ابن خلدون بيننا: في الحاجة إلي الخيانة!

حجم الخط
0

ابن خلدون بيننا: في الحاجة إلي الخيانة!

عبد الصمد الكباصابن خلدون بيننا: في الحاجة إلي الخيانة!نتساءل اليوم عن حضور ابن خلدون في الفكر المغربي المعاصر ونسعي للاحتفال به ونوثق لغيابه ونكتب عن آثاره وما خلفه من أفكار، ونحاول جاهدين أن نقرب بينه وبين أسئلة عصرنا. لكن ذلك أبدا لن يكون مفيدا لا لنا ولا لابن خلدون طالما أننا لم نحدد بعد معني الاحتفاء به ودلالة التكريم المراد له. فقد قال نيتشه ذات يوم إن شعبا ما لم يكن يتميز برجاله العظام، بل بالطريقة التي كان يكرمهم بها ويعترف بفضلهم (1). ونحن إذ نسائل موقعنا من ابن خلدون حيث ترتسم خارطة من الغياب وتتوغل أشكالها في لـُبس يقدم كوضوح تام، نجد أنفسنا أمام تاريخ من الترحال تنقل فيه ابن خلدون بحفاوة عقيمة بين الكتب والدراسات والأبحاث و الأطروحات التي ترسبت خلال القرن العشرين بالمغرب لكن كل ذلك لم يخول لصاحب المقدمة أن يولد سؤالا جديدا في الفكر المغربي المعاصر ولا أن ينتج إشكالية متفردة تصوغ حيرة تجربتنا التاريخية وتفتح أفقا جديدا للفكر.ظل السؤال كما قال بلانشو رغبة الفكر(2) والإجابة شقاءه. ومن ثمة لم يكن ملائما البحث عن ابن خلدون كجواب جاهز احتفظ الزمان به وصانه من لوثة التغيير. بل كسؤال شقي تفجره المسافة التي تفصلنا عنه، تلك المسافة التي صاغتها حركة المجري التي يتحدد فيها العالم بكامله كاحتمال حدوث. ولا يعمل تدخل الفكر إلا علي مضاعفتها ومفاقمة نتائجها غير المنتظرة. ما تكرس من خلال حضور ابن خلدون في الفكر المغربي هو ترسب أرضية تسبق فيها الأجوبة الأسئلة وتتزاحم فيها الأحكام الفاقدة لموضوعها. وهكذا فمنذ دراسة طه حسين تحول ابن خلدون إلي مرآة عتيقة يُعاد في وجهها المليء بالخدوش اكتشافُ وجه الناظر إليها. فالماركسي يعثر فيها علي ماركس الذي نطق عربيا قبل كارل ماركس الألماني بمئات السنين. ووجد فيه وضعيو السوسيولوجيا إميل دوركهايم أو أوغست كومت المغتربين عن زمانهما والمشردين خارج عالمهما. وأعاد فيه البعض تشكيل صورة اللص الذي يسطو في غفلة دامت بَعْدهُ لقرون طويلة علي ميراث الآخرين، وفي كل هذا غاب ابن خلدون كأفق إشكالي وكإجراء توليدي لحيرة جديدة ولسؤال فعال.إننا نستغرب لماذا عندما عاد جيل دولوز مثلا إلي اسبينوزا كان ذلك مناسبة لإبداع فلسفة جديدة لا تربطها باسبينوزا نفسه سوي الخيانة فتحول بفضل ذلك إلي ابتكار غير مسبوق في التاريخ بمفاهيم جديدة تبدعه كأفق مستقبلي. في حين لم تكن العودة لدي المغاربة إلي ابن خلدون الذي قال عنه توينبي ذات مرة أنه بلور أعظم فلسفة للتاريخ، سوي مضاعفة لتحنيطه وتحويله إلي احتياطي من الاستشهادات التي تزيد في عدد سطور هذا الكتاب وتنفخ في صفحات ذاك البحث، وكذلك كان شأن ابن رشد وابن عربي.إن العودة في الفكر لا تعني بالضرورة الاستعادة بل تفتح أفقا للمغايرة، إنها تنسج اللقاء في الزمان الذي لن يكون سوي مغامرة الانفتاح علي الآخر يتحول فيه المعني إلي تجربة اللامعني، ففي المغامرة تكون النتائج غير محسومة سلفا. وتصبح كل علاقة للألفة وجها للغربة. ويفترض كل ذلك جرأة أن تتحمل العالم بكامله كحركة حية للسؤال الذي هو كما يقول بلانشو الكلام الذي يكتمل عندما يفصح عن نقصه وعدم اكتماله (3) ويضع الإثبات في الفراغ فيكسبه غني وثراء.انطلاقا من ذلك فالعودة إلي صاحب المقدمة ليست بالضرورة رحلة زائر المقبرة يقف علي الشاهدة ويبكي ثم ينصرف، ولا نظرة المتملي في نصب تذكاري عظيم ثابت في مكانه يختزن حقيقته المضمونة ودلالته المخبوءة ويذكر بها، بل هي بالأحري لقاء في غيرية الزمان وانخراط في حركيته المنتجة التي لا تحفظ بقدر ما تتلف.لقد كان نيتشه ثاقب النظر عندما نبهنا إلي ضرورة الاحتياط من تصور المكان مجالا مغلقا تجري عليه معركة، أو مستوي يقف فيه الخصوم علي قدم المساواة، إنه بالأحري اللامكان، مسافة محض وشاهد علي أن الخصوم لا ينتمون إلي فضاء واحد، فلا أحد قادر علي أن يجعل من الانبجاس مجدا، إنه ينشأ دائما من خلال فجوة (4) فكم كان ابن خلدون ميتا بيننا ونحن نحاول أن نبعثه حيا بأفكار محنطة. فالفكر العظيم هو الذي يخلق ما يتجاوزه. وربما كانت قوة أفلاطون لا تعود إلي صلابة صموده بقدر ما ترجع إلي قوة من تنكروا له فحولوه إلي طاقة متحركة لإبداع الممكن وكذلك فابن خلدون ليس في حاجة إلي وفاء الأصدقاء وإنما لوقاحة المتنكرين.. ذات مرة قال موريس بلانشو نحن نعلم جديا أنه عندما يموت شخص بالقرب منا وإن كنا لا نبالي به تماما، فهو بالنسبة لنا في تلك اللحظة، الآخر إلي الأبد، (5). آية آخرية إذن يكتشفها الفكر المغربي المعاصر في ابن خلدون وأي نوع من المطالبة يرسخها موته : شيء مفارق حقا فعوض عن أن يفتح أسئلة المستقبل وظف لإعادة إنتاج أسئلة الماضي. يمكننا أن نتساءل اليوم أي موقع لابن خلدون ضمن إشكاليات عصرنا الذي أضحي فيه الإنسان كائنا انتهي زمانه كما أكد ذلك الأستاذ عبد العزيز بومسهولي في كتابه نهاية الأخلاق ؟ أي فجوة سيفتحها في نسيج أوهامنا المبعثر وأي شكل للصمت سيكشفه في تاريخنا؟ فأن ندع التاريخ يتحدث معناه أن نستمع لكلامه كإضافة وليس كتكرار. في النص الذي ترجمه الأستاذ حسن أوزال في كتابه حكمة الحداثيين يتساءل الفيلسوف الفرنسي أندريه كومت سبونفيل: ما جدوي التفكير إذن، إذا كان من أجل حياة بئيسة؟ فما هو مطلوب هو أن نتعلم أن نموت و أن نتعلم أن نحيا. وهذه هي الفلسفة ذاتها التي لم تصادفها إقامة ابن خلدون بيننا بعد سفره الطويل عنا، إنك لا تموت جراء ما أنت به مصاب من مرض بل جراء ما أنت به تحيا يقول سبونفيل. فضيافة ابن خلدون كشفت محنة فكرنا الذي ضل غايته ولم يعد يجد في الحياة سبيلا مبهجا كن واثقا من نفسك : فالحقيقة ليست منتهي الطريق، بل هي الطريق ذاته (7). أن نكرم ابن خلدون معناه أن نتعلم جيدا كيف ننساه وليس كيف نتذكره، أن نتلف معالمه لا أن نحفظها. أن نخونه بملء ما استطعنا من الجرأة لا أن نظل أوفياء لـه، أن نقنعه بصمته لا أن نردد كلامه، أن نكف عن اعتباره درسا يلقن في حجرة مدرسة أو وثيقة محفوظة في أرشيف. أن نعيد الموت إليه حياة ونقدس الخطأ سبيلا إليه والخيانة تقربا منه.. إذاك فقط سينتظرنا ابن خلدون أفقا مستقبليا مشعا.. ذاك الذي لم يكن أبدا واردا في أي تاريخ أو مكتبة أو لغة.باحث من المغربهوامش :1 ـ نيتشه : الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي تعريب سهيل القش، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 2005، ص 42.2 ـ موريس بلانشو : أسئلة الكتابة ترجمة نعيمة بن عبد العالي وعبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال للنشر الدار البيضاء، 2004، ص 11 ــ 12.3 ـ موريس بلانشو : نفسه 4 ـ ميشيل فوكو : نيتشه الجينالوجيا والتاريخ ترجمة عبد السلام بن عبد العالي.5 ـ موريس بلانشو : نفسه، ص 49.6 ـ حسن أوزال : حكمة الحداثيين : أنطولوجيا الحاضر ص، 19.7 ـ نفسه ص 27.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية