خضار، قليلا، وهو يتتبع فصولَ مأساته الزاحفة، حين يشاهدُ الأخبار، أخبارَ المذبحة المستمرةِ هنا وهناك، في فلسطين والعراق؛ يكفي ذلك، ليري نفسه فيما بعد، ودونَ أن يدري، ذاهبا لتفقُّدِ أطفاله واستدعاءِ وجوه أحبته وأصدقائه، وأسماءِ الكتبِ الجميلة التي يودُّ أن يقرأها، والشوارع التي تمنّي أن يسير فيها، والمدن التي أحبها قبل أن يراها.روح العالم، أين تتجسد الآن؟ أين تسكن؟ وكيف تستطيع اليوم الحفاظَ علي براءتها في زمنِ القتل علي الهواء مباشَرة، والحفاظ علي ارتفاعِها في زمن الطائرات العمودية التي تصرُّ علي أن تسوّي كلَّ شيء بالحضيض، لا بالأرض؟ أين يمكن أن تتواري هذه الروح القابضة علي سحر جمالها، جمرةً، في زمن طائرات الشبح الخفيَّة؟ وكأن العالم كان بحاجة لشياطين جددٍ بأرديتهم الفضفاضة السوداء. روح العالم، أين يمكن أن تتجولَ اليوم في زمن اصطياد الأجنّة علي الحواجز العسكرية والحدود المُغلقة التي تُحوِّل حليب الأطفال الي هدف استراتيجي لدبابات ميركافا وصواريخ توما هوك واليورانيوم المنضب وغير المنضب.روح العالم، أين هي اليوم في زمن محاكم التفتيش الجديدة، في العصورِ التي نعيش، العصورِ التي نموت، العصورِ الأكثر حلكةً في تاريخ البشر، العصورِ العار، عصورِ القتل الجماعي علي الهوية والدين ولون العيون، عصورِ العنصرية التي تتقدَّم لاقتياد شعوبٍ بأكملها، ودول بأكملها وتحويلها الي مزارعَ عبيدٍ يعمل فيها البشرُ مقابل الحصول علي رائحةِ طعامهم لا أكثر؟ ہہہكنت أرحل في السنوات الأخيرة بين مدينة ومدينة، وألتقي كتّابا وفنانينَ من عديد دول العالم، يجمعنا مهرجانٌ ثقافي هنا أو ندوة هناك، يجمعنا حديث عابر أو حديث طويل، وكلّما رحنا نُقَلِّبُ ذاكرتَنا باحثينَ عن شيء نبدأ به حديثنا، اكتشفنا أننا أقرب لبعضنا مما كنا نتصوَّر، وأننا نعرف بعضنا أحيانا أكثر مما تصوّرنا، لأننا كنا نعرف بعضنا بما نُحبُّ وبمن نُحِبّ.نكتشف أننا سكان وردةٍ واحدة وحلمٍ واحد وذائقةٍ تتلمس الضوءَ بتطلُّعها للحياة والجمال؛ نكتشف أن ما شكَّلَنا بشراً، هو ذلك الفيض النّوراني من المبدعين الكبار، نكتشفُ قرابتَـنا وأخوَّتَنا وصفاءَ أرواحنا، حين نكتشف أن هؤلاء المبدعين قد جَمَعونا طويلا، قبل أن نلتقي، ومهَّدوا لنا الدرب بجمالهم كي لا نفترق من جديد.يبدأ الحوار فتُشرق أسماءُ جبران خليل جبران وماركيز ومارغريت دوراس وباشو وشكسبير وميشيما ونيرودا وديلان توماس وجاك بريفير وهوميروس وكزانتزاكي وويتمان ونجيب محفوظ وادوارد سعيد وغوته وطاغور ودانتي وسواهم من آباء أرواحنا الأكثر رقة، ونكتشف أن فانسيا ردغريف وجاك نيكلسون وايرين باباس وأنتوني كوين، وكوبولا وفرانشيسكو روزي وفلليني وكيراساوا وتورناتوري وساتا جيت راي وسوزان ساراندون والجميل الشجاع شون بن هم رعاة جمال البشر.نكتشف أن سينما براديسو ولاعب الشطرنج والساموراي السبعة وشبح الكلب والقطار وأسطورة 1900 وبيردي وزوربا والواشم وابنة ريان بعضٌ من أفلامٍ كثيرةٍ وحَّدتنا في مشهد التمزيق الكبير لهذا العالم الصغير.نكتشف منسوب الجمال الذي رفعه عاليا بيكاسو ومودلياني وفرانسيس بيكون وغوغان وبوتيرو في أرواحنا.قبل أعوام قليلة كانت الشاعرة سارة ماغواير، التي ألتقيها للمرة الأولي، هنا في عمّان، وفي بيتي، حين اجتمعنا مع عدد من الأصدقاء، كانت المفاجأة الكبري بالنسبة لنا! أن أشياء كثيرة تحبها، موجودة هنا في البيت الذي تحلّ ضيفة عليه في عمان: كانت الموسيقي الرائعة للباكستاني علي خان، وأسطوانات موسيقي الطبيعة التي تسهر الليلَ معها هناك في بيتها في لندن، كان فيلم (الرجل الانجليزي الذي صعد تلة وهبط جبلا) وأفلام المخرج العظيم جون فرانكهايمر صاحب التحفتين السينمائيتين: (رجل الطيور في الكاتراز) و(القطار) علي بُعد ذراع منها.كل هؤلاء جعلونا نعيش في بيت واحد يتّسع لنا كلَّنا، وتُغطي مساحته كوكبنا الصغير الجميل البائس.كل شخص قابلته في هذا الدوران بين كثير من مدن الأرض، اكتشفتُ معه بعد خمس دقائقَ الطـــريقة التي يمكـــن أن يتحوّل فيها البشر الي أطفال يفيضون حماسةً، واكتشفتُ أننا كم كنا مخطئين حين ظننا أننا افتقدنا براءتنا للأبد.هؤلاء، وكثيرون مثلُهم شكّلوا أرواحنا هنا أيضا، منذ طرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمي والحلاج وجلال الدين الرومي وعمر الخيّام، ومنذ ملحمة جلجامش وألف ليلة وليلة ورسالة الغفران حتي آخر روائي وشاعر وموسيقي ومبدع علي هذه الأرض، أرضنا.هؤلاء هم روح العالم، روحه التي ترفض أن يكون العالم علي هيئة جلادي العالم وقوي ظلامه التي تُفرغ الحضارةَ من معني اسمها وسموِّ هذا الاسم.روح العالم نحن القادرين علي أن نُحبَّ ما يستحقُّ الحُبَّ وما يشبهه ويسكن فيه.**ذات يوم سألني صديقي الروائي فاروق وادي بعد سهرة طويلة تحدثتُ فيها عن أمسيات شعرية أقمتها ولقاءات مع كثير من البشر في غير مكان في هذا العالم: لماذا لا تكتب ذلك كله؟سنوات كثيرة مرّت علي ذلك السؤال، ولكنه ظل حاضراً وباحثا بقوة عن اجابته، الي أن جاءت تلك الرحلة الاستثنائية لكولومبيا، الرحلة التي عدتُ منها مبهورا وسعيدا بما رأيت.حدّثت صديقي الدكتــور فيصل درّاج كثـــــيرا عنها، وفجأة سألني: لماذا لا تكتــــب عنها، ثلاثـــــة أو أربعة مقالات؟ ان فيها الكثير مما يمكن أن يقال.ولكنني حين بدأت، كنت أعرف أنني لن أكتب مقالات عن تجربة كولومبيا، بل كتابا، وربما يعود ذلك لميلي الدائم لرؤية الأشياء متّحدة ببعضها البعض، محاورة لبعضها البعض ومكملة لبعضها البعض ومضيئة لبعضها البعض.وقد كنت دائما مبهورا بما تركه السفر من أثر في تجربتي الكتابية، وأكاد أقول انه كتب معي ربع أعمالي الأدبية، من (براري الحُمّي) الي (الأمواج البرية) الي (مجرد 2 فقط) الي (فضيحة الثعلب) الي (مرايا الخريف) الذي لم يصدر بعد، الي عشرات القصائد المتفرقة وصولا الي هذا الكتاب نفسه!!ولذا، فان هذا الكتاب بقدر ما هو عن أسفار كثيرة فانه عن (السفر) وعن بشر كثيرين الا أنه عن (الانسان) وعن كتب كثيرة الا أنه عن (الكتابة).انه في النهاية جزء من سيرتي.. السيرة الطائرة!0