ابراهيم وطفي: أنقل أسلوب الكاتب وشخصيته كما في لغته الأصلية

حجم الخط
0

يعد كافكا (1883 1924) أحد أشهر كتاب الرواية في العالم وتأثير أعماله بادية ملامحها في كثير من أعمال كتاب الرواية العالميين، بل أن شهرته تتعدى المهتمين بالأدب والرواية إلى المثقفين بشكل عام، تمتاز أعماله بأجوائها الغرائبية لدرجة أن خلقت عوالمها الخاصة والمتفردة والتي بات يطلق عليها مصطلح (الأدب الكافكاوي)، عندنا في الوطن العربي لم يكن كافكا بحاجة إلى تعريف….
بل كان بحاجة إلى ترجمة، ترجمة حقيقية تنقل أعماله إلى لغتنا كما كتبها مؤلفها ودونما خيانة للنص وجمالياته، وهذا العمل عكف عليه المترجم إبراهيم وطفي المقيم في ألمانيا حيث نشر ثلاثة أجزاء مع تفسيراتها تضم ستة آثار وهي: الحكم، الوقاد، الانمساخ، رسالة إلى الوالد، المفقود، المحاكمة. وهو مستمر في مشروعه الذي دأب عليه لسنوات بجد وإخلاص وحب، وحوار ‘القدس العربي’ هنا مع الأستاذ إبراهيم وطفي هو (حوار حول كافكا) يضيئ لنا بعض جوانب هذا المبدع العالمي كما يضيئ لنا جانب من عمل المترجم بصفته مبدعأ في مجاله .
أن يتفرغ مترجم لترجمة أعمال كاتب ما والتعريف به من خلال ترجمة أعمال نقدية عنه، ويحوله لمشروع يعمل عليه لسنوات، فلا بد أن تكون هنالك علاقة روحية عميقة ومؤثرة نشأت بين المترجم والكاتب، من هنا هل لنا أن نعرف كيف نشأت هذه العلاقة الحميمة بينك وبين أعمال كافكا؟ وهل منحتك إقامتك بألمانيا مزيداً من الفهم والتعمق لأعماله؟
*حين قرأت لأول مرة ‘ما إن أفاق غريغور سامسا، ذات صباح، من أحلامه المزعجة، حتى وجد نفسه وقد تحوّل في فراشه إلى حشرة ضخمة’، شعرت على الفور وكأنني تلقيت على حين غرة ضربة على رأسي. قلت لنفسي في لا وعيي: ‘هذا هو الحال. لا، ليس هذا حلماً. إنهم ينظرون إليك في الواقع وكأنك حشرة’. وتابعت القراءة وأنا في غاية الاندهاش والانبهار، لا سيما من عرض ‘الاتصالات الإنسانية… التي لا تصبح ودّية قط’، والعلاقات غير الإنسانية داخل الأسرة الواحدة.
كان حباً ‘من النظرة الأولى’، من السطور الأولى. كان ذلك في عام 1957، وكانت قصة ‘المسخ’ ‘للقاص الألماني العظيم’ فرانز كافكا، ترجمة منير البعلبكي قد صدرت لتوها في ‘دار العلم للملايين’ في بيروت كرقم 18 في سلسلة ‘كنوز القصص الإنساني العالمي’.
في ما بعد قرأت عن هذه القصة: ‘لا يصوغ كافكا ظواهر سوريالية، وإنما يصوغ حقيقتنا، وذلك بأقصى درجات الصدق الفني… الحقيقة المرعبة لهذه القصة هي الإدراك أن أجمل العلاقات بين الناس وأكثرها رقة وحناناً إنما تقوم على الخداع’.
رسائل كافكا، التي كنت قد قرأتها قبل عقود، أعدت قراءتها جميعها في عام 2006 – 2007 (1212 صفحة من القطع الكبير)، أعدت قراءتها بروية ومتعة (متعة القراءة هي جوهر الأدب). أن تجد كل صباح على طاولة الفطور رسالةً كتبها كافكا قبل نحو قرن من الزمان، تقرأها وتشعر بطزاجتها وكأنها وصلت لتوّها هذا الصباح… هذا شعور جميل. هذا ما كنت أشعر به طوال نحو عامين. كنت صباح كل يوم أثناء تناولي، وحدي، طعام الفطور أقرأ، بدلاً من جريدة، رسالة أو رسالتين من رسائل كافكا. بهذا اكتسبت عادة لم أتخل عنها بعد ذلك الوقت: مع كل تناول طعام فطور أقرأ شيئاً ما عن كافكا. من كتاب أو، بين كتاب وآخر، أقرأ مقالات تأتيني كل يوم من محرك البحث غوغل وأنسخها على ورق (لا يمضي يوم إلا وينشر فيه بالألمانية عدة مقالات عن كافكا وآثاره). في الأشهر الأخيرة من عام 2008 كنت أقرأ كل يوم بضع صفحات من الجزء الثالث من سيرة حياة كافكا التي كتبها راينر شتاخ. هذه ‘الرواية’ ضخمة الحجم (730 صفحة من القطع الكبير)، الساحرة والأكثر تشويقاً من أية رواية أخرى قرأتها.
لم أعرف مثل هذا التماهي مع شخص آخر أو حالة أخرى. إني أشعر بقرابة روحية مع كافكا. قرابة في طريقة التفكير والإحساس بالأمور. إنه أقرب شخص إليّ ممن تعرفت عليهم طوال حياتي، شخصياً أم قرائياً. أشعر أن ثمة حالات وتصرفات أنقلها عنه: في حالات معينة تفضيل الكتابة إلى حبيبة على لقائها. رسائل عديدة مني إلى أهلي نشأت بالطريقة والأوضاع النفسية نفسها التي نشأت فيها ‘رسالة إلى الوالد’.
ومع كل قارئ لكافكا أشعر بقرب، بغض النظر عن البعد المكاني.
بدأتُ ترجمة آثار كافكا في عام 1988. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن لم يمض يوم واحد تقريباً إلا وقرأت فيه شيئاً من كافكا أو عن كافكا، أو ترجمت منه أو عنه، أو عملت فيه شيئاً ما له علاقة به.أستثني من ذلك بضعة أيام من إقامة لي في غرفة العناية المشددة في مستشفى عام 1996. ولما ما عدت أستطيع القراءة وأنا ما زلت في المستشفى طوال نحو ثلاثة أشهر، عدت إلى كافكا. وإذ رأى الأطباء أنني أصبحت على فراش الموت، قرأت كتاباً عن موت كافكا… فشعرت بعزاء، إذ كان وضعي في المستشفى أفضل بكثير جداً من وضع كافكا في المصحة التي توفي فيها. في ما مضى لم أكن قادراً على قراءة كتاب عن الموت. لكن عندما قيل لي إن موتي قريب جداً، تغلبت على خوفي، وقرأت عن موت كافكا. قرأت الكتاب عن موته وكأنني أقرأه من أجل الكتابة عنه أو استخدامه في ترجمتي المقبلة، إذ عملت، كما هي عادتي، على المواضع المهمة في الكتاب، وكتبت ملاحظاتي على هوامش صفحاته. وإذ لم أمت، فقد استخدمت هذا الكتاب فعلاً في ترجمتي المقبلة. إنه كتاب ‘سنوات كافكا الأخيرة’.
كما أن الحب صداقة، فإن الصداقة هي أيضاً حب. والهواية أيضاً هي حب. إنك تحب هوايتك. وكافكا جمع لديّ بين الصداقة والهواية. إنه صديقي وهوايتي في آن. بدون هذا الشعور ما كان بالإمكان بذل هذا الجهد طوال ثلاثة وعشرين عاماً. (بتنويع عن أدونيس): إنني موجود، وحاضر في العالم، مترجماً لكافكا خاصة. فما سيكون معنى استمراري في الحياة، إذا انسلخت عمّا أوجدني ومنحني حضوري؟
المترجم يجب أن يقيم في بلد اللغة التي يترجم منها، مثله مثل سفير دولة يقيم في البلد المبعوث إليه. عليه أن يبقى على اتصال يومي باللغة التي يترجم منها، وأن يطلع باستمرار على الدراسات التي تنشر في مجال عمله؛ مثله مثل طبيب لابدّ له من الاطلاع على المبتكرات الجديدة في اختصاصه.
* إن أحد أسباب بقاء أعمال كافكا طوال هذه السنين بعد وفاته هو غموضها وقابليتها لتعدد التفسيرات.هل تعتقد أنه كان يتقصد ذلك عند الكتابة، بمعنى هل كان ينحو عامداًً نحو عدم الوضوح؟
*الغموض والوضوح هما دائماً أمر نسبي. ما يخفى عليّ، قد يكون واضحاً بالنسبة لغيري. الأمر تابع لمدى القدرة الذهنية لكل قارئ ومراس ذائقته الأدبية. يضاف إلى ذلك من ناحية الكتاب المترجم، أن عدم فهمه فهماً صحيحاً إنما يعود إلى سببين آخرين: عدم ترجمته وعدم محاولة فهمه بالطريقة التي كتب بها. لكل كاتب طريقته في تلقي العالم والكتابة عنه. كافكا لم يتعمد غموضاً ولا وضوحاً. كتب حسبما أملت عليه طبيعته. كان يحس أنه يُكتب من خلاله. كان يرى الكتابة شكلاً من أشكال الصلاة. ‘هكذا فقط يمكن الكتابة. بهذا الانفتاح الكامل للجسد والروح’. الكتابة بالنسبة لكافكا هي ‘مثل الحمل بالنسبة للمرأة’. النص كتخيل ولادة.
أحس أن ‘المتاهة’ و ‘الكابوسية’ و ‘الغرائبية’، وما شابه من ‘التهم’ العربية لكتابات كافكا، لا تزيد عن المتاهة والكابوسية والغرائبية التي تسود في واقع ‘العالم’ العربي.
سبب خلود كتاب، أو أي أثر فني آخر، يعود في المقام الأول إلى أن هذا الكتاب إنما يعالج مشكلة ما زالت قائمة. عندما يزول الاستبداد من المجتمع العربي، لا يعود أحد يقرأ كتاب ‘طبائع الاستبداد’ للكواكبي. كافكا يعرض المشكلات المركزية للإنسان في القرن العشرين. الإنسان بعامة، وليس إنسان مجموعة معينة. وهذه المشكلات ما زالت مستمرة في القرن الواحد والعشرين. في ستينات القرن الماضي كتب الفيلسوف أدورنو ان’نصوص كافكا الأمثولية تدعو للعمل منه مكتب استعلامات عن الوضع الأبدي أو الحالي للإنسان’. طالما تظل علاقة أب ابن / أب ابنة علاقة هيمنة وخضوع، ستظل ‘رسالة إلى الوالد’ جديرة بالقراءة من قبل كل أب وكل ابنة وكل ابن، في كل زمان ومكان.
عن قصة ‘الانمساخ’ كتب كافكا في ليلة 5 6/12/1912: ‘ابكي، حبيبتي، ابكي، الآن وقت البكاء! إن بطل قصتي الصغيرة قد مات قبل قليل’. غريغور سامسا لم يمت، بل ما زال حياً في أسر كثيرة في كافة أنحاء العالم.
‘لا بدّ أن أحداً قد افترى على يوزف ك.، إذ اعتقل ذات صباح دون أن يكون من شأنه قد فعل شراً’. يوزف ك. أيضاً سوف يظل أمثولة على كل يوسف عربي من الأجيال القادمة يجري اعتقاله وتعذيبه دون ذنب اقترفه سوى المطالبة بكرامته.
كل قارئ يفهم تبعاً لطبيعته وثقافته وذائقته. والأثر الفني قابل للفهم من عدة وجوه. من يفهم، مثلاً، غريغور سامسا شخصية من طائفة معينة، يذكّرنا بأن حشرة كافكا قد ‘تطورت’ لدينا بعد مئة عام من ابتداعها إلى فئران وجراثيم. وهذا يثبت، مع الأسف، صلاحية وصدق مخيلة كافكا. كان هذا المبدع ذو الإحساس فائق الرهافة يحس أن أهله ينظرون إليه كما لو كان حشرة، وذلك لأنه يمضي أوقات فراغه في خربشات، بدلاً من أن يعمل على جمع المال. أما الآن فلسنا حشرات بالنسبة للوالدين والأخوات والأخوة وأبنائهم والجيران ومن شابه وحسب، بل بتنا فئران وجراثيم بالنسبة لمختار الحارة بذاته، وذلك لأننا لا نريد أن نكون نعاجاً في قطيعه. بعد ميلاد غريغور سامسا، في نوفمبر عام 1912، بمئة عام بالتمام والكمال، لو بعث كافكا لدينا، كان سيشعر بفقر مخيلته قياساً إلى الواقع العربي الراهن، هذا الواقع الذي تجاوز مخيلة كافكا بدرجات.
* هنا، تحيلنا إجابتك إلى سؤال آخر، وهو إلى أي حد كان تأثير كافكا على الأدب العربي؟
*وطفي: عالمياً ثمة إجماع لدى المختصين على أن كافكا هو الكاتب الأكثر تأثيراً في الآداب العالمية. في عام 2002 أجري في النرويج استطلاع دولي لأهم مئة كتاب أدبي في التاريخ، التي تصلح لكل الأزمنة وتساعد في تشكيل الوعي الإنساني. وشارك في هذا الاستطلاع كتّاب عالميون، وأعلنت نتائجه في معهد نوبل. وكان كافكا هو الكاتب الوحيد الذي اختيرت جميع كتبه من بين هذه المئة كتاب. جميع الكتّاب الكبار الذين خلفوا كافكا قرأوا كافكا. وكثيرون منهم كتبوا عنه. مارتن فالزر، الكاتب الأهم في اللغة الألمانية في الخمسين عاماً الأخيرة، يقول إن مصيره الأدبي قد تقرر بقراءته آثار كافكا، لا سيما القصص، وخاصة قصة ‘الانمساخ’. والدور نفسه أخذته هذه القصة في المصير الأدبي لغارسيا ماركيز. الشاعر الإنكليزي ويستان أودين قال إن كافكا ‘هو الأقرب إلينا بمعنى علاقة دانتي، شكسبير، غوته بعصورهم’. ساراماغو الحائز على جائزة نوبل قال إن كافكا هو كاتبه الخاص. ‘إنه واحد من أعظم الكتّاب في تاريخ الأدب’. نابوكوف قال: ‘إن كافكا هو أهم كاتب في اللغة الألمانية’. جون أبدايك قال إن كافكا هو ‘الممثل الأنبل للمصير الإنساني في العالم الحديث’.
لم يقتصر تأثير كافكا على الكتّاب، بل شمل هذا التأثير مبدعين كثيرين في مجالات عديدة، فقد قام مبدعون كثيرون في المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة والموسيقى والرسم بتبنّي أجزاء من آثاره وعرضها عن طريق هذه الفنون.
عربياً: الإجابة لدى العاملين العرب في مجال الأدب المقارن. مع ملاحظة أنه حتى يمكن تمثّل تجربة فنية لمبدع عظيم، ويقوم هذا المبدع بالتأثير تأثيراً نابعاً من الجوهر وليس من المظهر وحده، فإنه ينبغي قبل ذلك ترجمة آثار هذا المبدع وقراءتها وفهمها على نحو صحيح.
* من خلال مذكراته ورسائله، هل كان هنالك ما يشير إلى أن كافكا كان يدرك حجم عبقريته؟
*كان كافكا يدرك أهمية كتاباته، بيد أنه لم يكن يُظهر ذلك بسبب تواضعه الجمّ. من طرف آخر كان يشعر بضآلة شأن في ما يتعلق بشخصه وبأنه فشل، وذلك لأنه نتيجة لظروفه في الحياة اليومية ومرضه لم يتمكن من تكملة معظم آثاره. يبدو في هذا شيء من التناقض، غير أن شرحه يحتاج إلى صفحات طويلة.
* عندما قرأت ترجمتك لكافكا (مع أني لا أستطيع قراءة كافكا بلغته الأصلية) كنت أشعر أنك قدمته للقارئ العربي بنفس الطريقة التي كتب بها أعماله بلغته الأصلية. كان إبداعاًً أن تترجم كافكا هكذا.. هل كان لديك خطة ما عندما أقبلت على مشروع ترجمة كافكا؟
*ملاحظتك جديدة ومهمة. أرى أنه ينبغي ترجمة كل كاتب بالطريقة التي كتب بها في لغته الأصلية. يجب محاولة نقل أسلوبه، شخصيته وروحه كما هي، وليس كما ‘يناسبنا’. أسلوب الكاتب ونبرته ونغمته وروحه نابعة من شخصيته وطبيعته وثقافته وظروفه ومجتمعه. و ‘تعريب’ هذا الكاتب هو تشويه لكل ذلك وعرقلة فهمه. وهذا ما جرى لكتّاب كثيرين ولأمور كثيرة. خذ مثال الاشتراكية: بقدرة قادر تحولت إلى ‘الاشتراكية العربية’. وما حلّ بهذه ‘الاشتراكية’ من تشويه، بحيث باتت تعميماً للفقر في كل مجال، هو ما سيحلّ بكل كتاب يجري تعريبه لكي يناسب ‘هويتنا’ و ‘عاداتنا’ والمألوف في الكتابة العربية واللغة العربية وطريقة الحياة العربية والمحرّمات العربية. القارئ بحاجة إلى كل جديد من خارج لغته وطريقة حياته. القارئ الأجنبي لا يبحث عن أسلوب لغته في عصره عندما يقرأ ترجمة لقصيدة من الشعر الجاهلي، بل يطلب أن يتعرف على روح الشاعر الجاهلي وروح محيطه. وعندما يقرأ رواية لنجيب محفوظ، يغرق في جو الحياة الشعبية في أزقة القاهرة في منتصف القرن العشرين. وعندما يقرأ قصص زكريا تامر، يبحث فيها عن جو القمع في المجتمع العربي. القارئ الأجنبي يبحث عن الجديد عليه والمختلف عن ثقافته. يبغي أن يوسّع أفقه ويفهم ما يمكن فهمه من العالم الواسع، ولهذا السبب يقرأ ترجمات.
الكاتب الذي لا يقرأ بلغة أجنبية يفوت عليه الكثير. القراءة بلغة واحدة ومعرفة طريقة حياة واحدة لا غير تنمّ عن ضيق أفق ضمن هذا العالم الشاسع المتنوع.
* هل واجهتك مشاكل مهنية في ترجمة أعمال كافكا خاصة لم تواجهها في أعمال كتاب آخرين؟
*أقرأ وأترجم كي أتمتع وأفهم وأتعلم. أتمتع بكل جملة أقرأها من أجل ترجمتها، وأتمتع بترجمة كل كلمة. مثال: عملت طوال نصف يوم في ترجمة كلمة ‘المحاكمة’، عنوان الرواية الشهيرة. وعملت طوال نصف يوم في ترجمة الجملة الأولى من الرواية:’لا بدّ أن أحداً قد افترى على يوزف ك.، إذ اعتقل ذات صباح دون أن يكون من شأنه قد فعل شراً’. وعملت طوال نصف يوم ثالث في الجملة الأخيرة: ‘مثل كلب!’ قال. كان الأمر وكأنما الخجل يبقى بعد’.
ترجمة كلمة واحدة وجملتين من كافكا احتاجت مني إلى عمل يوم كامل ونصف اليوم (يوم العمل عندي يتألف من ثماني ساعات على الأقل). هذا لا يعني مشكلة أو صعوبة. المشكلة أوالصعوبة هي دائماً أمر نسبي. لي جار شاب رياضي هوايته جري 20 كم كل يوم. وهذا لا يعني أنه يتعب أو يلقى صعوبة أو يشكو.
* أثير لغط كثير حول صهيونية كافكا. هل كان هنالك سند لها، أم أن الأمر مجرد تلفيق من صاحبه ماكس برود؟
*بصفتي قارئاً عادياً أقرأ النص الأدبي نصاً أدبياً بغض النظر عن شخص كاتبه وحياته ومعتقداته الشخصية في أمور الحياة اليومية. وهكذا أشاهد لوحة فنية أوأستمع إلى سمفونية. أتمتع بالاستماع إلى سمفونيات بيتهوفن دون أن أحتاج أن أعرف أنه أصيب بالصمم.
أستطيع أن أقرأ غوته، أفهمه وأتعلم منه. أما إذا كانت طاقتي الذهنية وذائقتي الأدبية وظروفي الأخرى لا تسمح لي بذلك، فإنه في مقدوري أن أقول أيضاً: ‘لا أقرأ غوته، لأنه كان يعارض الثورة الفرنسية’. كذلك ‘لا أقرأ ريلكه لأنه كان مثليا’ (بالعربية شاذ جنسياً). و ‘لا أقرأ لوركا لأنه كان مثلياً’. هل يتحتم على كل مبدع أثر فني أن يطابق مفاهيمي وظروفي في كل مجال؟
الدارس والناقد والمختص والخبير والمفسر وكاتب السيرة، هؤلاء يتقصّون كل صغيرة وكل تفصيل في حياة المبدع. من نتاج هؤلاء ثمة تسع صفحات بالعربية أحيل القارئ ‘عالهوية’ إليها: فرانز كافكا: ‘الآثار الكاملة / مع تفسيراتها’، الجزء الأول، ط 3، ص 142 150 (صديق كافكا + هوية كافكا)، الجزء الثاني، ط 3، عام 2009، ص 439 440 (حديث مع كاتب لسيرة كافكا).
إبداع كافكا يعالج طبيعة البشر بصفتهم بشراً وليس أعضاء في جماعات معينة. يعالج طبيعة ‘المجتمع البشري’ وليس مجتمعاً مخصوصاً. الحديث عند كافكا هو دائماً عن ‘الإنسان’ بعامة وليس عن أناس أية جماعة معينة. لذا فإن إبداع كافكا يُقرأ ويُفهم في سائر أنحاء العالم. ‘نصوصه الأمثولية تدعو للعمل منه مكتب استعلامات عن الوضع الأبدي أو الحالي للإنسان’. هذه الجملة التي كتبها الفيلسوف تيودور أدورنو هي جملة أساسية لفهم آثار كافكا.

(*) نشر ابراهيم وطفي ترجمة ثلاثة أجزاء من ‘الآثار الكاملة/ مع تفسيراتها’ لكافكا، تقع في 1423 صفحة من القطع الكبير، تضم ستة آثار هي: الحكم، الوقاد، الانمساخ، رسالة إلى الوالد، المفقود، المحاكمة. منشورات وطفي، دمشق. التوزيع: دار الحصاد ودار الكلمة. انظر موقع Kafka in Arabic .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية