توفيق رباحي
مرحبا بكم في عالم الاستنساخ التلفزيوني العربي في القرن الحادي والعشرين. هناك دولتان، أو لنقل سلطتان، رائدتان في هذا الإبداع الخلاّق الذي ننعم بفضائله، والشكر موصول بطبيعة الحال الى الثورات العربية لأنها السبب: سورية وليبيا وقبلهما تونس ومصر.
أولا الحمد لله على نعمة النسيان، وايضا على القدرة على التناسي. لقد تناسينا جميعا بسرعة فتوحات التلفزيونات المصرية تجاه الثورة الشعبية المصرية، الى غاية اللحظة التي أعلن فيها عمر سليمان تنحي مبارك تحت ضغط الشارع. وتناسينا بسرعة أداء التلفزيون التونسي الى غاية مساء الجمعة 14 كانون الثاني (يناير). لكن ‘نحن أولاد اليوم’ وعزاؤنا أن الثورات تجب ما قبلها إلا من أصرّ. والعزاء أيضا عند الآخرين. شاهدوا التلفزيونات الليبية والسورية وستسعدون بتوأمة وتقارب عربيين لم يكونا يخطران على بال، وربما يخففان عنكم بعضا من الكبت والحنق الناجمين عن الشعور بخيبة العرب وانكساراتهم المستمرة: درعا هي درنة وبانياس هي أجدابيا وحمص هي مصراتة (قال عنها السفير عبد الرحمن شلقم ستالينغراد القرن الحادي والعشرين) واللاذقية هي الزاوية. والجرذان (المقملون) هنا هم الخونة هناك. والحشاشون هنا هم المجرمون هناك والمهلوسون هنا هم العصابات المجرمة هناك. والمأجورون هنا هم المندسون هناك. والطيران هنا قصف مخابئ الأسلحة وليس السكان المدنيين مثلما اقتحم الجيش درعا فجرا هناك استجابة لاستغاثات السكان. والإمارة الإسلامية في درنة قبل شهرين لها توأم في درعا اليوم، تقطع الأيادي وتسبى البنات وتجمع الزكاة بالقوة (برعاية أمير واحد في تورا بورا اسمه أسامة بن لادن ينوب عنه أيمن الظواهري). وخطاب ‘نحن أول من طالب بالإصلاح ومسودة الدستور جاهزة بفضل ولي العهد سيف الإسلام’ هنا هو ‘الإصلاحات في بداية الطريق بقيادة السيد الرئيس بشار الاسد فلماذا التسرع؟’ هناك. وبتوسيع الدائرة يصبح بشار القذافي هو معمر الاسد وماهر القذافي هو سيف الإسلام الأسد. و’زنقة.. زنقة، شبر شبر، دار دار’ هنا فعل أكثر منها قولا. وتصبح قنوات التلفزيون في سورية نسخة مستنسخة لنظيرتها في ليبيا كأن حلفا استراتيجيا نشأ على حين غرة بين الاثنتين في انتظار التحاق آخرين بعد انسحاب تونس ومصر بحكم انتهاء الثورتين عندهما بسلام.
من قال إن العرب لا يفيدون بعضهم ولا يتعلمون الدروس؟ في محاضرات الجامعة كان أحد الأساتذة اليساريين يستمتع بتكرار مقولة ‘الامبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية’. أستأذنه اليوم في استعمال عبارته والقول إن ما نشهده من تحالف (عفوا تشابه) ليبي سوري هو ما قبل أعلى مراحل الاستنساخ. ستكتمل هذه المراحل ونصل الى أعلاها عندما يتدخل حلف الأطلسي وأمريكا في سورية ويتحول الأمر من شكوى من إمارة إسلامية في درعا الى نداءات لنصرة المسلمين ضد العدوان الصليبي الاستعماري الغربي.
اختفت فضائية ‘الجماهيرية’ من الوجود فلم أشعر بأنني فقدت شيئا باستثناء اشتياقي الى المحلل الفذ يوسف شاكير وريحه الصفراء وبيضه الأخضر وتراتيل استحضار الجن وإنهاء الثورة بليبيا في تسعة أيام (على بدايتها). أبلغني زملاء بأنهم شاهدوا مباشرة وعلى شاشة فضائية ‘الجماهيرية’ قصف طيران حلف الأطلسي لمجمع باب العزيزية وتوقف البث التلفزيوني الليبي. فقد دأبت ‘الجماهيرية’ على تقسيم شاشاتها كل ليلة الى نافذتين، الأولى ليوسف شاكير وبيضه الأخضر وريحه الصفراء، والثانية لصور أناس يبدو أنهم يتجمهرون خارج مجمع باب العزيزية ‘تضامنا مع الأخ القائد وتلاحما معه’ وقد كُتب في زاوية الشاشة ‘باب العزيزية الآن’.. في الليل والنهار، فجرا، ظهرا وعصرا، الليلة الماضية.. لا يهم، دائما ‘باب العزيزية الآن’. وبما أن ‘الجماهيرية’ جزء من باب العزيزية، فقد انقطع بث الأولى بضرب الثانية وفقدت أنا حبي المفضل، يوسف شاكير.
أملي أن الفضائية السورية تعوّض الفراغ وتقوم بالواجب. يستطيع المذيعون أن يستبدلوا كلمة سورية بليبيا ثم لا حاجة لتغيير الباقي، كل التفاصيل والاصطلاحات والتعليقات والصور مستنسخة. لا تنسوا أننا في أعلى مراحل الاستنساخ. في الليلة الظلماء يُفتقد البدر! إذا كان شاكير بدون عمل أو بلا فرصة بث منذ قصف أجهزة ‘الجماهيرية’، يمكنه مساعدة الفضائية السورية في أوقات الفراغ أو الاستعانة بها، فقد غاب عنها، لسبب ما، الدكتوران عماد فوزي الشعيبي وإبراهيم الدراجي واستعيضا عنهما بهجين من ‘الخبراء’ و’المحللين’ بعضهم لبنانيون وأحدهم مصري اسمه الوصيف. كل هؤلاء لم يعوّضوا ولو جزءا من طلة الشعيبي والدراجي (لهم ولمن جلبهم الى الأستوديوهات أجر اجتهادهم) لولا أن الإعلامية التونسية كوثر البشراوي والمذيع اللبناني جورج قرداحي أنقذا الموقف بظهورهما على شاشة الفضائية السورية. عندما حدث انفجار سيارة مفخخة ذات ليل في حي المزة قبل سنوات، أذكر أن الشعيبي أبلى بلاء حسنا في الشرح والتحليل من استوديوهات في دمشق، ليس في التلفزيون السوري، بل في ‘العربية’ و’الجزيرة’ أولاً باعتبار الجمهور السوري، كالجمهور العربي، يثق الى أبعد الحدود في تلفزيون بلاده ويكره الفضائيات المأجورة.
وعندما كانت تندلع أزمات بين سورية ولبنان أو الغرب عموما في السنوات القليلة الماضية، كان الدكتور إبراهيم الدراجي يبلي هو الآخر بلاء حسنا في الفضائيات العربية أولا ثم السورية ثانيا (مرة أخرى لأن الجمهور السوري يثق كثيرا في تلفزيون بلاده). آنذاك لم تكن ‘الجزيرة’ عدوا ولم تكن ‘العربية’ بالضرورة حليفا، كانت محتملة وإن على مضض. اليوم ‘الجزيرة’ هي العدو الأول والأخير، لكن لا يبدو أن صفة ‘العربية’ تغيّرت، بحسب كوثر البشراوي. بينما اكتفى قرداحي ـ في اتصال هاتفي مع التلفزيون السوري ـ بدعوة السوريين الى البقاء في بيوتهم وعدم التظاهر اليوم (الجمعة)، صالت البشراوي وجالت ساعات منتقدة، بأريحية وثقة، كل من غطى الاحتجاجات في سورية وتحكم في الأخير بأن بن علي غادر تونس طواعية ولم يطرده التونسيون.
يبدو هنا أن التلفزيون السوري اختار التصعيد من خلال الرهان على الأسماء الوازنة. وكانت واضحة سعادة المذيعين الذين تشرفوا باستضافة البشراوي وقرداحي، الأولى ‘كفّت ووفت’ والثاني ‘لا فض فوه’. مع استمرار الغلقـ كنت دائما من الداعين والحالمين بفتح الإعلام المسموع والمرئي في الجزائر للسياسيين المختلفين مع نظام الحكم و’أيها الناس’، لأسباب لا تحتاج الى شرح ونحن في 2011. اليوم أعيد النظر في الأمر وأبدي تحفظا على تحرير الإعلام المرئي والمسموع بالطريقة التي يراها مسؤولو الحكم في الجزائر. أقول هذا مدفوعا ببوادر ‘فتح’ أشاهدها في التلفزيون الجزائري، فما أن ‘فتحوا’ حتى تدفقت وجوه الفشل السياسي: أحمد أويحيى، أبو جرة سلطاني، عبد العزيز بلخادم ثم آخرون من الصف الثاني: لويزة حنون، موسى تواتي في انتظار عمر بوعشة وفوزي رباعين وغيرهم ينفض عنهم غبار السنين والفراغ. كلهم يحلون ضيوفا على برنامج تلفزيوني أكل عليه الدهر وشرب، شكلا ومضمونا، يقولون كلاما قالوه في 1989 ويقولونه في 2070. عندنا مثل دارج يقول ‘من تكره رؤية وجهه في الشارع ترى قفاه في الحمام!’. هذا هو حال الجزائريين مع هؤلاء.
لا أعرف ماذا سيفعلون بالبرنامج و’الفتح’ عندما تنتهي القائمة، وهي، كحبل الكذب قصيرة على كل حال. هل سيعودون الى نقطة الصفر أم يعيدون ‘غلق’ النافذة على الجميع؟
إذا كان هذا هو ‘الفتح’ والتحرير’ فأنا مع استمرار ‘الغلق’ و’اللاتحرير’. قليل من الحياءـ هناك كلام كثير في تونس عن سرقة الثورة. كنت في البدء أتوجس من مروجي مثل هذا الكلام وفي أعماقي صوت يسأل: لماذا لا يعجبهم العجب ولا الصوم في رجب؟ لماذا لا يحمدون الله على ما أنجزوا؟ ليت كل العرب يحققون ما حقق التونسيون!
غير أن متابعتي لبعض الفضائيات التونسية جعلتني أصدّق بعض الكلام عن سرقة الثورة. التلفزيونات، ومن ورائها لوبيات السياسة والمال والمصالح، التي كانت تلعق حذاء الرئيس المخلوع وعبد الوهاب عبد الله وصعاليك ‘الطرابلسية’، لا تستحي اليوم من الزعم أنها كانت في مقدمة الثوار. إحدى هذه المحطات لا تتوقف عن الكذب على روح محمد البوعزيزي وشعارها ‘لم ننتظر 14 جانفي’، والمقصود ‘لم ننتظر ليلة هروب زين العابدين بن علي لنقول كلمة الحق’. بينما يعرف القاصي والداني أن هذه المحطة كانت مدجنة ولا تمتلك شجاعة قول كلمة الحق ولو بعد 100 يوم من رحيل زين الهاربين بن علي.
يحضرني هنا قول الزعيم التونسي أحمد بن صالح ذات يوم في لندن مخاطبا زبانية زين الهاربين، وقد كان في ذروة جبروته وطغيانه: ‘لا أنتظر منكم أن تكونوا ديمقراطيين أو مدافعين عن حقوق الانسان.. إني أطالبكم ببعض الحياء’. فقليل من الحياء احتراما لأرواح البوعزيزي وشهداء القصرين وتالة وتونس العاصمة وغيرها، ولشهداء وضحايا ومعذَبي السجون والمعتقلات منذ 1987.* كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’[email protected]