‘ابعدوا هذا العربي الكريه’: الرسام العربي غريب الفرشاة والخيال والعادات

حجم الخط
0

‘ابعدوا هذا العربي الكريه’: الرسام العربي غريب الفرشاة والخيال والعادات فاروق يوسفلستُ متأكدا من أن الغالبية العظمى من الرسامين العرب تشغلها مسألة انقاذ الرسم في الوطن العربي مما هو فيه من حالة فقر. إنْ على المستوى الشكلي أم على مستوى الخيال. صحيح أن هناك اقلية من الرسامين لا تزال مستفهمة، حائرة وقلقة وهي تفكر في المصير الذي انتهى إليه الرسم عالميا، حيث صار ظهوره شاحبا بعد غلبة الفنون البصرية الجديدة على المشهد الفني. غير أن تلك الأقلية لم تكن متحمسة لعزلتها يوما ما مثلما هي عليه اليوم. وكما يبدو لي فإن أفراد تلك الأقلية الذين ينتمون إلى أجيال فنية متفرقة صاروا شيئا فشيئا يشعرون باليأس. لذلك فضلوا أن ينأوا بتجاربهم بعيدا عن المشهد الجماعي. يأس تشكل رثاثة الواقع الفني دافعه الرئيسي. وهنا لا أقصد المستوى الفني الهابط الذي يتماهى مع ذائقة سوقية صارت تستحوذ على الرسم من منطلق العرض والطلب فقط بل وأيضا السياقات التي خلقتها عملية تداول الفن من خلال اللقاءات الفنية الدورية (البينالات) واسواق الفن وصالات العرض الخاصة وأخيرا المزادات العالمية، التي تسللت إلى حياتنا، لتصنع معايير تفضيلية جديدة. وكما أرى فإن الجانبين (الفن الهابط والذائقة السوقية من جهة ومن جهة أخرى الممرات الخفية التي دخلت فيها حكاية تسويق الفن) يعكس الواحد منهما صورة الآخر ويؤثر فيه. إنهما يتضامنان في مواجهة أية محاولة لإعادة الرسم إلى رشده، حيث يكون مخلصا لوظائفه التي ليس من بينها التزيين. في هذه المرحلة بالذات تبدو الأمور قد حسمت لصالح الطرف الأقوى. وهو الطرف الذي يرى في الفن بضاعة ينبغي البحث عن أسرع الطرق لتسويقها، بمعنى التخلص منها لقاء ما تدره من أموال. ويبدو لي أن كذبة الاستثمار عن طريق الفن قد انطلت على الكثيرين. أقول كذبة لإن كل ما يجري في ذلك السوق لا يستند إلى حقائق نقدية ثابتة. هناك مزاج عشوائي، صار أصحاب القاعات الفنية وقيمو البينالات والمزادات يحيكون نسيجه من خيوط تجاربهم التي تجهل كل شيء ما عدا الخبرة في شم رائحة الأموال عن بعد، ذلك المزاج صار هو المعيار الوحيد الذي تُحدد من خلاله قيمة فنان وتُقاس به جودة عمل فني. لذلك فليس مفاجئا أن نقف أمام أحكام تقييمية لا صلة لها بسيرة الفن ولا بتاريخه. أحكام أدى تبنيها إلى صعود نجم رسامين لا علاقة لهم بالمعنى الذي ينطوي عليه وجود الرسم باعتباره قوة للتغيير الجمالي. رسامون هم في حقيقتهم نكرات أصبحوا فجأة نجوما في فضاء البينالات والمزادات الفنية. الكذبة تقع هنا. فما من استثمار حقيقي يكمن في اقتناء الفقاعات. هو مجرد فعل احتيال يقابله الآخرون بالبلاهة. لو كانت لوحة من المصري محمود سعيد هي موضوع ذلك الاستثمار لنظرنا إلى الموضوع ببراءة مطلقة. حتى لوحات السوري فاتح المدرس التي هي أشبه بالبطاقات البريدية والتي عرضت ذات مرة من قبل أحد المزادات كانت موضع ثقة. لنركن مسألة الاستثمار جانبا، فإن النظر إلى شيء من سعيد أو المدرس يهب المرء شيئا من الفخر. ولكن حين يتم اللجوء إلى أعمال رسامين صغار السن وضعيفي التجربة ولم يقل النقد الفني بعد حكمه النهائي في تجاربتهم ولم يكونوا جزءا عضويا من محاولة صنع ذائقة جمالية حديثة، يكون الأمر مريبا.

واقعيا يمكنني القول أن الرسامين الحقيقيين هم اليوم في اضعف مراحل سلطتهم. لن ألجأ إلى الفرضيات. فحتى لو قيض لرسامين نكنُ لهم اليوم الكثير من التقدير أن يُبعثوا أحياء فانهم سينضمون سريعا إلى صفوف المهزومين. لا ينفع في ذلك شاكر حسن آل سعيد ولا شفيق عبود ولا راغب عياد ولا أحمد الشرقاوي ولا لؤي كيالي. سيضطرون أن رغبوا في المنافسة إلى البحث عن أسباب تزكي وجودهم، غير التاريخ والانجاز الفني. وإلا فإن الاهمال سيحيط بهم. لا لشيء إلا لأن القيمين على الأحوال الفنية يجهلون التاريخ الفني في منطقتنا. بالنسبة للبعض فإن كلاما من هذا النوع سيبدو نوعا من المبالغة. لكن بربكم هل سمعتم في حياتكم عن عربي صار قيما للفن الياباني مثلا؟ يولد العربي في هولندا ويتخصص اكاديميا بالفنون البصرية ولا يستطيع اختراق الطوق الذي يعرف أبناء البلد وحدهم مواقع أبوابه وأسرار حدائقه. ولإن الحكاية كلها تتعلق بالروح فانني أعتقد أن روحنا بسبب غباء مؤسساتنا الثقافية صارت مخترقة. أتذكر أن القاهرة كانت تعاني منذ سنوات من كثرة الراقصات الروسيات اللواتي يؤدين الرقص الشرقي. ما فعلته الملاهي في القاهرة يشبه إلى حد كبير ما انجرت إليه المؤسسات الفنية في الشارقة وأبوظبي ودبي. جلبت تلك المؤسسات خبراء (خبيرات) عاطلين عن العمل في بلدانهم ونصبوهم قيمين مطلقي الصلاحية، لا أحد في إمكانه أن يراجع قراراتهم. ولإن سلطة النقد الفني معطلة في ظل جهل تام بما يجري وراء الكواليس فقد صار علينا اليوم وبعد أكثر من عشر سنوات على استفحال تلك الظاهرة أن نرث مشهدا فنيا رثا، سادته بهلوانات صاروا يتنقلون بين المحافل العالمية على وسائد هوائية. لن يجد الرسامون العرب الحقيقيون لهم مكانا لائقا في تلك الحفلة.

هل هذا يعني أن اولئك الرسامين قد خسروا الحرب؟ وهي حرب حقيقية تشنها على الفن سلطة المال والسياسة محمية بمنظومة من الأفكار والرؤى العالمية التي اتخذت من الوطن العربي ملعبا لتنفيذ مخططاتها. ليس المطلوب منا وفق تلك المخططات سوى أن نكون مستهلكين أغبياء. غير مسموح لنا حتى أن نقلد تيارات الفن الامريكي، التي هي في جزء منها عبارة عن صرعات. بالمعنى الذي يجعل من ولادة اندي وارهول عربي أمرا مرفوضا. نريدكم تحت. وتحت دائما. حتى التقليد المبدع غير مسموح به. لقد صنعوا لنا هيأة شبحية وما علينا سوى أن نتماهى معها. هم يقررون الطعم واللون والرائحة التي يجب أن نتحلى بها. فقد الكثيرون منا السيطرة على مطابخهم وبدلوا عاداتهم الغذائية وصار على الرسامين أن يغيروا عاداتهم في مراسمهم الشخصية. وضع مأساوي لا ينذر بوقوع الكارثة بل يعبر عن وقوع تلك الكارثة. نحن في قلب الكارثة.

حين يعجز الرسامون الحقيقيون عن انقاذ الرسم، فغن ذلك يعني انهم يقفون في مكان فيما يقع الرسم في مكان آخر. وهو ما يعني بالضرورة هلاك نوع فني، كان يوما ما بمثابة واحدة من أهم معجزتنا في العصر الحديث. هل يعد هذا العجز مؤشرا على استسلمنا لقدر صنعته مافيا، كانت في الجزء الاعظم من متطلبات شعورنا بالنقص؟ نحن صنعنا تلك المافيا وأمددناها بأسباب القوة. وهنا لا أفرق بين أحد وأحد. فلو لم يصمت الجميع لما استباح هذا الوباء ديارنا. كانت الالعاب البلهوانية تجري أمام أعيننا. كنا نبحث عن مظلة. تعودنا أن يكون لدينا رعاة مثاليون. اليوم (البارحة) وقد اختفى أولئك الرعاة المثاليون لم يعد أمامنا سوى أن نواجه واقعا مرا. لقد اقتنص السماسرة الفرصة. وبغض النظر عن جنسية أولئك السماسرة فان لغتهم تظل واحدة: ‘ابعدوا هذا العربي الكريه’ . مَن لم يُجربها من قبل فليُجربها الآن، لا لشيء إلا من أجل أن يتأكد من أنه صار منبوذا إلى الابد. شاعر وناقد من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية