ابن بطوطة ساردا معاصرا:

حجم الخط
0

ابن بطوطة ساردا معاصرا:

أسس لكتابة جديدة في أدب الرحلات في رحلة شاملة هاجسها السفر بمتعة من دون بوصلةالرحالة الطنجي لم يسرد عن بلاد الإسلام بل سرد بواسطة الإسلام المنفتح علي الآخر المختلف والغني بثقافتهابن بطوطة ساردا معاصرا:د. عبد الرحيم مؤدنہ لعل أهمية ابن بطوطة ونحن نحتفل بمرور سبعة قرون علي ولادته (1304 ـ 1368 أو 1378 م ؟) تكمن في انتسابه إلي زماننا علي خلاف العديد من الأسماء التي نستحضرها في وقتنا الحالي، مع وعينا الدائم بانتسابها إلي الماضي. أما بالنسبة الي ابن بطوطة فالزمن الذي ينتسب إليه هو زمن الأسئلة المتجددة، زمن الماضي والحاضر، الـ هنا والـ هناك. 1ـ من أي موقع يستمد ابن بطوطة هذه المعاصرة، علما بأن المعاصر قد لا يحتاج إلي سنة الميلاد أو الوفاة ما دام السؤال يتناسل باستمرار، في المسار الإنساني، ملتقطا جوهر هذا المسار من خلال الأسئلة التالية : ہ هل يستمد ابن بطوطة هذه المعاصرة من زمن رحلته الواقعي الذي استمر ثلاثة عقود قطع فيها الرحالة ما يقرب من 120000 كلم، أي ما يعادل ثلاث مرات محيط الأرض، بأساليب السفر السائدة في القرون الوسطي وما أدراك ما أساليب السفر في هذه القرون؟ ہ هل يعود ذلك إلي ريادته، في هذه الرحلة الطويلة من خلال محطات أساسية ؟ ! علي سبيل المثال نذكر نماذج من هذه المحطات : ـ هو أول رحالة إسلامي عالمي ارتحل إلي السودان وإفريقيا. ـ زار كل الأماكن المقدسة، إسلاميا، وعلي رأسها مكة وبيت المقدس، فضلا عن الأضرحة والمزارات والزوايا… ـ زار أهم علماء عصره، والتفت إلي أهم الكرامات والمزارات إلي الحد الذي أصبح فيه عنصرا من عناصر هذه الكرامة أو ذلك المزار. ـ ما علاقة الرحلة بـ مركزية الإسلام في تلك المرحلة ؟ !ـ ما علاقة الرحلة بالعالم الذي كان معروفا في مرحلة القرون الوسطي، وهو يشمل آنذاك ، المشرق العربي، الهند والصين، بعاصمتها بكين، علي الرغم من تشكيك بعض الباحثين الأجانب في ذلك، فضلا عن إفريقيا الشرقية والسودان خاصة !! ـ زار أوروبا خاصة الجنوب الإسباني أو الأندلس كما كانت تسمي قديما. ـ هل يتعلق الأمر بكون ابن بطوطة آخر رحالة مسلم وصف بغداد قبل أن ينتشر فيها الخراب، ويعم أرجاءها الدمار ؟ ! 2ـ قد يكون الأمر كذلك، دون أن يكون كذلك! فالرحلة غنية بفضاءات مختلفة تسمح بتعدد القراءات بعيدا عن الأفكار المسبقة ما دام ابن بطوطة قد تحول إلي رحالة عالمي منتسب إلي هوية ثقافية إنسانية. الوجود النصيإن ما نعنيه بمعاصرة ابن بطوطة يرتبط بوجوده النصي قبل أن يرتبط بوجوده الـواقعـي (المادي)، ومن ثم، فوجوده النصي، عبر ثلاثة عقود يسمح لنا بإثارة العديد من الأسئلة صبت في الصياغة السردية من خلال المستويين التاليين: ـ المستوي السردي المتعدد المواقع ـ سرديا ـ والأساليب ـ حكائيا من جهة، والمتعدد في لحظات التلقي من جهة ثانية. ـ خــــرق رحلة ابن بطـــــــوطة بلغة تودوروف Todorov، لمكونــات المتن الرحلي السائد في عصره، ولمكونات، من جهة أخري، الجنس الأدبي أو جنس الرحلة وبالتالي محكيات السفر بصفة عامة.السؤال ـ إذن ـ في جوهره سؤال الكتابة بمصطلحاتنا المعاصرة دون إهمال الدلالة القريبة أو البعيدة المرتبطة بزمن ابن بطوطة. ومن بين هذه الدلالات نذكر: ـ الكتـابـة مرادفـة لتسجيل العـادي من حوائج النـاس وحسابـات وأغراض خاصـة. (انظر طلب ركاب إحدي السفن من ابن بطوطة تسجيل وصاياهم الأخيرة بعد أن اصطدموا بطائر الرخ الذي اتخذ شكل جبل غريب لا علاقة له بطبوغرافية المكان أو مرجعه الخرائطي الواقعي) (الرحلة) (2). ـ التسجيل هو استرجاع للمرئي والمسموع عن طريق الذاكرة، ويتم ذلك من قبل كاتب يستعمل ضمير المتكلم بدلالته علي الحضور النصي من جهة، ومسؤوليته من جهة ثانية علي القول أي الملكية الرمزية الدالة علي انتساب النص إلي صاحبه (… قيدت من ذلك كثيرا، وضاع من جملة ما ضاع لي لما سلبني كفار الهند في البحر) (الرحلة) ـ دلالة الواقعية الحرفية أو الطابع التسجيلي الغالب علي عادة المتن الرحلي. وأنا أشهد الله وملائكته ورسله، أن جميع ما أنقله عنه من الكرم الخارق للعادة حق يقين وكفا بالله شهيدا . الرحلة 453. 3ـ أما مفهوم الكتابة عند كاتب الرحلة، وراويها ابن جزي فهي تعادل الآتي:التسجيل الأمينہ التسجيل الأمين لما ورد عن صاحب الرحلة دون زيادة أو نقصان، ودون ـ من جهة أخري ـ نقد أو تمحيص. أوردت جميع ما أورد من الحكايات والأخبار ولم أتعرض لبحث عن حقيقة ذلك ولا اختبار . (الرحلة، من مقدمة ابن جزي). ہ وقد تكون الكتـابـة اختصـارا لمـا روي لـه، أي لـ ابن جزي . يقول هذا الأخيـر : انتهي ما لخصته من تقييد الشيخ أبي عبد الله محمد ابن بطوطة (المقدمة).ہ أو قد تكون أداة لإبراز القدرة الأدبية والبلاغية للرحالة : … ونقلت معاني كلام الشيخ أبي عبد الله بألفاظ موفية للمقاصد، مفصحة للمناحي… وربما وردت لفظة علي وضعه فلم أجد عن أصله ولا فرعه . الرحلة، المقدمة.4ـ هذه اللحظات من الكتابة تعكس رغبة ـ وهذا مجرد افتراض ـ ابن بطوطة في أن يتحول بعد العودة إلي كاتب محترف. فالكتابة الوظيفية التي مارسها ـ أثناء الرحلة ـ عند تقييده لحوائج الناس، أو وصاياهم، لم تقنعه بسبب خضوعه لتأثير فكرة الكاتب الساحرة، خاصة أنه قضي ما يزيد علي ثلاثة عقود من السفر والارتحال. وتلك لعمري مادة غنية للكتاب والكتابة. ومن الثابت أن ابن بطوطة قد تابع ما يحظي به أهل القلم (الكتابة) من تبجيل واحترام، والدليل علي ذلك ما أصدره أبو عنان المريني من أوامر لكتابة الرحلة المروية من قبل ابن بطوطة الذي خضع لصياغة معترف بها كما جاءت عند الكاتب والشاعر ابن جزي. غير أن هذا الانتقال من الطابع الشفهي إلي الطابع المكتوب، دفع بابن بطوطة إلي تحصين موقعه السردي الذي أصبح محط تنافس من قبل ابن جزي. إنها لحظة التناوب السردي من خلال تبادل الأدوار بين ابن بطوطة وابن جزي عبر حضور ضمير المتكلم الذي انقسم إلي ضميرين: ہ ضمير المتكلم المفرد.ہ ضمير المتكلم الجمع. ہ ويتوزع هذا الضمير إلي متكلمين: ہ المتكلم المفرد المسمي بـ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي المعروف بـ ابن بطوطة.ہ المتكلم النصي الذي أملي رحلته (Le moi Textuel) علي متلق يحمل اسما ذائعا حقيقيا وهو الشاعر الكاتب ابن جزي.ہ ويتوزع ضمير المتكلم إلي موقعين:ہ موقع الأنا النصي المركزي /ابن بطوطة.ہ موقع الأنا النصي الثانوي/ ابن جزي.ہ ويتوزع ضمير المتكلم إلي ساردين:ہ سارد الداخل/ ابن بطوطة، أي السارد الحدث والسارد القول.ہ سارد الخارج /ابن جزي، أي من الخارج حدثا وقولا وسرديا.5ـ من هنا كان سارد الداخل يحضر في الرحلة من البداية إلي النهاية، قولا وفعلا، في حين يحضر سارد الخارج (ابن جزي) في مقاطع دون أخري أو قد يكتفي بممارسة من الخارج دائما، الترتيب والعنونة والتذكير والتصحيح، فضلا عن التدبيج والتنميق خاصة أن (ابن جزي) ينتمي إلي سلك الكتبة بالبلاط المريني الزاخر بالشعراء ـ ومنهم ابن جزي ـ والمؤرخين وكتاب الدواوين.ہ لا يكتفي سارد الداخل باستعمال ضمير المتكلم المفرد، بل يمارس السرد بضمير المتكلم الجمع وتصبح (نا) الدالة علي الجماعة ميثاقا ضمنيا للتطابق بين سرد السارد المفرد وسرد الجماعة المتزامنة معه في لحظة السرد، ما دامت هذه الجماعة مكتفية بالعلامة النحوية (نا) دون أن تعلن عن وجودها السردي ـ ولو من قبل السارد ـ باسم العلم، أو، من جهة أخري عن طريق الفعل السردي المعارض لسرد المتكلم المفرد. 6ـ وفي حالة التنصيص علي أسماء السُرّادِ، فإن ذلك ينتج لحظتين : ـ لحظة التطابق من جديد بين سرد المفرد وسرد الجماعة (رحلة ابن بطوطة. ص / 32/264/ 265… إلخ) ـ أو قد تنتج لحظـة التعـارض بين السـارد المفرد والآخـر المنتمي إلي الجماعـة. (مرويات أو حكايات قد لا تقبل التصديق).ويظل هذا التوزع بين السارد المركزي (ابن بطوطة) وباقي السُرّاد الآخرين، خاضعا لملكية النص المادية والرمزية، أيضا، لصاحبه ابن بطوطة، ومن ثم كانت الرحلة سيرة ذاتية لـ ابن بطوطة، وإننا لا نعرف القليل أو الكثير عن ابن بطوطة إلا عن طريق هذه الرحلة التي تكاملت فيها وضعية السارد (وهو من ورق) بوضعية المؤلف أو الكاتب (وهو من لحم ودم)، وهاتان الوضعيتان ارتبطتا بـ الشخصية المركزية المشكلة من أفعال وتفاعلات . تبادل المواقع امتد تبادل المواقع بين هذه الأطراف إلي النص، دون الاقتصار علي المنتجين أو الساردين لمراحله وصيغه، هكذا توزع النص بين الطرفين مما أنتج مواقع متباينة تجسدت كالآتي: ہ يشغل ابن بطوطة دور المرسل أو السارد أثناء الرحلة خاصة بعد اعترافه بضياع بعض مذكراته لأسباب عديدة. إنه سارد أثناء الارتحال. ہ وهو مسرود له أثناء إملاء رحلته علي ابن جزي الذي يتحول بدوره إلي سارد أثناء الكتابة. ہ سرد ابن بطوطة يحمل ملامح مميزة منها: ـ ملامح السرد الشـــــفهي علي الرغــــم من وجود بعض التقييدات التي يشير إليها ابن جزي بقوله: انتهي ما لخصته من تقييد الشيخ أبي عبد الله محمد بن بطوطة أكرمه الله . (الرحلة، ص: 827).ـ ملامح الرحالين السُرّاد السابقين علي ابن بطوطة، وهو بذلك ينطلق من سنة السند الذي جسد عماد السرد، أو الرواية في الثقافة العربية الإسلامية.إن الطابع الشفهي ما زال مخلصا للحديث أكثر من إخلاصه للكتابة. وإذا كان بديع الزمان الهمداني قد استطاع نقل فعل الحديث (حدثنا) من سنده الديني أولا (الحديث النبوي) وسنده اللغوي ثانيا (علماء اللغة ورواة الشعر) فإن الرحلة ـ خاصة رحلة ابن بطوطة ـ قد أعادت وصل ما انقطع بربط السرد الرحلي بجذوره الشفهية من خلال الآتي : ہ الإكثار من فعل (حدّث) الدال علي الكلام قبل الكتابة (الرحلة، ص : 40/112/746). ہ الإكثار من الخبر والإخبار، وتقديم الحكائين باسم أو من دون اسم. ہ الإكثار من حروف العطف وأدواته مساوقة للحركة والانتقال.ہ صيغ التعليم والتوجيه الدالة علي استحضار مستمع أو متلق مباشر مفترض. وسيأتي ذكره ،الرحلة، ص: 56/692 . ہ توظيف عنصر الاستظهار، شعرا ونثرا، المنتشر في الرحلة، ص : 56/412 ہ إيراد العديد من المرويات الأحدوثات والأخبار المتوزعة بين العجيب والغريب، الطريف والمتداول… الرحلة، ص : 280.أما علي مستوي المكتوب، فالإشارة إلي تقييدات الشيخ ـ كما أشار إلي ذلك ابن جزي ـ واردة في الرحلة مما يؤكد علي طابع المذكرات البارز في التقسيم والتبويب ، كما أن خصائص المكتوب تبرز أيضا في قدرة الرحالة ابن بطوطة علي التوليف بين : ہ السرد المباشر والكتابة التاريخية، أو بين اليومي Le quotidien والحقب الزمنية المختلفة المرتبطة بالماضي.ہ بين كتابة أوتوبيوغرافية وكتابة بيوغرافية أو تسجيل سير الأولياء ومراتب الصوفية، ودرجات الشيوخ وطبقات العلماء، وأنواع الكرامات، وأنواع الزوايا أو الحوالق كما يسميها أهل القاهرة الرحلة. ص : 54 ، وللتذكير فإن حديث ابن بطوطة عن الكرامات يمتزج فيه أسلوب الرحالة بأسلوب الكرامة التي تصبح ملكا للسارد إلي الحد الذي يتعذر فيه التمييز بين سرد الرحالة وسرد الكرامة المنقولة عن الآخر، صاحب الكرامة أو الراوي لبعض لحظاتها. ويرجع ذلك إلي تكامل سرد السارد المركزي بسرد السارد الثانوي ابن جزي من خلال عملية التوليف (المونتاج) بين محكي السماع ومحكي الرؤية البصرية، بين المحكي العجائبي والمحكي الواقعي، بين محكي السارد ومحكي الشخصيات، بين المحكيات الكبري للرحلات الثلاث والمحكيات الصغري المتوزعة عبر هذه المحكيات الرئيسية، بين المحكي المسهب أو المفصل أو الحواشي المكتفة لهذا الحكي، أو المفصلة لبعض مغاليقه. كان ابن بطوطة ساردا قبل أن يكون كاتبا، وكان ابن جزي كاتبا قبل أن يكون ساردا، ومتعة الحكي السرد في الرحلة، تعود إلي كون ابن بطوطة كان سليل سُرّادٍ قبل أن يكون سليل كتاب بالمعني الحرفي، ومن ثم كان إحساسه بانتمائه إلي مركزية الإسلام، أثناء القرون الوسطي، التي لعبت فيها مركزية الحكي ـ المخيال الإسلامي ـ دورا كبيرا. فابن بطوطة لم يسرد عن بلاد الإسلام، بل سرد بواسطة الإسلام المنفتح علي الآخر ـ سواء شاركه المعتقد أم لم يشاركه في ذلك ـ الغني بحكاياته وثقافته وتجربته في التعامل مع التنوع في المكان والزمان. من هنا كان ابن بطوطة يتحدث بصيغة المفرد من خلال عين الآخر الذي ظل بالنسبة لابن بطوطة: ہ صنيعة إلهية كشف السفر عن خبرتها وعطائها وحضارتها المميزة. ہ الاحتكام إلي ما ينفع الناس عن طريق الكشف والاكتشاف. ہ الانفتاح علي الآخر في التسيير والتدبير مما دفع به إلي أن يشغل مناصب عديدة لتسهيل التعامل بين الناس، مثل شغله للقضاء بـ دهلي أي دلهي والسفارة بالقسطنطينية والصين ومهام سياسية أخري بجانب سلطان مالي . ہ يقدم العجيب والغريب، والمدهش أو الاستثنائي من موقع القناعة أو الاقتناع بالاختلاف والتنوع بين البشر من جهة، ومن موقع شساعة المعرفة التي لا وطن لها ولا حدود لها دون احتكار من جهة، أو منظور متعال من جهة ثانية. ہ واستغراق سفره لثلاثة عقود يدل علي رغبته الدائمة في التعلم والتعرف علي هذا التنوع، فـ الحكمة ضالة المؤمن و لا تبحث عن القائل، بل ابحث عن المقول . ہ قد يعزف مرات متعددة علي مقولة الإسلام والكفر، غير أن ذلك لا يدفع به إلي القذف والقدح، بل كان يلتزم الحياد مسجلا جوانب معينة من ممارسة هذه الشعوب. وتجدر الإشارة إلي أن الكفر قد لا يبقي حبيس المرجعية الدينية، بل قد يعني السلوك غير الأخلاقي عامة. ولعل هذا ما يفسر وقوع ابن بطوطة في مآزق السرقة أو فقدان المتاع من طرف هؤلاء الكفرة. كتابة جديدةثانيا ـ (التحفة) والنوع الرحلي: استطاعت رحلة ابن بطوطة أن تؤسس لكتابة رحلية ابتعدت ـ في بعض عناصرها ـ عن تقاليد الكتابة السائدة في هذا المجال من خلال الآتي: ـ لم تلتزم باحترام خط الذهاب والإياب، بل أنتجت الرحلة خطوطا عديدة من الذهاب والإياب. فإذا كان الحج في البداية، هو المقصد العلني لابن بطوطة فإن الحج تحول إلي ست (6) حجات من مواقع متباينة عبر العالم آنذاك. هكذا تقاطع خط الحج مع خطوط أخري، ذهابا وإيابا، أنتجت مقصديات متعددة.ـ وأصبح الحج نمطا من أنماط الارتحال داخل الرحلة بجانب النمط الزياري والنمط السفاري (الهند / القسطنطينية / مالي) والنمط العجائبي (الهند / الصين / السودان) والنمط الكراماتي، فضلا عن الرحلة العلمية والفهرسية والسياحية… إلخ. قد يقول قائل، إن مرجع ذلك يعود إلي قيام ابن بطوطة برحلات ثلاث شهيرة، وسبعة أسفار أو أكثر. غير أن ذلك لا يمنع من التأكيد علي أن تعاملنا، في هذا السياق، يتم من خلال (التحفة) التي أصبحت لدي المتلقي (القارئ) نصا واحدا خضع للتوافق التام بين سارده الراوي المركزي ابن بطوطة وسارده الثاني/ ابن جزي. ـ هكذا يمكن نعت الرحلة بأنها رحلة شاملة هاجسها الأساسي هو السفر، بعد أداء الفريضة الخامسة، بغض النظر عن وجهة الرحالة. متعة السفر هي التي قادت عملية الارتحال، أولا، وعملية الرواية ثانيا. د ـ ومن ثم تنوعت في الرحلة أساليب الدهشة والإدهاش (العجائبي) ولم يتردد الرحالة في الكشف عن جوانبه الحميمية الأوتوبيوغرافية، أو في ترويض التراث الرحلي السابق عن كبار رحالات العصر (ابن رشد / التجيبي / العبدري / ابن جبير…) أو في كتب المسالك والممالك لينسج محكيا من محكيات السفر التي ألح فيها الرحالة علي إمتاع ذاته، وإمتاع الآخر، فهو لم يخلق القطيعة المطلقة مع الرحالين السابقين، لكنه، في الوقت ذاته، أسس لسرده المميز القائم علي تجربة ذاتية مميزة.ه ـ هكذا تخففت رحلة ابن بطوطة من الصور البلاغية، ومن المبالغة في التأدب إلي الحد الذي استعمل فيه الكثير من مفردات العامية وصيغها، فضلا عن إلحاحه علي المتابعة لليومي، واستقصاء مظاهر الواقعي، مما قرب النص من المتلقي، أو المستمع، الذي لم يبق حبيس التقاليد القروسطية، بل انفتح هذا المتلقي، وهو الذي كان ينتظر رحلة حجية، علي رحلات متعددة الأنظمة والمعارف والصيغ السردية والمحكيات العجيبة والغريبة، وتحولات الواقع والخيال. إنه خرق، متجدد، لميثاق القراءة بين قارئ نمطي ـ قارئ الرحلة الحجية ـ ورحلة متمردة علي النمطية. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية