اتفاقية دفاعية واعتراض سفن وتصريحات حادة.. بوادر جولة جديدة من التصعيد بين تركيا واليونان في شرق المتوسط 

إسماعيل جمال  
حجم الخط
0

إسطنبول- “القدس العربي”: على الرغم من عقد جولة جديدة من “المباحثات الاستكشافية” بين تركيا واليونان في أنقرة، الأربعاء، إلا أن التطورات المتسارعة بين البلدين في الأيام الأخيرة تؤشر إلى أن الأمور تتجه نحو جولة جديدة من التصعيد حول ملف شرق المتوسط بعد الصفقة الدفاعية اليونانية الجديدة مع فرنسا وتجدد عمليات التنقيب واعتراض السفن، وما رافق ذلك من حرب كلامية جديدة تنذر بشتاء ساخن.

وتعقد في أنقرة، الأربعاء، جولة جديدة من المباحثات الاستكشافية بين البلدين، لتكون بذلك الجولة الثالثة في الأشهر الأخيرة عقب توقف المباحثات لسنوات، حيث عقدت الجولة السابقة في أثينا 16 مارس/ آذار الماضي، في حين استضافت إسطنبول الجولة التي سبقتها في 25 يناير/ كانون الثاني 2021.

وعلى الرغم من عقد 63 جولة من المباحثات منذ انطلاقها عام 2002 بهدف بحث إمكانية التحضير لأرضية لحل الخلافات العميقة بين البلدين في بحر إيجة وشرق المتوسط، إلا أنهما لم تنجح في التحضير لحوار متقدم بين البلدين، وبقيت هذه الجلسات مجرد وسيلة لإبقاء الحوار والتواصل لتخفيف التوتر والتصعيد في بعض الأوقات دون النجاح بتحقيق اختراق حقيقي في الخلافات الجوهرية المستمرة بين البلدين.

وتتزامن الجولة الجديدة من المباحثات أيضاً مع بوادر جولة جديدة من التصعيد، حيث تبادل كبار مسؤولي البلدين طوال الأيام الماضية التصريحات في ظل عودة التصعيد حول ملفي قبرص وشرق المتوسط، مع عودة مساعي التنقيب من الدولتين واعتراض السفن. وهي الحوادث التي كادت العام الماضي أن تجر الجارين إلى اشتباك عسكري غير محسوب العواقب، قبل أن تتمكن ضغوط الناتو والاتحاد الأوروبي في احتواء التصعيد جزئياً أنقرة وأثينا.

وقبل أيام، تبادل البلدان إصدار إعلانات “نافتكس” للإنذار البحري، حيث أعلنت اليونان إنذاراً للتنقيب، أعقبته تركيا بإنذار تحذيري من مغبة دخول السفينة منطقة تقول أنقرة إنها تقع في جرفها القاري، قبل أن تعلن وزارة الدفاع التركية أنها اعترضت بالفعل طريق سفينة التنقيب اليونانية وأجبرتها على مغادرة الجرف القاري التركي.

وجاء في بيان لوزارة الدفاع التركية: “حاولت سفينة الأبحاث نوتيكال جيو دخول الجرف القاري التركي دون إذن. عند هذا الحد، استجوبتها وحذرتها سفينة تابعة للبحرية التركية، عقب دخول السفينة الجرف القاري دون إذن رغم ذلك، تم إبعاد سفينة الأبحاث من الجرف القاري التركي”.

وعقب ذلك، حذرت متحدثة باسم وزارة الدفاع التركية أن “تركيا تستخدم القنوات الدبلوماسية ضد مواقف اليونان غير القانونية والاستفزازية والعدوانية ويتم الرد اللازم ميدانيا في نطاق المعاملة بالمثل”، مشددة على أن “القوات المسلحة التركية ستواصل حماية حقوق ومصالح تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية في بحر إيجة وشرق البحر الأبيض المتوسط، وستظل ضامن السلام والأمن في جزيرة قبرص بما يتماشى مع الاتفاقيات الدولية المعنية”.

وفي مؤتمر صحافي مشترك، ندد وزير الخارجية اليوناني ونظيره القبرصي بـ”الأعمال غير القانونية” لتركيا في شرق البحر المتوسط، وبينما شدد الوزير اليوناني على أن بلاده “ستحمي سيادتها وحقوقها السيادية وفقا للقانون الدولي وقانون البحار”، اعتبر الوزير القبرصي أن “السياسة الخارجية لتركيا لا تزال قائمة على نهج عثماني معدل، يعتمد في الغالب على القوة العسكرية للبلاد”.

وفي عودة إلى أزمة تسليح الجزر منزوعة السلاح، قالت وزارة الدفاع التركية إن اليونان “تواصل إجراءاتها التي تقوض وضع جزر بحر إيجة الشرقية غير العسكرية، بما يتعارض مع الاتفاقيات الدولية”، لافتة إلى أن اليونان نفذت عملية إنزال على جزيرة صاقز التي تتمتع بوضع غير عسكري، في إطار مناورات فارمينيون يوم 29 سبتمبر الماضي، بحضور رفيع المستوى، لتواصل بذلك ممارساتها الاستفزازية.

ونهاية الشهر الماضي، نفذت وحدات خاصة من القوات البرية والبحرية والجوية التركية مناورات عسكرية في المناطق الساحلية غربي تركيا، وأوضحت صور من المناورات ومصادر تركية أنها كانت تحاكي السيطرة على جزيرة في البحر، وهو ما رأى فيه محللون رسالة تهديد تركية لليونان في ظل عودة التوتر والتصعيد.

وانتقلت لغة التصعيد من المستوى العسكري للسياسي، حيث اعتبر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن “تركيا لطالما منحت الأولوية للدبلوماسية، لكن عند نفاد الدبلوماسية ننزل إلى الميدان، وذلك بهدف إعادة الجميع إلى طاولة الدبلوماسية مجددا”، وقال: “أطروحات اليونان والشطر القبرصي الرومي المتطرفة (بشأن حدود مناطق الصلاحية البحرية) هي سبب التوترات السابقة الحاصلة شرقي المتوسط”، وشدد على “تصميم تركيا على الدفاع عن جرفها القاري ومناطقها الاقتصادية الحصرية ومياهها الإقليمية”.

واتخذ التصعيد منحاً جديداً الأسبوع الماضي، عقب توقيع اليونان مع فرنسا اتفاقية دفاعية جديدة تشمل شراءها عددا من السفن الحربية في إطار ما تعتبره تركيا سباق تسلح وتدخل فرنسي في أزمة شرق المتوسط، وعلى الرغم من نفي اليونان أنها تخوض سباق تسلح مع تركيا، اعتبرت أن الاتفاقية الدفاعية الجديدة مع فرنسا “تهدف إلى ردع الأعداء” في إشارة إلى تركيا.

وتتضمن الاتفاقية بنداً ينص على تبادل المساعدة “بجميع الوسائل المناسبة” في حال أن البلدين “وجدا معاً أن عدواناً مسلحاً وقع في أراضي” أحدهما، وبينما رأى رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوت أكيس، أن الاتفاقية “ليست معادية” لتركيا، وأن بلاده لا ترغب الدخول في سباق تسلح معها، أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أنها وسيلة مشتركة “لضمان الأمن في المتوسط وفي شمال إفريقيا والشرق الأوسط والبلقان”.

وحث وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس، برلمان بلاده على التصديق على الاتفاق مع فرنسا، معتبرا أن “عدوان البلد المجاور لا يسمح برفاهية رفضه”، وقال الوزير أمام البرلمان: “توقيع هذه الاتفاقية يعد نجاحا وطنيا كبيرا والسعي الأيديولوجي لإضعاف الاتفاق مع فرنسا ليس في المصلحة الوطنية لأن عدوان الجار لا يسمح برفاهية التصويت ضد هذه الاتفاقية”.

وأضاف: “البعض يقلل من شأنها كصفقة فرقاطات، ولكن رغم عدم التقليل من أهمية هذا السلاح الضروري للغاية بالنسبة لنا، فإن الاتفاق الأمني مع فرنسا مهم لصون مصالح بلدنا”، وتابع: “لدينا جار كبير جدا، حتى لا نسميه بالعدواني التام، ونرد على هذا الجار عند الضرورة، سواء في العلن أو في الحوار بيننا وفي المحافل الدولية”.

ونددت تركيا بالاتفاق الفرنسي اليوناني، معتبرة أنه يهدد “السلام والاستقرار الإقليمي”، وجاء في بيان للخارجية التركية: “انتهاج اليونان سياسة تسلح وعزل تركيا بدلاً من التعاون أمر إشكالي ويسيء لها وللاتحاد الأوروبي ويهدد الاستقرار والسلام الإقليمي”، واتهمت أنقرة أثينا بالسعي وراء “أضغاث أحلام” بمحاولتها “جعل تركيا توافق على مطالبها” من خلال “تحالفات عسكرية ثنائية”.

من جهته، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أقار، الثلاثاء، تعقيباً على الاتفاق الفرنسي اليوناني: “على جارتنا اليونان أن ترى أن اتخاذها مبادرات مختلقة عبر انسياقها وراء تحريض بعض الدول، لن يجلب لها النفع”، معتبراً أن “تركيا لم تكن أبدا تهديدا لأحد، وعلى العكس من ذلك كانت دائما حليفا موثوقا وقويا وفعالا”، لكنه عاود التأكيد على “وجوب أن يعلم الجميع أن تركيا لن تسمح بانتهاك حقوقها وجمهورية قبرص التركية وفرض الأمر الواقع”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية