تكتمل غدًا 25 سنة على اتفاق أوسلو، الذي وقع بين إسرائيل وم.ت.ف. لقد استقبل الاتفاق بحماسة كبيرة في البلاد وفي العالم، ووصف كاختراق تاريخي للطريق على سبيل المصالحة الإسرائيلية ـ العربية. وأدى إلى أن ينال الموقعون عليه جائزة نوبل للسلام، ولكن نهايته أنه انهار بصخب كبير، فترك إسرائيل تجمع حطامه.
لقد وقع الاتفاق بالسر في أوسلو، عاصمة النرويج، في 20 آب 1993، من قبل شمعون بيرس، الذي كان في حينه وزير خارجية إسرائيل، وأبو مازن، مندوب ياسر عرفات، زعيم م.ت.ف. ولاحقًا شهد مقربو بيرس على أن اختيار أوسلو كمكان لإدارة المفاوضات السرية لم يكن صدفة؛ فقد استهدف تحقيق فرص بيرس لأن ينال جائزة نوبل للسلام، التي تمنح في العاصمة النرويجية.
بعد نحو ثلاثة أسابيع، جرى في ساحة البيت الأبيض الخلفية احتفال بمشاركة إسحق رابين وياسر عرفات، ووقع إعلان مبادئ مشترك، هدفه إخراج الاتفاق إلى حيز التنفيذ. في أعقابه عاد زعماء م.ت.ف إلى يهودا، والسامرة، وقطاع غزة، وأقاموا فيها السلطة الفلسطينية، التي تحكم هناك حتى اليوم.
لقد وصف اتفاق أوسلو كاتفاق انتقالي على مدى خمس سنوات، واستهدف أن يكون مرحلة انتقالية في الطريق إلى إيجاد حل دائم، ينهي النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. غير أنه كان لمفكري الاتفاق والمبادرين إليه في الطرف الإسرائيلي فكر واضح عما ينبغي أن يكون عليه هذا الحل الدائم: انسحاب إسرائيلي شبه كامل من معظم مناطق يهودا والسامرة وقطاع غزة، وتقسيم القدس بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأخيرًا الاستعداد لاستيعاب بعض من اللاجئين الفلسطينيين في اراضي إسرائيل.
لو كان ممكنًا لكان مندوبو إسرائيل وقعوا على هذه الشروط منذ أوسلو، غير أنه كان واضحًا لهم بأن الجمهور الإسرائيلي، وربما الكثيرون من زملائهم في الحكومة ـ وعلى رأسهم رئيس الوزراء إسحق رابين ـ سيجدون صعوبة في الموافقة على اتفاق على هذا القدر من الأثر البعيد.
فضلاً عن ذلك، ليس واضحًا على الاطلاق بأن الطرف الفلسطيني كان سيوافق على مثل هذه الخطوة. فالنسبة إلى الفلسطينيين أيضًا ممن شاركوا في الحوار مع إسرائيل وأعربوا عن الاستعداد لأن يعيشوا إلى جانبها بسلام، كان الحديث يدور عن خطوات أليمة، مثل التنازل عن حق العودة لعموم اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضي إسرائيل، والإعلان عن نهاية النزاع، والاعتراف بإسرائيل كدولة الشعب اليهودي.
بالنسبة إلى مبادريه، شكل الاتفاق رافعة للبناء التدريجي للثقة بين الطرفين. وقد خطط له أن يمنح الطرفين مكاسب ومرابح تجعل استمرار المفاوضات مجديًا، وبهذه الطريقة استهدف أن يعود، سواء الجمهور الإسرائيلي أم الجمهور الفلسطيني، إلى صيغة الحل للنزاع، مثلما رآها مفكروها.
غير أن التجربة فشلت. ومثلما كان يمكن أن نقدر، وجدت القيادة الفلسطينية صعوبة ـ ويحتمل ألا تكون قصدت ذلك منذ البداية ـ في أن تلتزم بالتعهدات التي أخذتها على عاتقها. فهي لم تحاول إعداد الجمهور الفلسطيني على التنازلات التي ينطوي عليها التقدم نحو السلام. والأخطر من ذلك، لم تترك العنف والإرهاب كوسيلة لتحقيق أهدافها. وهذا خلف رواسب خوف وشك في أوساط الكثير من الإسرائيليين.
مقابلة منحها في ذروة الانتفاضة الثانية محمد دحلان، الذي يذكر اليوم كأحد خلفاء أبو مازن، تجسد ذلك. فقد سئل دحلان، هل كان اتفاق أوسلو خطأ، فأجاب بأن الاتفاق خلق أساسًا بنية تحتية للصراع ضد إسرائيل، والدليل على ذلك، أضاف دحلان، في أثناء الانتفاضة الثانية كان عدد القتلى الإسرائيليين أعلى مئة ضعف عن عددهم في الانتفاضة الأولى.
كل هذا بات من نصيب الماضي، غير أن، المشكلة من ناحية إسرائيل تكمن في الواقع الذي خلقه الاتفاق؛ واقع كان يستهدف أن يكون مؤقتًا وعابرًا، ولكنه أصبح دائمًا ومتواصلًا. السلطة الفلسطينية وحكم حماس في غزة أصبحا حقيقة ناجزة، بل وشوكة في حلق إسرائيل، لا يمكنها ولا تريد أن تبتلعها، ولا أن تلفظها. هذا واقع إشكالي، يضع أمام إسرائيل تحديات سياسية وأمنية لا تتوقف.
ربع قرن بعد التوقيع على اتفاقات أوسلو، يجدر بإسرائيل أن تبحث عن حلول من خارج العلبة، وتجد سبيلاللتخلص من الواقع غير المريح الذي تعيشه منذئذ.
إسرائيل اليوم 19/8/2018