اتفاقية المبادئ تتحول إلى لغز… والموالون واثقون من تجاوز المحنة… والمعارضون يرون المسكنات ليست حلاً

حسام عبد البصير
حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: بينما الأحداث الفارقة تعصف بالعالم والخوف لا يغادر الأغلبية حتى في العيد، اهتمت صحف القاهرة الصادرة أمس الجمعة 23 يوليو/تموز، بما هو خارج المقرر بالنسبة للمصريين، الذين يعد لهم سادة العالم والمتحكين في إدارة أموره سيناريو مأساوياً، وفق ما كشفت عنه تداعيات الأحداث بالنسبة لسد النكبة، الذي أصبح حقيقة صادمة تحول بين الأغلبية وأدنى أحلامها.
وفي سياق “الهري” الإعلامي تسللت أخبار الممثلة التي تعيش مأساة طبية ياسمين عبد العزيز، وكذلك عدد من حوادث القتل للصفحات الأول.. واهتمت صحف الجمعة كافة بالحوار الذي دار بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وأحد المجندين المرافقين له خلال جولة على دراجات هوائية “عجلة”، الأمر الذي أثار تفاعلا، حيث أشارت الصحف إلى أن الجولة التي كانت في منطقة العلمين الجديدة يوم الخميس الماضي، تحدث خلالها السيسي مع مجند يدعى أيمن وقد سأله الرئيس عن وظيفته، وقال الشاب، إنه من محافظة المنوفية ومن قرية أشمون، ويبلغ من العمر 29 سنة، وينتهي جيشه في 21/4/2022، وصاحب مكتبة صغيره، أثناء دراسته، براتب 1500 جنيه.. وقال الرئيس: “محتاج إيه، خليك دوغري يا أيمن ما تتكسفش أنا زي أبوك.. ماتتكسفش وقولي عايز إيه؟”. رد المجند أنه يرغب في وظيفة يعمل فيها بعد انتهائه من فترة الجيش، وذلك بجوار المكتبة التي يؤجرها، والمسؤول عنها، خاصة أنه يبلغ من العمر 29 عاما، مشيرا إلى أنه يرغب في تأجير محل كبير في أحد الشوارع الرئيسية لتحقيق مكسب أعلى. وقال السيسي للشاب المجند: “أنا أطحن نفسي ما أكلشي وما أنامش ولا حد يغلبني أبداً، هو العيل اللي بيجي مش محتاج أكل وشرب وتعليم وصحة وتواصل علشان يطلع متربي كويس؟ إزاي أقدر أعمل ده وأنا مشغول في شغلي، والأم مشغولة بشغل البيت؟ تقدر توفر كده إزاي، بس عشان ماتقولش الظروف صعبة.. بلغ سلامي للوالد وكل سنة وأنت طيب يا أيمن. ومن أبرز أخبار الصحف ارتفاع أسعار الوقود باستثناء السولار.
ومن تقارير البرلمان: يناقش مجلس النواب، خلال الجلسة العامة، الأحد المقبل، مشروع قانون حماية البحيرات، المقدم من الحكومة، الذي يستهدف تحقيق الحماية الفعالة للبحيرات المصرية ومسطحاتها وشواطئها، كونها أحد الموارد الطبيعية ذات الأهمية الاقتصادية والبيئية، وتنمية الثروة السمكية فيها. وتعود فلسفة القانون وأهميته لمواجهة قصور الإجراءات المتبعة في حماية البحيرات وثرواتها الطبيعية، وتناثر الأحكام المنظمة لشؤونها، وتضاربها، وضعف العقوبات المقررة على جرائم التعدي على مسطحها المائي، وافتقار نشاط الاستزراع السمكي لنظام قانوني دقيق يسهم في تحقيق أهدافه. ومن أخبار الحوادث : قررت نيابة عتاقة في السويس حبس 3 متهمين، بتهمة حيازة شبل أسد والتجول فيه داخل إحدى القرى السياحية في السخنة، بدون ترخيص، ما يعرض حياة المواطنين للخطر، وذلك بغرض التربح من تصوير المواطنين مع الشبل مقابل مبلغ مالي.

لغم في وجوهنا

سعى كريم ملاك الباحث في جامعة كولومبيا في “الشروق” إلى فك طلاسم الاتفاقية المشؤومة: لعل أقوى دلالات الارتباك القائم هو الانقسام حول اتفاق إعلان المبادئ الموقع بين مصر والسودان وإثيوبيا؛ يقول الفريق الأول، إن توقيع اتفاق إعلان المبادئ المنظّم لعملية بناء سد النهضة كان خطيئة مصرية دبلوماسية لا تغتفر. في حين يقول الفريق الثاني إن توقيع اتفاق إعلان المبادئ ألزم إثيوبيا بعدة بنود حول تنظيم عملية ملء السد، ولكن المؤامرة التي تحاك ضد مصر جعلت المجتمع الدولي يتنصل من مسؤوليته، ما دفع أبي أحمد لأن يضرب بعرض الحائط اتفاقية إعلان المبادئ. لكن ما لا يُطرح بشأن اتفاقية إعلان المبادئ هو البُعد القانوني وتبعات هذا القرار في حلبة القانون الدولي مقابل تبعاته على أرض الواقع، بمعنى أن هناك فرقا كبيرا بين ما ينبغي أن يكون قانونيا، وما يتم على أرض الواقع… رغم عقود، بل قرن واحد من محاولات إرساء قانون دولي ملزم ومنظم للعلاقات الدولية، إلا أن القانون الدولي وآلية التدخل لإرساء هذه القواعد لا تزال ضعيفة جدا، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والدليل هو إنشاء مجلس أمن عتيق يعكس ميزان القوى لدى الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، ويضمن لتلك الدول مصالحها، رغم اضمحلال إمبراطوريات، مثل فرنسا وإنكلترا، ما يعنى أن كثيرا من مبادئ وفقه القانون الدولي لا يعكس طموحات عادلة، ولكن يؤخذ من ممارسات وأعراف القوى العظمى التي ليست مكتوبة في تشريع واضح، ما عدا مجموعة اتفاقيات منظمة لعمل الأمم المتحدة والممارسات القانونية في الحروب. يبدو أن الفريق المناصر لاتفاقية إعلان المبادئ على حق؛ فلأول مرة يأتي نص صريح يسمح لدولة المصب لنهر عابر للحدود أن يلزم دولة المنبع بالتنسيق معه بالتساوي في ضوء هذه الاتفاقية. وهو ما يثير بالمناسبة حفيظة دول أوروبية وآسيوية تسيطر على منابع أنهار عابرة للحدود مثل، الصين وروسيا، ويفسر أحد أبعاد مقاومتهم لمشروع قانون مجلس الأمن بإيقاف إثيوبيا لعملية الملء الأحادي لسد النهضة.

إعلان أم اتفاقية؟

قال كريم ملاك، لعل المأزق الوحيد في الانسحاب أو إبطال أو إيقاف العمل باتفاقية إعلان المبادئ هو تحفظ مصر على المادة رقم 66 في الفقرة الخامسة، التي تُلزم الدول بالخضوع لولاية المحكمة الدولية بصورة إلزامية بالإضافة إلى عدم قبول إثيوبيا سلطة محكمة العدل الدولية، ولكن هناك سابقة قانونية لتطبيق المعاهدة بدون موافقة الأطراف. ففب عام 1947 تمت إحالة قضية قناة كورفو إلى المحكمة الدولية، من خلال مجلس تطبيقا لقرار رقم 22 من مجلس الأمن طبقا للبند الثالث من المادة رقم 36 في الفصل السادس من العهد العام للأمم المتحدة، وهو ما أرسته محكمة العدل الدولية في حكمٍ آخر عندما تقدمت الكاميرون ضد نيجيريا، بدون وساطة مجلس الأمن مباشرة بشكوى لمحكمة العدل الدولية في عام 1998 ورأت المحكمة تطبيق ولايتها إجباريا طبقا للفقرة الثانية من المادة 36 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. أما مزاعم البعض أن إعلان المبادئ مجرد إعلان وليس اتفاقية، فهو مردود عليه تلقائيا بأنه إذا كان مجرد إعلان لما اهتمت مصر بإبطاله، وهو ربما يكون تفسير إثيوبيا، ورفضها أن تلتزم بحرفٍ واحدٍ منه. ولكن هذا تفسير خاطئ لسببٍ بسيط جدا، تنص معاهدة فيينا في المادة الثانية أن المقصود بكلمة «اتفاقية» هو أي اتفاق دولي بين دول في صيغة مكتوبة خاضع للقانون الدولي بالتراضي، بدون إكراه ما تم إيداعه لدى الدول التي قامت بإضافة إمضاء المسؤول المخول لإبرام معاهدات دولية على الاتفاقية. أتصور أن الحل المطلوب هو إحالة ملف سد النهضة للمحكمة الدولية من خلال مجلس الأمن أو بمفردها، وذلك لإيقاف الملء الأحادي من قبل إثيوبيا لحين الفصل في طبيعة نهر النيل، وما استقر عليه فقه القانون الدولي، متجنبا موقف روسيا والصين التقليدي تجاه قضايا المياه والأنهار، بعد أن تقدم مصر والسودان مذكرة للجانب الإثيوبي توصي ببطلان اتفاقية إعلان المبادئ، نتيجة لخرقها بدلا من المزيد من المفاوضات. أما من روجوا لكون اتفاق إعلان المبادئ آلية ملزمة لإثيوبيا، فيجب محاسبتهم لتغيير مسار سد النهضة، وجعله حقيقة تؤرق الشعب المصري وتغير من موقفها الدولي والفقه الدولي في التعامل مع نهر النيل.

آخرتها موت

يرى علي هاشم في “فيتو” حاجة البشرية لنظام دولي عادل ليس فيه فيتو ظالم، تتحكم بمقتضاه خمس دول فقط في مصائر العالم.. نظام يكون القرار فيه بتصويت أغلبية أعضاء الجمعية العمومية للأمم المتحدة. يحدونا الأمل أن يصدر مجلس الأمن قرارا يعيد الأمور لنصابها في أزمة سد النهضة، وإلا فإن الأمر سيكون كاشفا أكثر وأكثر لتهافت هذا المجلس.. فإذا لم تكن حياة أكثر من 150 مليون نسمة مهددة بالعطش والجوع والتشرد مهمة.. فما هو الداعي لوجود مثل هذا المجلس.. ومتى يتحرك لنزع فتيل الحروب التي يتنبأ العلماء بأن المياه ستكون سببا أساسيا في اندلاعها؟ إذا اكتفى المجلس كعادته بإصدار بيان باهت لا يثنى إثيوبيا عن غيها.. فإن معنى ذلك أن المجلس يكرس لشريعة الغاب، ويسمم الأجواء بين الدول ويشعل الصراعات بينها.. لم تدخر مصر والسودان جهداً في رأب الصدع وتقريب وجهات النظر والبحث عن حلول توافقية تضمن لإثيوبيا التنمية وتقلل من مخاطر السد وتداعياته على دولتي المصب، وقد آن الأوان أن ينصفهما المجتمع الدولي.. ويجب ألا يستهين أبداً بخطورة ترك أبي أحمد يتصرف بإرادة منفردة في إيرادات نهر دولي تحكمه قوانين واتفاقيات وأعراف دولية. لقد أغلق رئيس وزراء إثيوبيا المتعنت ومن معه كل أبواب التوافق رغم عدالة قضيتنا وثبوت حقوقنا التاريخية في مياه النيل.. ويكفي أن إثيوبيا تستقبل سنويا ما يقرب من ألف مليار متر مكعب من المياه، يذهب منها 84 ملياراً لسقي الماشية الإثيوبية وهو ما يزيد على حصة مصر والسودان مجتمعتين.. فماذا تريد إثيوبيا من سد النهضة.. ومن يشجعها على التعنت ومحاولة فرض إرادتها على بقية أطراف الأزمة.. وإلام يستند أبي أحمد الذي تسامح معه المجتمع الدولي، رغم ارتكابه انتهاكات في إقليم تيغراي ترقى لجرائم الحرب.. لماذا يغض العالم طرفه عن تلك الخروقات الجسيمة التي لم يكتف بها أبي أحمد، بل يسعى لجرجرة المنطقة لصراع وحروب يمكن تفاديها بحلول توافقية تضمن مصالح الدول الثلاث.

الحقيقة ستظهر

أكد الدكتور محمود خليل في “الوطن” أن الشعب المصري لم يستطع أن يواجه الهزيمة في يونيو/حزيران 1967 ويحقق النصر في 1973، إلا بعد أن فهم الحقيقة على الأرض، وأدرك حجم الكارثة التي حاقت به، بعيداً عما ظل يسمعه من أكاذيب في الأيام الأولى للواقعة. كان الببغاء الإعلامي يصرخ بأننا في الطريق إلى تل أبيب، في حين كانت قوات العدو الإسرائيلى تجتاح غزة في طريقها إلى سيناء، يقتلون ويأسرون جنودنا البواسل، الذين تم الدفع بهم إلى الصحراء، ثم صدرت إليهم الأوامر بالانسحاب. لم يكن الكذب مقصوراً على الببغاء الإعلامي فقط، بل تجاوزه إلى الاتحاد الاشتراكي – التنظيم السياسى الأوحد حينذاك – الذي كان كبار كهنته يهونون من شأن ما حدث من احتلال للأرض، ويرددون كلاماً عجيباً يثير الدهشة والرثاء، ويؤكد لك أن الهزيمة كانت نتيجة طبيعية لتسليم زمام الأمور إلى مثل هذه العقليات. يلمّح الراحل الكبير فتحى غانم في رواية “زينب والعرش” إلى أن من بين ما كان يقال للشباب في هذه الاجتماعات إن ما حدث لمصر في 1967 لا يزيد على حال شخص دهسه «تروماي» فأفقده إحدى ذراعيه.. لكنه نجا.. أليس ذلك أفضل من أن يفقد حياته؟ أقوال من هذا القبيل كانت تتردد في محاولة للتعمية على حقيقة ما حصل، لكن ذلك لم يفرق مع المصريين شيئاً، لما علموا الحقيقة من أولادهم الذين عادوا إليهم بعد الانسحاب، وحين سمعوا قصص الأسرى من شبابهم الذين يعانون الأمرّين في «عتليت».

الببغاء سيموت

فرضت الحقيقة نفسها على الناس، كما أشار الدكتور محمود خليل، وأدركوا تفاصيل ما حدث في حرب يونيو/ حزيران، فاستحالت حالة التهوين التي قابلوا بها الحدث خلال الأيام الأولى إلى إحساس مرير بالخديعة، وتحول رضاؤهم ودفاعهم عن استمرار الوضع على ما هو عليه إلى سخط وغضب طال كل شيء، ولم ينجُ أحد لحظتها من سلاحهم التاريخي في مواجهة المحن، سلاح «النكات». لم يعد أحد يصدق الببغاء الإعلامي، حتى في الحالات التي كان يتجرأ فيها ويذكر الحقيقة، فقد أصبح التشكيك في كل شيء وفي أي شىء «سيد الموقف». ومن عاصر نصر أكتوبرمتشرين الأول 1973 يعلم أن الكثيرين تشككوا في البيانات الأولى التي استمعوا إليها عبر الراديو أو التلفزيون، وقالوا إن الحكومة تكذب كعادتها، ولم يتأكدوا من حقيقة النصر، إلا عندما عاد أبناؤهم، وسمعوا منهم حقيقة ما حدث، أو من خلال الاستماع إلى أدوات إعلامية خارجية أكدت نجاح المصريين في العبور. لم يكن من صالح السلطة في ذلك الوقت أن تكذب أو تخدع، بل يمكن القول إنها خسرت كثيراً حين سلكت هذا المسلك، ولم يكن أدل على ذلك من المظاهرات العارمة التي واجه بها الشباب والعمال، الأحكام الهينة التي تقررت على المسؤولين عن النكسة، في انتفاضة 1968، يومها لم تستثن هتافات الغضب أحداً من رموز السلطة، بمن فيهم جمال عبدالناصر نفسه، الذي حمّله الجميع المسؤولية عما حدث.
يحفظ أغلبنا المثل الشعبي الذي يقول «الكدب مالوش رجلين».. فأي كذبة مهما تضخمت وتورمت تنهار وتضمحل أمام حقيقة صغيرة تفرض نفسها على الواقع.
السودان يلم الشمل
ذكرنا كرم جبر في “الأخبار” بأن السودان كان بطل المصالحة التاريخية، بين الرئيس جمال عبدالناصر والملك فيصل، في القمة العربية في الخرطوم في أعقاب هزيمة 1967، وهي المعروفة بقمة اللاءات الثلاثة “لا تصالح، لا تفاوض، لا اعتراف»، وكانت الأزمات بين البلدين في ذروتها، بسبب الحرب في اليمن، كانت المصالحة هي مفتاح بناء موقف عربي قوي، في أعقاب الهزيمة.. وكانت المفاجأة الأولى، هي خروج الشعب السوداني العظيم، لاستقبال عبدالناصر بشكل أسطوري، وافترش الملايين طريق المطار منذ الفجر، وارتسمت الابتسامة على وجه عبدالناصر لأول مرة منذ انتهاء الحرب، وخرجت من الخرطوم الرسالة الأولى: عبدالناصر لا يزال زعيماً للعرب وكان رئيس الوزراء السوداني محمد أحمد المحجوب هو رسول السلام بين البلدين، وأقام مأدبة عشاء في منزله للزعيمين، بعيداً عن الكاميرات والدبلوماسية، وحلف بالطلاق أن يتصافحا، وكان ذلك بداية علاج المشاكل دارت أغلب المناقشات في مؤتمر الخرطوم، حول الدعم العربي لدول المواجهة، لتحقيق الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وكان عبدالناصر يعتقد أن مصر تستطيع تحرير سيناء، ولكنه كان قلقاً على الوضع في الضفة الغربية والقدس، وكان يرى ضرورة العمل الدبلوماسي لتحريرهما بأقصى سرعة، واستغلال العلاقات الطيبة بين العاهل الأردني الملك حسين والولايات المتحدة، وعاد عبدالناصر من السودان منتصراً رغم الهزيمة، ومزوداً بشحنات حماسية رائعة، استمدها من روح الشعب السوداني، وحبه لمصر، ووقوفه بجانبها في لحظات الشدة، وكانت حرب 67، هي الأزمة الأكبر في تاريخ العرب، نموذجاً لدور سوداني فعال، حفاظاً على تماسك العروبة ووحدتها، ومنع انفراط عقدها مصر والسودان بالذات لا ينفع أن يتخاصما، فبين الدولتين رصيد ثقافي وعلاقات شعبية هائلة، تقف كحائط صد ضد أي خلاف أو وقيعة، لأن ما يجمع الشعبين هو رباط مقدس، تمتد جذوره منذ أن خلق الله الأرض.

بعد أن يرحل

كان الظن عند بدء ظهور لقاحات فيروس كورونا أن العالم وقع فريسة في قبضة شركات اللقاحات التي خاضت حربا تجارية ضد بعضها بعضاً، لم تعرف الرحمة ولا القيم الإنسانية. تابع سليمان جودة في “المصري اليوم” رأيه، وعندما بدا في الأفق مع بدء الصيف أننا على موعد مع رحيل قريب لهذا الضيف الثقيل المسمى كورونا، وجدنا أنفسنا أمام ظن آخر من نوع جديد لا يقل عن الأول من حيث انعدام الرحمة بالبشر، ولا من حيث اللامبالاة بكل قيمة إنسانية. الظن الجديد هذه المرة هو أن العالم يقع في قبضة شركات المنصات الإلكترونية التي راجت أعمالها.. فليس سرا أن المليارات من الناس في أنحاء الأرض استخدموا هذه المنصات على مدى الشهور الممتدة من أول ظهور كورونا إلى اليوم. وليس سرا أيضا أن هذه المنصات جنت أرباحا تفوق الخيال. اليوم.. تتخوف المنصات ذاتها من الساعة التي سيرحل فيها هذا الضيف الثقيل، لأن معنى رحيله أن يعود العالم إلى حياته الطبيعية، وأن يتحرك البشر في كل ركن فيه كما كانوا يتحركون قبل حلول كورونا عليهم، وعندما يحدث شيء من هذا، فإن تداعياته المباشرة هي تراجع الاشتراكات في المنصات الإلكترونية، ثم تراجع نصيبها من الأرباح بالتالي. وليس غريبا، إذا كان هذا هو الحال، أن يكتشف العالم أنه على موعد مع سلالة جديدة من كورونا، كلما لاح في الأمد المنظور أن الفيروس يوشك أن يرحل فلا يعود.. لقد هاجمت سلالة دلتا الهند بشكل مفاجئ، وغريب ومريب.. وهو مريب، لأن الهند التي بدت وقت هجوم دلتا عليها وكأنها ذاهبة إلى الجحيم، لم تعد تواجه خطرا من أي نوع، ولا عاد الإعلام يذيع أي نبأ عن حال كورونا فيها. لا يبرئ الكاتب المنصات الإلكترونية من العمل على استمرار هذا الكابوس العالمي، ففي استمراره مصلحة مؤكدة لها، ولكن الأغرب بالفعل أن تشارك منظمة الصحة العالمية في هذه اللعبة المكشوفة، فلا يكاد يمر يوم إلا ونجدها تبشر العالم بما يبقيه أسيرا في قبضة شركات المنصات ومعها شركات اللقاحات، التي بدأت من جانبها تتحدث عن أن جرعتين من أي لقاح لا تكفيان.

النملة والسكر

يقول الدكتور أيمن الجندي في “المصري اليوم” إن تحسُّرنا على الفرص الضائعة هو جزء من بشريتنا! لسنا كائنات روحية تحلق في السماء، ولسنا عقولا محضة فلسفية لا تعبأ بالهراء الأرضي، بل نحن بشر مُركبّة فينا الغرائز، نجاهدها أحيانا ونستسلم لها غالبا. من جملة الفرص الضائعة فرص الثراء التي ضيّعناها، لن أُحدثكم اليوم عن أسعار الأراضي التي شهدها جيلنا ببخس النقود، ولم نفكر وقتها في شرائها لأننا لم نكن نعلم، وكانت تكفل – لأي واحد فينا لو أحسن استغلالها – أن يصبح اليوم فاحش الثراء، هل تعلمون ماذا كان يحدث في أوائل الألفية، بمنتهى البساطة ذهب صديقي عام 2002 إلى هيئة المجتمعات العمرانية، فوجد الشباك خاليا والموظف يأخذ تعسيلة، قال له صاحبي إنه يريد أرضا في التجمع، فأخرج الموظف الخريطة في صمت وقال له اختر الأرض التي تعجبك. فاختار صديقي عشوائيا قطعة أرض وتعاقد على شرائها بالتقسيط، هكذا كانت الأمور تُدار بسهولة منذ أقل من عشرين عاما. اليوم صار الناس كالنمل يتقاتلون على فتفوتة سكر، ولكن أفدح الفرص الضائعة هي (البتكوين). عام 2009 كان الدولار الواحد يساوي ألف بتكوين. أمس بلغ سعر البتكوين 31 ألف دولار. هذا معناه أن دولارا واحدا تم استثماره منذ 12 عاما تحول اليوم إلى 31 مليون دولار. هذا مضحك جدا! كانت كل مشاكل مصر ستُحل بخمسة آلاف دولار، قيمتها اليوم 150 مليار دولار، تكفي لدفع الديون المصرية كافة. والحل بسيط جدا وهو أن نخترع آلة الزمن حالًا! والعبد لله سيقوم بالمهمة، سأذهب إلى عام 2009 حاملًا معي خمسة آلاف دولار، لأتحول إلى بطل قومي للأمة المصرية، وطبعا سوف أستثمر بعض الفكة التي دكّنتها خفية لمصلحتي الشخصية، فطباخ السم – كما لا بد أنكم توافقونني- لا بد أن يذوقه!

بحبك يا شيماء!

نبقى مع الدكتور أيمن الجندي يقابل المرء في حياته أعجب المواقف، التي لو كتبها قصصي بارع لاتهموه بالمبالغة. أنتم تعرفون طبعا «الساعة الذكية smart watch»! في الميكروباص كان الشاب يحدث حبيبته في الجوال، الولد كان حليق الرأس، لوحته الشمس، أما هي على الجانب الآخر- ورغم أننى لم أرَها- فهي لا شك سمراء جذابة زادها الصبا جمالا وتدويرا مثيرا وحسن تكوين، ابتسمت وأنا أسمعه يسامرها بصوت جهوري يسمعه الميكروباص كله! قال لها متفاخرًا: «يا بت أنا بكلمك من الساعة الذكية، آه والنبي الساعة! أبل يا بت». حدقت فيه مذهولًا من كذبه الصارخ لأنه – حيث مكثت أراقبه – كان يحادثها من جوال صيني رخيص بتلاتة تعريفة! قال مؤكدًا: «أيوه بكلمك من الساعة». «يا لك من كذاب أَشِر». قلت لنفسي وأنا أنظر إلى شبابه في إعجاب، وفجأة سمعت صوتها ينساب في دلع: «طب قول لي كده بحبك في الساعة»، وانحنى النصاب على ساعة وهمية، وهو يقول لها ضاحكًا: (بحبك يا شيماء)!

حالة ياسمين

كشف الأستاذ الدكتور ماهر عمران أستاذ النساء والتوليد في كلية الطب في جامعة عين شمس، حالة الفنانة ياسمين عبدالعزيز في “البوابة”: المريضة سبق لها الولادة بعمليتين قيصريتين إحداهما في القاهرة منذ ثمانية عشر عاما والأخيرة في سويسرا منذ عشر سنوات أجرت الفنانة، منذ فترة عمليتين جراحيتين لإزالة كيس تجمع دموي، إحداهما في الولايات المتحدة الأمريكية، تدخل جراحي آخر في إحدى الدول الغربية نتجت عنه مضاعفات في الجرح ويعلم جميع الأطباء أن هذا التاريخ المرضي الجراحي ينطوى على موانع مطلقة لاستعمال المنظار الجراحي، وبالفعل كانت العملية جراحة مفتوحة، تكون فريق الجراحة من طبيبها الخاص منذ حملها الأول، وهو استاذ أجيال، وقامة كبرى متميزة في مجال جراحة أمراض النساء والتوليد، بالإضافة إلى أستاذ جراحة تجميل شهير ومتميز في مجاله، تم إزالة كيس فيه تجمع دموي كبير الحجم على كل من المبيضين، احتوى كل منهما على ما يقل عن نصف لتر من الدم الكثيف، الذي يتراكم على مدى سنوات بفعل مرض بطانة الرحم المنتبذة في المبيض، أو كما يقال (البطانة المهاجرة)، وكل من يعمل في تخصص أمراض النساء، من الممكن أن يتصور مدى تعقيدات الحقل الجراحي في حالات تكرار التدخل الجراحي، ولاسيما مع هذا المرض اللعين الذي تكون جراحاته أحيانا أشد قسوة من جراحات الأورام الخبيثة، ولاسيما عند تكرار التدخل الجراحي ولم تكن هذه هي المرة الأولى للتعامل مع هذا المرض. من قام بفتح البطن هو أستاذ التجميل ثم بعد الانتهاء من إزالة أكياس المبيض قام بتقفيل العملية، وتم التعامل مع آثار العمليات السابقة على جدار البطن وانتهت الجراحة بسلام ووضعت المريضة في الإفاقة إلى أن استعادت وعيها، وقبل نقلها إلى غرفتها عانت المريضة من انتفاخ في البطن وتمدد في القولون قبل أن تتفاقم الحالة أدخلت المريضة مرة أخرى للاستكشاف، وتم التعامل معها جراحيا بكفاءة، وظلت المريضة في غرفة العناية المركزة تحت تأثير المهدئات ومضادات الألم، كما هو متبع بعد العمليات الكبرى. لم تدخل المريضة مطلقا في حالة الغيبوبة المزعومة، التي ظلت عناوين للهراء الصحافي أو موضوعا لهري الفضائيات. نقلت المريضة إلى غرفتها للملاحظة العادية واستقرت حالتها وتقرر منع الزيارة لحين السماح بها.

بحاجة للدعاء

أشارت سحر جعارة في “الوطن” إلى أنها عرفت الإعلامية الرقيقة إيمان الحصري من خلال لقاءات عديدة كمهنية ومحترفة، تبدو بملامحها المصرية كالفراشة لكنها «مقاتلة».. لم تتخلَّ يوماً عن أسلوبها الهادئ في إدارة أصعب الحوارات.. ليظل حضورها المميز يخطف القلوب والأبصار عبر شاشة «DMC». وتزعم الكاتبة أن الكاميرا تفضح القلوب والعقول، فالجمال الصارخ ليس من أدوات الإعلام، ورغم جمالها عرفت كيف تكون أنيقة العقل، «حاضرة ومؤثرة» بدون صراخ أو مزايدة سياسية أو ادعاء بطولة.. المذيعة إيمان الحصري تعرف معنى الحياد والموضوعية في الإعلام جيداً، وكيف تُخرج كل ما في عقل الضيف ببساطة. تابعت الكاتبة كلامها، الآن، تسدد هذه الشابة الجميلة من ربيع عمرها فاتورة «خطأ طبي» أدى إلى مضاعفات صحية، وبعد خوضها أكثر من عملية جراحية لا تزال تنتظر حضور جرّاح عالمى إلى مصر من أجل إجراء جراحة عاجلة. وقبل أن نسأل: هل في القانون ما يعاقب على «الخطأ الطبي»، الذي تحول إلى ظاهرة، ونبحث عما يمكّننا من أن نقاضي ونحاسب هؤلاء المخطئين طبياً.. كانت النجمة ياسمين عبدالعزيز ضحية لخطأ طبي آخر أثناء إجراء جراحة. (ملحوظة: التفاصيل تخصها وحدها). وأكدت الكاتبة على أن أجمل ما في ياسمين كفنانة أنها قوية وواضحة، تعيش مشاعرها الإنسانية على الملأ، دقيقة في اختياراتها، تحترم نفسها وفنَّها.. فجاءت أزمتها مضاعفة، وبينما هي تواجه الألم بشجاعة تحولت إلى مادة للشائعات من قلوب سوداء لا ترحم! وطالبت سحر جعارة من القراء أن يتوجهوا بالدعاء لكل من ايمان وياسمين بالشفاء العاجل.

مبدع في جاكيت

واقعة فارقة لشاعر كبير اهتم بها صلاح صيام الذي يهوى التنقيب في وقائع التاريخ في “الوفد”: ساعده الشاعر مأمون الشناوي وحول حياته من شخص يعمل في إحدى المهن اليدوية إلى أشهر شاعر غنائي في بداية التسعينيات من القرن الماضي، ولم يجد أي غضاضة في أن يفتح الطريق أمام شاعر موهوب آخر، بأن يدخل طريق الفن ويحقق فيه نجاحات. لم يخف الشناوي الموهبة الفذة – رغم أنها تمتهن مهنته – بل على العكس ارتضى أن يكون سلماً لها لتصل إلى المجد والشهرة. سيد مرسي “المكوجي”، الذي يقع في حب إحدى الخادمات ومن حسن حظه، أنها تعمل في منزل الشاعر الغنائي مأمون الشناوي، بدأت الحكاية بخلاف نشب بين «المكوجي»، والفتاة التي يحبها، التي هجرته لاحقاً، ليرسل لها أبيات شعر في جاكيت إحدى البدل الخاصة بمن تعمل لديه وهو مأمون الشناوي، لتكون تلك الكلمات هي أغنية «على الحلوة والمرة»، وما أن رأى الشناوي كلمات تلك الأغنية، أقام الدنيا باحثا عن كاتب تلك الكلمات، ليضع الفتاة العاملة لديه في حالة من الرعب، لتروي له القصة ويطلب منها أن تأتي بحبيبها المكوجي. يستكمل القدر دوره مع سيد مرسي ليتصل مأمون الشناوي بصديقه الملحن محمود الشريف، وصديقهما المشترك نجم الغناء في ذلك الوقت عبدالغني السيد، لتخرج للناس أغنية من أروع الأغاني المصرية، حتى أن الشاعر سيد مرسي لقبوه في ما بعد بـ «سيد مرة» تأسياً بعنوان أول أغنية اشتهر بها، فكانت الكلمات رقيقة ومعبرة وهى التي أراد أن يتودد بها لحبيبته الخادمة التي هجرته، وطلب من خلالها الصلح، وتقول الكلمات: «ع الحلوة والمرة.. مش كنا متعاهدين.. ليه تنسى بالمرة.. عشرة بقالها سنين.. ع الحلوة والمرة.. نسيت خلاص عهدنا ونسيت ليالينا.. ونسيت كمان ودنا ونسيت أمانينا.. كان أملي فيك غير كده ليه تنسى ماضينا.. حرام عليك كل ده شمتهّم فينا.. راح تنسى كام مرة وتفرح اللايمين». واستمرارا لتصاريف الأقدار تم تسجيل الأغنية ونجحت نجاحا ساحقا يظل وينطلق بعدها اسم سيد مرسي كأحد أكبر شعراء تلك الفترة، وقد كتب العديد من الأغنيات.

ادفنوا الفتنة

أسئلة مهمة طرحها أحمد عبد التواب في “الأهرام”: هل سوف نترك عوامل التعصب الكروي تتفاقم هكذا؟ وهل يمكن السكوت على أن تمنح بعضُ مجالس إدارات بعض الأندية صلاحيات لنفسها تُزِيد بها التعصب؟ وأين اتحاد الكرة، ووزارة الشباب والرياضة، ولجنتا الرياضة في غرفتي البرلمان؟ وأين وزارة الداخلية التي سوف يكون عليها أعباء ومسؤولية حل المشاكل عندما يُسِفر إهمالُ ترك عوامل التعصب عن تبعاته التلقائية؟ آخر الحكايات، في قرار نادي بيراميدز فرض غرامة 100 ألف جنيه على شريف إكرامي، وانظر إلى السبب: لأنه هنأ النادي الأهلي على حصوله على كأس أبطال افريقيا، في تدوينة له على صفحته على أحد مواقع التواصل! وأعلن بيراميدز أنه لكي يلغى العقوبة، فإنه على اللاعب أن يزيل تدوينته، كما فعل أحمد فتحى الذي سبق بتهنئة مماثلة وفُرِضَت عليه عقوبة مماثلة، ألغاها النادي بعد أن أزال فتحي تدوينته، فهل عقود اللاعبين مع أنديتهم تُلزِمهم بأن يمتنعوا عن مثل ما فعله اللاعبان؟ وهل هنالك عقوبة معلنة تنص بالغرامة على هذا الفعل؟ وبفرض أن العقود تنص على هذا، فهل يمكن أن تمر هذه الشروط هكذا؟ وأين هي الجهة التي تراجع التزام العقود بقواعد عامة في الدستور والقانون؟ ثم أين هي الجهات المنوط بها وأد الفتنة في مهدها وقبل أن تنفجر قنابل تكرر المحن السابقة؟ وأكد الكاتب على أن المنطق المباشر يقول إن إكرامي وفتحى لهما الحق في تهنئة الأهلي لأنه ناديهما السابق، ولأنهما سعيدان بفوز زملائهما السابقين. ولكن الأهم أن يعم المنطق الصحي، الذي هو رياضي بالمناسبة، ويُسمَّى (الروح الرياضية). ومن فوائد الفضائيات، أنها تنقل لنا ما يحدث في مجتمعات أخرى، قد يتجاوز تعصب جماهيرهم ما لدينا، إلا أن مسؤولي الكرة عندهم يعملون على منع الفتن من منابعها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية