اتجاه لزيادة أسعار الفائدة في الدول الصناعية والصين تتبنى سياسة حذرة لضمان «الاستقرار»

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

على الرغم من ارتفاع مستويات التضخم في الدول الصناعية بشكل عام، فإن إجراءات السلطات النقدية تباينت بين رفع أسعار الفائدة فورا في انكلترا، إلى التمهل في مجموعة اليورو، إلى بدء سياسة تمهد رسميا لرفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة. وقد قرر بنك انكلترا يوم الخميس 16 كانون الأول/ديسمبر رفع سعر الفائدة الأساسي على الودائع والقروض بالجنيه الاسترليني، للمرة الأولى منذ 3 سنوات إلى 0.25 في المئة من 0.1 في المئة وتوقع البنك أن يرتفع التضخم بنهاية السنة المالية في نيسان/أبريل القادم إلى 6 في المئة، وهو ما يعادل ثلاثة أمثال المعدل الذي تستهدفه السياسة المالية. وعلى العكس من ذلك قرر بنك سويسرا الإبقاء على سعر الفائدة عند مستواها السلبي بواقع (-) 0.75 في المئة، وذلك رغم ارتفاع التضخم، ولكن بمعدل هادئ جدا بلغ واحدا في المئة، ومن المتوقع أن يظل تحت هذه النسبة وفي حدود 0.9 في المئة في العام 2023.
أما في في الولايات المتحدة فقد قرر مجلس الاحتياط الفيدرالي تعديل معدل النمو السنوي المتوقع في 2022 إلى 4 في المئة أعلى من تقدير ايلول/سبتمبر الذي كان 3.8 في المئة. وقال المجلس في نهاية الاجتماع الدوري للجنة السياسة النقدية أنه اعتبارا من اذار/مارس سيتوقف عن شراء ما تصل قيمته إلى 120 مليار دولار شهريا من سندات الخزانة الأمريكية وسندات الإسكان المضمونة بواسطة الخزانة، تمهيدا لرفع أسعار الفائدة في حدود 3 مرات حتى نهاية العام بمعدل ربع نقطة مئوية 0.25 في المئة في كل مرة. وهناك توقعات بأن ذلك لن يحدث قبل ايار/مايو 2022. ومن المتوقع أن يرتفع العائد على أذون الخزانة إلى 0.9 في المئة بنهاية العام 2022 ثم إلى 1.6 في المئة عام 2023 ويرتفع إلى 2.1 في المئة في عام 2024. في حين يبلغ معدل التضخم المتوقع لعام 2022 حوالي 2.6 في المئة وهو أعلى من تقدير ايلول/سبتمبر الذي كان 2.2 في المئة، كما سينخفض معدل البطالة السنوي إلى 3.5 في المئة.
المتغير الرئيسي الحاكم لقرار لجنة السياسة النقدية هو معدل البطالة، مع الاعتراف بأن معدل التضخم يتجاوز المعدل المستهدف، وانه هو التهديد الرئيسي الآن لأن جراح الاقتصاد لم تندمل بعد. ويعود السبب في تباين سياسة أسعار الفائدة في الدول الصناعية إلى اختلاف ظروف الإصابة بالسلالة الجديدة من فيروس كورونا التي يطلق عليه «أوميكرون» وظروف سوق العمل في كل دولة.

أولوية الاستقرار في الصين

أما في الصين فإن الأولوية القصوى للسياسة الاقتصادية في العام 2022 ستكون لمصلحة استقرار وتناغم الأداء حتى لو كان على حساب النمو. الصين تخشى من تأثير متغيرات محلية أخطرها انكماش الطلب، واضطراب إمدادات الطاقة، خصوصا مع تقليل الاعتماد على الفحم، والتحول تدريجيا إلى مصادر الطاقة النظيفة الخالية من الكربون. وسوف تستخدم السياسية الاقتصادية خلال العام القادم سلة من الأدوات المتنوعة لتحقيق أهدافها، على رأسها تكثيف الإنفاق المالي، بهدف زيادة الطلب العام والخاص، وزيادة الاستثمارات في قطاعات البنية الأساسية. كما تعكف أجهزة صنع سياسة الطاقة على وضع معايير دقيقة لإصلاح سوق الإمدادات إلى الصناعة حتى لا يتكرر الاضطراب الذي وقع في الربع الثالث من العام 2021 وذلك بهدف تحقيق استقرار في أداء خطوط الإنتاج ومعدلات النمو.
وعلى الرغم من أن الوثيقة الصادرة عن الاجتماعات الأخيرة للمكتب الاقتصادي للجنة المركزية للحزب الشيوعي تجنبت الحديث مباشرة عن خطورة تأثير الحرب التجارية والتكنولوجية التي تقودها الولايات المتحدة، فإن التحديات التي يواجهها الاقتصاد الصيني لا يمكن عزلها عن تداعيات هذه الحرب. وذكرت الوثيقة الصادرة عن المؤتمر الاقتصادي السنوي للجنة المركزية الذي تم اختتامه في الأسبوع الماضي صدور بالتعجيل باتخاذ إجراءات مبكرة على مستوى الوزارات والمقاطعات من أجل ضمان تحقيق أهداف الاستقرار الاقتصادي.
ويخشى صناع السياسة الاقتصادية أن تواجه الصين ضغوطا قوية محبطة النمو في النصف الأول من العام الجديد، على ضوء التحديات التي يواجهها الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق تقرر تخفيض توقعات النمو في العام القادم إلى ما يتراوح بين 5 إلى 5.5 في المئة. وكان الاقتصاد الصيني قد حقق نموا بنسبة 9.8 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2021 لتصل قيمة الناتج المحلي الإجمالي في نهاية ايلول/سبتمبر الماضي إلى حوالي 12.8 تريليون دولار.
وشددت الوثيقة على ضرورة أن تضع الحكومة مسألة تحقيق الاستقرار الاقتصادي على رأس أولوياتها، وأن تتجنب اتخاذ أي إجراءات من شأنها أن تؤدي إلى حدوث انكماش في السوق، أو آثار جانبية سلبية في قطاعات فرعية. كما أشارت إلى أولوية إصلاح أنظمة إدارة سوق الاستثمار العقاري، والتوسعات المالية للمشروعات القائمة. ومن المعروف ان عددا من شركات الاستثمار العقاري في الصين يواجه مشكلة متفاقمة، مع عجز شركات ضخمة مثل ايفرجراندى عن دفع مستحقات مالية لدائنيها ومستثمريها في المواعيد المحددة. لكن الاتجاه العام للسياسة المالية في العام الجديد ينصرف إلى تجنب اتخاذ اي إجراءات قاسية للإصلاح، بل على العكس تم توجيه البنك المركزي والبنوك التجارية إلى زيادة إتاحة السيولة للعملاء، بغرض تجنب احتمالات التعثر. وبالنسبة لأزمة «ايفرجراندي» يعتقد صناع السياسة الاقتصادية وخبراء سوق العقارات في الصين أن القطاع العقاري ما يزال سليما، وأن تلك الأزمة تتعلق بشركة واحدة فقط، وهو ما يعد محاولة للتهوين من الأزمة التي طالت 5 من كبريات شركات القطاع العقاري. ويبدو أن الصين ستعمل بكافة الطرق على مساعدة القطاع على تجاوز الأزمة، مع تطوير نظم الرقابة، بحيث لا تتسع تلك الازمة أو تتكرر. وقد لجأت الشركات المتعثرة إلى طلب السيولة عن طريق عقد صفقات لبيع بعض الأصول الاستثمارية المملوكة لها.
كما أصدر بنك الشعب الصيني «البنك المركزي» تعليمات إلى البنوك، تتيح لها زيادة السيولة وذلك بتقليل نسبة احتياطي الودائع بالعملات الأجنبية، بعد أن كان قد قرر أيضا تخفيض نسبة الاحتياطي القانوني مقابل الودائع المصرفية بشكل عام. البنك المركزي الصيني يواجه أيضا معضلة من نوع خاص تتعلق بارتفاع أسعار اليوان مقابل الدولار والعملات الرئيسية، ويحاول بكل الطرق ضبط إيقاع هذا الارتفاع حتى لا يؤثر سلبا على الصادرات، خصوصا مع غموض التوقعات بشأن الطلب الخارجي على السلع الصينية، وعودة المخاوف بشأن حدوث إغلاق اقتصادي عالمي لمكافحة السلالة الجديدة من فيروس كورونا. كذلك تضمنت السياسة النقدية الجديدة تخفيف الشروط المتعلقة بالتسهيلات المالية لوحدات الحكومات المحلية، وذلك لتشجيعها على زيادة الإنفاق على الخدمات الأساسية للمواطنين. وتعتزم الحكومة أيضا إعادة دراسة هيكل الضرائب بغرض تقديم تيسيرات من شأنها تعزيز الطلب وتجنب صدمات العرض، وتخفيف الضغوط عن القطاع الإنتاجي بشكل عام في العام الجديد، وتشجيع قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة على التوسع في تشغيل العمال وزيادة الإنتاج. وتعتبر الحكومة الصينية ان المساندة الضريبية والمصرفية لهذه المشروعات هي إحدى الأدوات المهمة لتجنب حدوث اختناقات في سلاسل الإمدادات داخل الاقتصاد بشكل عام.
وكان الرئيس الصيني شي جين بينغ قد افتتح مؤتمر العمل الاقتصادي السنوي للجنة المركزية والبرلمان الصيني بتقديم مراجعة للأداء الاقتصادي لعام 2021 وتحديد أولويات السياسة الاقتصادية للعام الجديد. وذكرت وكالة الأنباء الصينية أن كلمة «الاستقرار» تكررت 25 مرة في خطاب الرئيس تشي الذي رسم ملامح السياسة الاقتصادية للعام الجديد على النحو التالي: رفع مستوى المعيشة للمواطنين، تحقيق الاستقرار في السياسة الاقتصادية الكلية، توفير الحد الأقصى من الاستقرار الاجتماعي. وأكد الرئيس الصيني على مواصلة الالتزام بإدخال الإصلاحات الضرورية، والمضي بخطى أسرع على طريق الانفتاح الاقتصادي على العالم، والارتكاز على التطوير والتجديد التكنولوجي كمحرك رئيسي النمو الاقتصادي، والاهتمام بالانتقال إلى التنمية النوعية. وأشار إلى أهمية رفع مستويات الكفاءة في الأداء والاخلاص في العمل، لتحقيق العائد الأقصى من زيادة الإنفاق الحكومي.
ونستطيع بعد قراءة جانب من مناقشات المكتب الاقتصادي، أن نستنتج وجود تيار جديد يدعو إلى توسيع دور رأس المال بأشكاله المختلفة في كافة جوانب النشاط الاقتصادي، مع تقليص القائمة السلبية للأنشطة التي يمكن أن يشارك فيها أو يملكها بالكامل رأس المال الأجنبي، على أن يترافق ذلك مع وضع تنظيمات دقيقة وشفافة لتجنب ما يمكن أن ينتج عن ذلك من الآثار السلبية. وقد جرت مناقشة مقترحات في هذا السياق منها وضع نظام أشبه ما يكون بنظام «إشارات المرور» يسمح بتحرير الأنشطة في اللون الأخضر، والتدقيق في ممارسات رؤوس الأموال وإخضاعها للمراقبة في اللون الأصفر، ووقفها في اللون الأحمر. وحذرت المناقشات من خطورة المضاربات في قطاع العقارات، وأن يخضع البناء لاحتياجات الإسكان فعلا وليس للمضاربة، ومن هنا دعا مؤتمر العمل الاقتصادي إلى ضرورة بناء مساكن تكون أسعارها في متناول طالبي السكن، وكذلك وضع وتطوير التشريعات اللازمة لإقامة سوق لبناء المساكن بغرض الإيجار. وتشير تقديرات وكالة بلومبرغ لحالة سوق العقارات إلى انخفاض الأسعار بمعدل سنوي بلغ 17 في المئة في الشهر الماضي، للشهر الثالث على التوالي.
ونظرا للصعوبات المتوقعة على طريق تحقيق معدل النمو المستهدف في العام الجديد، فإن المشاركين في المؤتمر ناقشوا باهتمام كبير تأثير التباطؤ الاقتصادي المرجح حدوثه على سوق العمل. وتتوقع السلطات الصينية أن يبلغ عدد خريجي الجامعات والمعاهد العليا، الذين تستقبلهم سوق العمل في العام الجديد إلى 10 ملايين و 760 ألف خريج، بزيادة مليون و670 ألفا عن العام السابق، وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الصين التي تستقبل فيها سوق العمل عددا من الخريجين يتجاوز 10 ملايين، وهو ما من شأنه أن يضع ضغوطا هائلة على الاقتصاد الصيني في عام صعب على المستويين المحلي والخارجي.
وعلى صعيد العلاقات الاقتصادية بين الصين والعالم اهتم مؤتمر العمل الاقتصادي بأن تعمل الصين على تأكيد قواعد المعاملات المتعددة الأطراف المختلفة، والمساعدة على إصلاح النظام التجاري العالمي بوضع قواعد عادلة تلتزم بها جميع الدول. وكانت التجارة بين الصين والولايات المتحدة قد حقفت تقدما كبيرا خلال العام 2021 على الرغم من استمرار الحرب الاقتصادية بين الطرفين. وسجلت التجارة المتبادلة بين البلدين في الـ 11 شهرا الأولى من عام 2021 ارتفاعا إلى 682.3 مليار دولار بزيادة 30.2 في المئة عن الفترة المقابلة من العام السابق، وذلك على الرغم من الحرب الباردة القائمة بينهما، وهو ما وصفه خبراء الاقتصاد في الصين بـ «علاقات اقتصادية ساخنة، وسياسية باردة» مع الولايات المتحدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية