اتساع العجز المالي في إسرائيل وارتفاع تكلفة الاقتراض وخلل في هيكل العمالة

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

اعترف محافظ بنك إسرائيل المركزي أمير يارون بأن الاقتصاد يدفع ثمنا متزايدا للحرب على غزة، وأن هذا الثمن يزيد كما طالت هذه الحرب. وحدد بعض مؤشرات تكلفة استمرار الحرب بأنها تتمثل في زيادة حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وارتفاع علاوة المخاطر الاقتصادية، وزيادة تكلفة الاقتراض من الخارج، بعد قرار مؤسسة موديز للتصنيف الائتماني بتخفيض درجة الجدارة الائتمانية لإسرائيل إلى A2. وقال إنه لا يزال هناك طريق طويل جدا قبل العودة الكاملة إلى النشاط الطبيعي. وكان المحاسب العام لوزارة المالية يالي روتنبرغ قد صرح في الأسبوع الماضي بأن العجز المالي وصل إلى 7.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي بنهاية شهر حزيران/يونيو بقيمة 146 مليار شيكل. بينما كانت نسبة العجز السنوي في الشهر السابق قد سجلت 7.2 في المئة فقط. وبذلك فإن العجز المالي السنوي في الشهر الماضي يزيد بنقطة مئوية كاملة عن العجز السنوي المحدد لنهاية السنة المالية الحالية.
وطبقا للحسابات المالية الشهرية فإن العجز المقدر للشهر الماضي بلغ حوالي 14.6 مليار شيكل مقابل 6.4 مليار شيكل فقط في الشهر المقابل من العام الماضي. وبينما كانت الميزانية قد سجلت فائضا بقيمة 6.6 مليار شيكل في النصف الأول من عام 2023 فإنها سجلت في النصف الأول من العام الحالي عجزا بقيمة 62.3 مليار شيكل. ويتم سد هذا العجز أساسا عن طريق الاقتراض المحلي والخارجي، وهو ما يرفع قيمة الدين العام، وتكلفة خدمته، في وقت تزيد فيه الإيرادات العامة بنسبة محدودة.
وقد بلغ الإنفاق الحكومي منذ بداية العام أكثر من 300 مليار شيكل، بزيادة 34.2 في المئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهي زيادة تعادل ما يقرب من 10 أمثال معدل الزيادة في الإيرادات العامة. وجاءت الزيادة الرئيسية في العجز بسبب الارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري، على الرغم من المساعدات العسكرية الأمريكية. الولايات المتحدة قالت انها قدمت لإسرائيل مساعدات أمنية بلغ مجموعها نحو 6.5 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، وفقا لما ذكرته صحيفة «واشنطن بوست» نقلا عن مسؤول رسمي أمريكي في 27 من الشهر الماضي. وذكر المسؤول الذي لم يذكر اسمه أن ما يقرب من نصف هذا المبلغ تم تقديمه الشهر الماضي. ويشير تقرير الصحيفة الأمريكية إلى أن المسؤول كان يسعى لمواجهة اتهامات بعدم كفاية الدعم الأمريكي لإسرائيل وسط الصراع. وأشار إلى أن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة ناقش مع مسؤولين أمريكيين «مئات المواد المنفصلة» من المساعدات التي تم إرسالها إلى إسرائيل.
وتشمل النفقات العسكرية غير المباشرة في الميزانية الإنفاق المخصص لجهات مدنية لتغطية تعويضات الحرب لقوات الاحتياط وعلاج المصابين. وفي مقابل زيادة الإنفاق العسكري فإن الإيرادات العامة للدولة ارتفعت بنسبة 3.3 في المئة فقط لتصل إلى نحو 238 مليار شيكل، مقارنة مع 230.4 مليار في النصف الأول من العام 2023. وتقدر وزارة المالية أن العجز سيرتفع إلى ذروته بحلول شهر أيلول/سبتمبر المقبل. وتعتقد دائرة الموازنة بوزارة المالية أن العجز سينخفض بعد ذاك مقتربا من الهدف البالغ 6.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، والذي على أساسه تمت الموافقة على الموازنة في اذار/مارس الماضي. لكن إدارة المحاسب العام لوزارة المالية، التي تراقب عن كثب وتيرة الإنفاق، تقدر وضعا أكثر تشاؤما، حيث سينهي العجز المالي عام 2024 عند حوالي 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي حال تصاعد العمليات العسكرية حتى نهاية العام فإن العجز سيتسع أكثر من التقديرات.

ارتفاع الديون الحكومية

وطبقا لتقديرات وكالة بلومبرغ فإن ديون الحكومة الإسرائيلية المتراكمة خلال الأشهر السبعة الأولى من الحرب بلغت 60 مليار شيكل (ما يعادل 16 مليار دولار).
وبلغ إجمالي الدين في العام الماضي ما يعادل 62.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي مرتفعا من 60.5 في المئة في عام 2022 بسبب ارتفاع الإنفاق الحربي. ومن المتوقع أن يصل إلى 67 في المئة بنهاية العام الحالي. وكانت الحكومة الإسرائيلية قد اقترضت في العام الماضي حوالي 116 مليار شيكل محليا أو 72 في المئة من إجمالي الاقتراض، مع الحصول على نسبة 25 في المئة من الخارج. وجمعت الحكومة المبلغ الباقي في شكل ديون محلية غير قابلة للتداول. ونتيجة لذلك، فقد ارتفع الدين العام بنسبة 8.7 في المئة في العام الماضي ليصل إلى 1.13 تريليون شيكل، وحصلت الحكومة على نصف الزيادة في قيمة الديون (حوالي 81 مليار شيكل) في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي، وهي قيمة تتجاوز كل ما اقترضته إسرائيل في عام 2022 بأكمله، الذي بلغ حوالي 63 مليار شيكل.

الخزانة تطلب زيادة الضرائب

طلب البنك المركزي والخزانة الإسرائيلية ضرورة إجراء تخفيضات في الإنفاق، وزيادة الضرائب لجمع ما يتراوح بين 30 إلى 50 مليار شيكل. وأوصى مسؤولون في وزارة الخزانة في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي وزير المالية بفرض تخفيضات وضرائب في العام المقبل لجمع مبلغ إضافي يتراوح بين 30-50 مليار شيكل (ما يعادل 8 مليارات إلى 13.4 مليار دولار) لتمويل تكاليف الحرب. وتم إبلاغ وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أنه يجب اتخاذ تدابير للحد من العجز المتزايد في الإنفاق، لغرض إرسال إشارة إيجابية إلى وكالات التصنيف الائتماني، التي تراقب الزيادة في الإنفاق العام دون وجود أي سيطرة عليها، وتأكيد أن الحكومة جادة في ممارسة الرقابة المالية المناسبة، ولا يمكنها الاستمرار في زيادة الإنفاق بالعجز، حيث الحرب المستمرة بين إسرائيل وحماس تؤدي إلى تكاليف كبيرة على مالية البلاد.
وبعد التحذيرات التي وجهها البنك المركزي إلى الحكومة من تدهور حال المالية العامة للدولة، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي في الأسبوع الماضي على خفض شامل بنسبة 1 في المئة من ميزانيات جميع الوزارات الحكومية، باستثناء وزارة الدفاع، بما في ذلك 525 مليون شيكل كانت مخصصة في الأصل لزيادة رواتب معلمي المدارس الثانوية. ويهدف خفض الميزانية إلى تمويل احتياجات تدبير تكاليف الإقامة والتعويضات للسكان النازحين من الشمال والجنوب لمدة شهرين إضافيين، بتكلفة إجمالية قدرها مليار شيكل. وتنطبق التخفيضات على الميزانيات الاجتماعية والمدنية للحكومة بشكل عام، بما في ذلك وزارات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.
وقد ثار خلاف داخل مجلس الوزراء بشأن مخصصات ميزانية الأمن القومي، بما فيها الشرطة. وعارض وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير اقتطاع 42 مليون شيكل من ميزانية وزارته، وقال: «مثلما لم يخطر ببال أحد الاقتطاع من أموال وزارة الدفاع والجيش الإسرائيلي، لا ينبغي أن يخطر ببال أحد تخفيض أموال وزارة الأمن القومي، والمؤسسات والأجهزة العديدة التابعة لها». وقال إن تخفيض ميزانية وزارة الأمن القومي يضر بالأمن الداخلي أثناء الحرب.

ارتفاع التضخم وتراجع النمو

من بين العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى زيادة نشاط محركات التضخم: استمرار الحرب وتأثيرها على النشاط الاقتصادي، بما في ذلك انخفاض قيمة الشيكل، وتراجع نشاط سوق الإسكان والقيود المفروضة عليه، والتطورات المالية، وأسعار النفط العالمية. وقال محافظ البنك المركزي إنه على الرغم من أن معدل التضخم في إسرائيل يقع ضمن النطاق المستهدف، إلا أنه لا يزال عند الحد الأعلى منه. وأضاف المحافظ أن تحليلا للوضع الاقتصادي الحقيقي اظهر أن «المستوى العام للنشاط لا يزال أقل مما كان سائدا قبل الحرب مباشرة. كما انخفض معدل نمو الاستهلاك الخاص، الذي تعافى في الربع الأول من عام 2024، وبشكل طفيف خلال الربع الثاني، كما يتضح من بيانات نفقات بطاقات الائتمان. وتعاني سوق الإسكان من نقص العرض، وارتفاع أسعار المساكن بشكل ملحوظ. وذكر أن نقص العمال هو عنق الزجاجة الرئيسي على جانب العرض في قطاع الإسكان، وطالب بمواصلة تعزيز عملية جلب العمال الأجانب من مختلف البلدان للعمل في صناعة البناء. وبالإضافة إلى ذلك، ورهنا بالمبادئ التوجيهية والقيود المتعلقة بالأمن، ينبغي النظر في تعظيم إمكانات العمال الفلسطينيين في هذه الصناعة.
وكان صندوق النقد الدولي قد ذكر في نيسان/أبريل الماضي أن الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل سينمو بنسبة 1.6 في المئة هذا العام، وهي نسبة أقل من توقعات بنك إسرائيل بمعدل نمو يبلغ 2 في المئة. وكان معدل النمو المتوقع قبل الحرب يبلغ 3.1 في المئة.

تراجع الاحتياطي الأجنبي

بلغ احتياطي إسرائيل من النقد الأجنبي في نهاية حزيران/يونيو 210.278 مليار دولار، بانخفاض قدره 232 مليون دولار عن مستواه في نهاية أيار/مايو طبقا لبيانات البنك المركزي الإسرائيلي. كان مستوى الاحتياطيات نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي 41.3 في المئة. ويعزى هذا الانخفاض بشكل رئيسي إلى أنشطة الصرف الأجنبي التي تقوم بها الحكومة، والتي بلغ مجموعها 1.194 مليار دولار، تشمل تحويل حوالي 340 مليون دولار من قبل الحكومة إلى حساب صندوق مواطني إسرائيل. وقد قابل هذا الانخفاض جزئيا إعادة تقييم أدت إلى زيادة الاحتياطيات بمقدار 949 مليون دولار.

الخلل في التركيب السكاني

خلال تسعة أشهر من الحرب بلغ صافي الهجرة إلى إسرائيل والنزوح منها رقما سلبيا يتجاوز نصف مليون إسرائيلي، غادروها ولم يعودوا. ورغم أن أرقام الهجرة والنزوح تخضع لرقابة شديدة، فإن مقالا نشرته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في 27 من الشهر الماضي بتوقيع تاني غولدشتاين قدر عدد الإسرائيليين الذين غادروا البلاد من تموز/يوليو 2023 إلى نيسان/أبريل من هذا العام يزيد بأكثر من نصف مليون عن عدد الإسرائيليين الذين دخلوا البلاد خلال تلك الفترة، وذلك وفقا لبيانات حصل عليها من إدارة السكان والهجرة. وحسب تلك البيانات كان عدد الإسرائيليين الذين غادروا إسرائيل خلال أشهر الصيف والعطلات حتى السابع من تشرين الأول/اكتوبر أكبر بنحو 625 ألفا من عدد الإسرائيليين الذين دخلوا إسرائيل خلال تلك الفترة. بكلمات أخرى، غادر ما مجموعه 575 ألف إسرائيلي في العام الماضي.
وفي أيلول/سبتمبر والأسبوع الأول من تشرين الأول/أكتوبر، كما هو الحال في كل موسم أعياد، غادر حوالي مليون إسرائيلي البلاد لقضاء العطلات والرحلات والزيارات العائلية في الخارج، وعاد حوالي 400 ألف منهم إلى إسرائيل. وفي مقابل العائدين، غادر عدد أكبر من المواطنين إسرائيل. في الأشهر الأخيرة، كما تم نشر العديد من المقابلات في وسائل الإعلام مع مواطنين قرروا مغادرة البلاد، من العرب واليهود، بما في ذلك النازحين من غلاف غزة والحدود الشمالية.
خلاصة القول، حسب بيانات إدارة السكان، فإن إجمالي عدد المواطنين الذين غادروا البلاد ولم يعودوا (من سافروا في الصيف وأثناء موسم الأعياد والذين غادروا لاحقاً أثناء الحرب) يزيد بنحو 550 ألفا عن إجمالي عدد المواطنين الذين عادوا إلى إسرائيل (كل من الذين عادوا من إقامات طويلة في الخارج والعائدين من إجازات خلال الأعياد). وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن المهاجرين القادمين من روسيا ما زالوا يمثلون المصدر الأكبر للهجرة إلى إسرائيل حتى الآن.
ومن المعطيات التي كشفت عنها وزارة الهجرة والاستيعاب خلال مناقشة جرت في الكنيست قبل أسبوع، أنه منذ بداية العام وصل إلى إسرائيل 14.982 مهاجرا، معظمهم من روسيا. وهذا يعني وصول ​​حوالي 2500 مهاجر شهريا في المتوسط. وهذا تحسن في أرقام الهجرة مقارنة بالأشهر الأولى من الحرب، عندما كان يصل إلى إسرائيل حوالي 1000 مهاجر شهريا.
وطبقا لبيانات إدارة السكان، غادر إسرائيل نحو 17 ألف عامل أجنبي في أول شهرين من الحرب منهم نحو 9800 عامل زراعي، معظمهم من تايلاند، ونحو 3000 عامل تمريض، معظمهم من الفلبين. كما غادر آلاف السياح ورواد الأعمال والدبلوماسيين، ولم ترجع نسبة كبيرة منهم. وفي قطاعي الزراعة والبناء، لا تزال هناك تقارير عن نقص حاد في العمال، وذلك بالأساس بسبب حظر دخول حوالي 120 ألف عامل فلسطيني من الضفة الغربية من دخول إسرائيل للعمل.

إجراءات صعبة في العام المقبل

قال أمير يارون محافظ بنك اسرائيل إن الحجم العام لتعديلات الميزانية المطلوبة كبير، وشدد على أنه إذا تم اتخاذ قرارات تنطوي على زيادات دائمة إضافية في الإنفاق العسكري فسيتعين إجراء المزيد من التعديلات، وتقع على عاتق الحكومة مسؤولية اتخاذ الخطوات اللازمة، حتى لو لم يكن بعضها شعبيا، لضمان الاستقرار الاقتصادي. أما في حال اتخاذ إجراءات جزئية أو تأجيلها حتى عام 2025 مع الاستمرار في زيادة الإنفاق العسكري والإنفاق العام المرتبط به، فمن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى زيادة إضافية في علاوة المخاطر على القروض المصرفية. كما أنه سيؤدي إلى ترسيخ قناعة لدى مؤسسات التمويل بأن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تسير على مسار غير خاضع للرقابة والسيطرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية