اتفاقية ساكس بيكو الجديدة تدشن عصر النهضة الجنسية في بلاد العرب!
فوزي عزّ الديناتفاقية ساكس بيكو الجديدة تدشن عصر النهضة الجنسية في بلاد العرب!يخيل اليّ ان الجهاز العربي الوحيد الذي بقي قابلا للإستفزاز هو الجهاز التناسلي… ومن لا شاهد له فهو كذّاب.. هل هناك قناة غربية واحدة، اهتمت بالحضارة العربية أو الثقافة العربية أو بالسياسة العربية، أو بالاقتصاد العربي أو حتي بالرياضة العربية.. طبعا لا، ولكنها اصبحت تتسابق لتتكرم علينا بقنوات مختصة في الجنس العربي… بعد ان أثبتت الإحصائيات ان العربي يحتل المرتبة الأولي في ترتيب محترفي الدعارة التلفزية… والبرامج البورنوغرافية….ولئن كان للغرب باع وذراع في هذا الاختصاص بشكل مباشر وصريح فإن بعض القنوات العربية تستميت في تحقيق الهدف ذاته ولكن بأسلوب غير مباشر، وهو أفظع وأكثر تأثيرا.. فما نشاهده من نقل مباشر للعمليات الاحمائية في غرف النوم وفي قاعات الاستحمام، وعلي حافة الشواطيء وداخل السيارات اختزل المتلقي في جانبه الغريزي والحيواني.. ولا تعتقدوا ان المواطن العربي قلق أو منزعج بل يشعر بكامل السعادة وهو يرسل أشواقه وقبلاته ورغباته الي نجمته المفضلة عبر الارساليات القصيرة والطويلة.. ولا تظنوا ان هذا العربي الصالح لهذا المنتوج الإعلامي في حيرة من امره فقد سبقت ولله الحمد، هذه الانتعاشة الجنسية والاحتفال الخرافي بالنصف الاسفل من الجسد، خطة جهنمية لاستئصال آليات الرفض، وميكانيزمات المقاومة… بدءا بتحويل البرامج التعليمية الي حصص للترفيه والتسلية، مرورا بالاحتفال بنجوم ستار اكاديمي المنقطعين عن دراستهم في اكاديمية المعرفة، وصولا الي قطع دابر التفكير في المختلف اللهم في ما يتعلق بمخالفة أو ضربة جزاء في مقابلة لكرة القدم… وان انسي فلن انسي ان البعض كاد يخرج في مظاهرة شعبية بسبب انقطاع بث باقة الميلتفيزيون محاولين اقناعنا بأنهم من هوّاة الرياضة، وهم في الحقيقة لا يشاهدونها إلا أمام زوجاتهم، ليقلقن ويهرعن الي نومهن مبكرا، فيكونوا قد ضربوا عصفورين بحجر واحد، ممارسة سلطة التحكم في التلفاز والانفراد بأنفسهم للتنفيس عن مكبوتهم…لقد زال الحرج تماما واصبح المتلقي جاهزا إلا لقبول الكليبات الجنسية صورا وكلمات.. ومنذ الفتح العظيم لهيفاء ونجلاء ونانسي، فهم بقية خلق الله ماهو مطلوب منهم علي غرار فنانتنا لطيفة ـ وهي لطيفة فعلا ـ التي لم تفكر كثيرا لتقدم اغنية من سقط المتاع وتعلن فيها في نصف الجو… طفي الضوء بيرعبني ـ في نصف الجو لوما طفي الضوء… كان يعجبني . وان كنا غير متشوقين لمعرفة صفة الضمير المبني للمجهول الذي اطفأ الضوء، هل هو صاحب قناة روتانا، ام ملحن الاغنية ام مخرج الكليب ولكنني متأكد ان الذي اطفأ الضوء لا يريد ان يتقشث في الطاقة الكهربائية وانما يريد ان يبذر في الطاقة الليبيدية !!… تماما مثلما تبذّر بعض الكوادر المال العام والخاص علي نزواتها الفاتنة، ولا تستحي ان يدرجها ضمن المهام المنوطة بعهدتها… السؤال الذي يقفز الي ذهني هوكيف كان العرب يعيشون قبل الفضائيات.. والإجابة التي تتبادر إلي ذهني أنّهم كانوا ينامون ويصحون علي فضاء الإعلام الواحد الموحد المدلل علي وحدة كل قطر عربي، وعلي خلو سجله الراهن من اي عيب أو سلبيات.. وكانت الحكومات تمسك بقبضة من حديد بمحتوي ومضمون كل ما يذاع ويبث ويكتب حين كانت الكلمة تعادل السلاح وتحوّل الإعلاميون الي كتبة عموميين، يطبلون ويزكّرون للأنظمة ويسبحون بحمد أمير المومنين وبجلالة الملوك والسلاطين، ويجبرون الشعوب علي الاحتفال بعيد ميلادهم المزوّر ويتألمون لمرضهم رغم انهم لا يمرضون ولا يموتون.وكان الإعلام السائد والسياسة المستأسدة، وجهين لعملة واحدة عنوانها ايهام المواطنين بأنهم يعيشون في المدينة الفاضلة التي وصلوا فيها الي جنة ابن القارح والي الحدّ الاقصي من النعيم الاجتماعي والاستقرار السياسي والرخاء المادي…وكان طبيعيا، جدا، لما منّت التكنولوجيا علي عبادها بالصحن الهوائي ان يهرع الناس الي الإعلام المتعدد الألوان والأذواق والخلفيات.. وتحت حمية الاكتشاف تبدد الانبهار، وتحت هاجس الانتقام من ربع قرن من الانفراد بالكلمة والصوت والصورة، تسللت الي الازرار أيادي بدت راشدة في بداية عهدها ثم فقدت صوابها لتضيع في زحام المبتذل.وفي الوقت الذي كان فيه البعض يمنّي نفسه بساعة حرية، تحولت شاشته الصغيرة الي عالم صغير يضع تحت تصرفه القنوات الاخبارية، والرياضية والاقتصادية والترفيهية والسياسية فكانت النتيجة المذهلة وغير المتوقعة ان داهمت المتلقي العربي، وضعية التعدد والتنوع التي تشترط حرية الاختيار والانتقاء. لكن ما لم يقرأ له حساب ان البنية الذهنية المتعوّدة علي القمع والاقصاء خانت المشاهد العربي فأضاع الزمن وهو يبحث عن ضالته وأضاع نفسه وهو يبحث عن نفسه. اغلب القنوات العربية التي تتكاثر دون اي احترام لنظام الحد من النسل، اصيبت بصدمة اللحظة وفقدت رهانها علي الوعي، وأحست بأن تغيير الحال من المحال، وأنّ عليها مواصلة ما ارتكبته الحكومات تجاه شعوبها من غسل للأدمغة وقطع حبال المعرفة ومواصلة لعبة التلهية.. ولكي تظهر الحكومات براءتها من جريمة اغتيال الهوية والمعرفة تظاهرت بديمقراطيتها واخلت الساحة للتجار… وشيئا فشيئا استسهل رجال المال والأعمال، الامر وانبروا يتسابقون في اطلاق الفضائيات، بهدف وحيد وأوحد هو الربح المادي.. وبعضهم ممن لا يملك حتي الدرجة الصفر من المستوي العلمي لم يخجل من الظهور مرار وتكرار لتقييم الاعلاميين والوعد بأنه سيقوم بفتح مبين.لقد خسر العرب قبل الفضائيات آداب الاختلاف وديمقراطية الحوار وروح التعايش ليكتسبوا في المقابل كبتا ثقافيا وسياسيا ساقهم تحت تأثير العطش لما هو مخالف ومعتاد الي قنوات استدرجتهم الي حتفهم الهوياتي والاخلاقي والقيمي.وإذا كان العرب يعانون الي يوم الناس هذا من نتائج اتفاقية سايكس بيكو اللعينة الممضاة سنة 1916 من ممثل بريطانيا سيرمارك سايكس، وممثل فرنسا جورج بيكو، لاقتسام الدولة العثمانية، فإن لا أحد يعرف ما هو حجم الخسارة التي سنجنيها من امضاء اتفاقية ساكس بيكو خصوصا وان أبناء عمومتنا هم من أمضوا عليها لاقتسام الرأسمال الرمزي للشعوب.كاتب وصحافي من تونس[email protected]