اتساع رقعة العنف القبلي في السودان: قتلى وحرق مبان حكومية في كسلا

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: شهد عدد من المدن السودانية، الإثنين، احتجاجات أهلية، على خلفية أحداث العنف القبلي في إقليم النيل الأزرق جنوب البلاد، والتي راح ضحيتها أكثر من 60 قتيلا و157 جريحا، إذ أغلقت مجموعات تنتمي لبعض القبائل المتضررة من الأحداث، جسر القاش في ولاية كسلا شرق السودان، وسط عمليات حرق لمبان حكومية، وأنباء عن سقوط قتلى.
وحسب شهود عيان تحدثوا لـ«القدس العربي» بدأت الاحتجاجات في كسلا صبيحة الإثنين بشكل سلمي، حيث اكتفى المحتجون بإغلاق جسر القاش، وعدد من الطرق، ولكن لاحقا شهدت الولاية نشوب حرائق في عدد من مؤسسات الدولة أبرزها أمانة الحكومة ومباني إدارة التعليم.
ونقلت وكالة الأناضول عن طبيب في مستشفى كسلا قوله إن «عدد القتلى وصل لـ 5 والإصابات 16، جراء أعمال العنف التي أدت إلى حرق مقرات حكومية وأسواق تجارية».
وأضاف، مفضلا عدم نشر هويته، أن «الأضرار المادية أيضا كبيرة خاصة في مقر إدارة البترول، ومكاتب التعليم بالمدينة بسبب الحريق».
وأصدر والي كسلا، المكلف خوجلي حمد عبد الله، قرارا بحظر وتقييد التجمهر والتظاهرات في الطرق والأماكن العامة في أحياء محلية كسلا وأسواقها المختلفة، وذلك اعتبارا من أمس الإثنين.
وقال إن الاحتجاجات يحتمل أن تؤدي إلى الإخلال بالسلامة والطمأنينة العامة.
وامتدت الاحتجاجات إلى ولاية القضارف، شرق كسلا، حيث شاركت مجموعات قبلية في احتجاجات أمام مباني حكومة الوالي.
وطالب والي القضارف المكلف، محمد عبد الرحمن محجوب، المحتجين، بالتهدئة وضبط النفس، مؤكدا على ضرورة الحفاظ على النسيج الاجتماعي وضبط النفس.

هدوء حذر

أما إقليم النيل الأزرق، فقد شهد أمس هدوءا حذرا، وانتشارا أمنيا كثيفا، خاصة في محليات الروصيرص وقيسان، التي كانت الأكثر تضررا من أحداث العنف القبلي.
وفي ظل اتهامات وجهت لحكومته بالتقاعس عن حماية المدنيين، قال حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة، إنه لن يسمح بجر الإقليم للفوضى.
وأعلن عن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الجرائم التي ارتكبت خلال أحداث العنف، مؤكدا على محاسبة المتورطين في الأحداث.
وأكد أن حكومته ستقوم بحسم كل أشكال الفوضى باستخدام الأساليب الأمنية والقانونية، وستضرب بيد من حديد كل المتفلتين ومثيري العنصرية وخطاب الكراهية في الإقليم.
ودعا المواطنين لـ«عدم الانسياق خلف مروجي الفتن والإشاعات المنقولة عبر وسائل التواصل» التي وصف معظمها بـ«المفبركة وغير الحقيقية».
وشدد على أن تلك «المعلومات المنشورة في وسائل التواصل الاجتماعي، تهدف إلى ضرب النسيج الاجتماعي، وأن حكومته بصدد فتح بلاغات في نيابة المعلوماتية ضد أصحاب الصفحات والمواقع الإلكترونية التي قال إنها تروج لخطاب الكراهية والمعلومات المغلوطة».
وأشار إلى أن «خطاب الكراهية والعنصرية، من الأسباب الرئيسية التي أدت لتصاعد العنف القبلي في النيل الأزرق» مؤكدا أن حكومته ظلت «تتعاون مع الأجهزة الأمنية للحفاظ على أمن الإقليم» الذي اعتبره «من أكثر المناطق التي ظلت تشهد استقرارا في البلاد وذلك قبل الأحداث الأخيرة».

تجمع المهنيين يتهم السلطات العسكرية بالتخطيط لأحداث النيل الأزرق

وتولى العمدة منصب حاكم إقليم النيل الأزرق في 11 يوليو/ تموز الماضي، وفقا لترتيبات اتفاق السلام الموقع بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.
ونص الاتفاق على الحكم الفيدرالي وتحويل دارفور والنيل الأزرق لأقاليم بعد أن كانت ولايات، وفي وقت تولى فيه رئيس حركة «جيش تحرير السودان» مني أركو مناوي منصب حاكم إقليم دارفور، تم تنصيب العمدة حاكما للنيل الأزرق وفق ترشيح الحركة الشعبية ـ شمال، جناح مالك عقار.

موت وتشريد

واعتبر تجمع المهنيين السودانيين أن أحداث العنف في النيل الأزرق وما سبقها من أحداث في دارفور «تؤكد أن اتفاق السلام لم يخاطب جذور الأزمة في البلاد».
وأضاف في بيان: «لن ننعى في تجمع المهنيين اتفاقية سلام جوبا التي ولدت ميتة، وسالت معها الدماء أنهاراً في مناطق النزاعات، ولم يحصد الأبرياء منها سوى الموت والتشريد والتهجير القسري» مشيرا إلى أنها «تحولت إلى محاصصة، المستفيد الأول منها قادة الحركات المسلحة ودعاة التسوية والمتضرر الأكبر منها المواطن في مناطق النزاعات والذي تم تجاهله مع أنه صاحب المصلحة الحقيقي في عملية السلام».
وتابع: «ما يحدث من مجازر يؤكد أن من خططوا لاختطاف ملف السلام بإبعاده عن أصحاب المصلحة والمدنيين وعن جذور الأزمة، شركاء في القتل الجماعي والفردي أمس واليوم وربما غداً».
واتهم «السلطات العسكرية بالتخطيط لأحداث النيل الأزرق، وقال إن ذلك «يأتي في إطار خططها الانقلابية» مؤكدا أنه «تم بتنسيق تام بين قادة الانقلاب والأجهزة الأمنية والنظامية وبتواطؤ من قادة الحركات المسلحة».

عزل المجرمين

ولفت إلى أن «ما يحدث في النيل الأزرق، قد حدث من قبل في مناطق مختلفة من السودان، ولن يتوقف ما لم يتم عزل المجرمين وإبعادهم عن المشهد، والتعامل معهم كقتلة يجب القبض عليهم، وتقديمهم للمحاكمات العاجلة قصاصاً لتلك الدماء».
وأكد أن ما وصفه بـ«القتل الممنهج والجرائم والمذابح المروعة في كل أنحاء السودان، لن تتوقف، حتى تتوقف محاولات إيجاد مبررات لمحاورة العسكر من بعض القوى السياسية».
كما ندد حزب «الأمة القومي» بـ«استخدام السلطات للعنف البالغ في مواجهة المتظاهرين في المواكب السلمية التي دعت لها لجان المقاومة والقوى السياسية، الأحد، لإدانة العنف القبلي والانقلاب العسكري» مشيرا إلى أن «قمع المحتجين واستخدام العنف في مواجهة المعتقلين من الانتهاكات الجسيمة التي ظلت سلوكا ممنهجا منذ انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي».
ورفض «الاستخدام غير المبرر لقنابل الغاز المسيل للدموع بشكل واسع النطاق وضرب المحتجين السلميين» مشيرا إلى تلقيه تقارير أيضا عن استخدام الرصاص المطاطي والمدرعات والسيارات في محاولات للدهس.
وأضاف أن «قادة الانقلاب يؤكدون في كل صباح جديد على مراوغتهم واستهانتهم بكرامة وحقوق الشعب السوداني وتماديهم في انتهاك حقوقه، ضاربين بعرض الحائط المطالب المشروعة بالعودة للثكنات ومدنية السلطة ووقف الانتهاكات» مؤكدا «استمرار العمل على مناهضة الانقلاب مع جميع القوى المطالبة بالحكم المدني الديمقراطي».

فشل قادة الانقلاب

واعتبر أن «ما يحدث في الخرطوم مقرون بما يجري في إقليم النيل الأزرق، وما جرى في غرب دارفور وغرب وجنوب كردفان والبحر الأحمر وكسلا ومناطق أخرى، يؤكد فشل قادة الانقلاب حتى في مهامهم الأساسية في حفظ الأمن، ويؤكد الحاجة الوطنية والأخلاقية لإنهاء الانقلاب وطي صفحته وصفحة الانقلابات في البلاد إلى الأبد».
وطالب المجتمع الدولي والإقليمي بـ«مواصلة جهوده من أجل إنهاء الانقلاب وحماية حقوق الشعب السوداني، ووقف الانتهاكات وسفك الدم المستمر منذ نحو 9 أشهر» مؤكدا أن «قادة الانقلاب لم يقدموا أي بادرة تشير إلى أنهم عازمون على كف أيديهم عن الشعب».
وجدد «الدعوة لكافة قوى المعارضة والمطالبين بالتغيير في السودان للاصطفاف من أجل وحدة قوى الثورة لإنهاء هذا الانقلاب واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي».
وكان المجلس المركزي لـ«الحرية والتغيير» قد حذر في بيان الأحد، من تصاعد العنف القبلي في النيل الأزرق، مؤكدا أنه ينبئ بنذر «حرب أهلية» في الإقليم.
واعتبر أحداث العنف القبلي التي تصاعدت في البلاد، من تداعيات انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وشدد على أن «الانقلاب يهدد وحدة أراضي البلاد ونسيجها الاجتماعي» مؤكدا «رفضه لكل أشكال التحشيد القبلي والجهوي، القائم على كراهية وعداء الآخر».
وأضاف أن «نهج الانقلابيين الذي تجلى الآن في ولاية النيل الأزرق، سيقود إلى تغذية الضغائن والمرارات بشكل سيترتب عليه زيادة التوتر والاحتقان واشعال حرب أهلية في أطراف البلاد ووسطها».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية